البلاغة التي جاءت متأخرة
كتاب خرج من غرف العباسيين ليمشي بين الناس بوجه علي بن أبي طالب، الرجل الذي مات في الكوفة وسط فوضى مبكرة في مدينة تفوح منها رائحة الحديد والخيانات السريعة، حيث الولاءات تباع وتشترى في كل زقاق. تمر ثلاثة قرون فيظهر فجأة كتاب محكم الإيقاع بجمل تتدفق بثقة خطيب يعرف مواقع التصفيق جيداً. الشريف الرضي قدم "نهج البلاغة" إلى الناس جاهزاً بلا أسانيد وبلا أي أثر للرحلة الطويلة والوعرة التي يفترض أن تقطعها الكلمات عبر قرون من النقل. الخطب تحمل رائحة بغداد أكثر من رائحة الكوفة، والسجع يتحرك فوق الصفحات مثل موكب رسمي، والجمل مصقولة بعناية تجعلها تليق بخزائن الأدب العباسي.

عكست لغة علي الحقيقية طبيعة حياته التي اتسمت بالإيجاز والسرعة والحدة كضربة سيف في زقاق ضيق، حيث فرض عليه العيش وسط الحروب والانقسامات والاضهاد واقعاً يخلُو من الترف اللغوي، في حين ينساب كتاب "النهج" بطمأنينة رجل يجلس في مكتبة عامرة بالهدوء والمجلدات. وتظهر المفردات المستعملة العمر الزمني الحقيقي للنص، فالذات والصفات والجوهر والحدود، مصطلحات تنتمي إلى فضاء جدالات المعتزلة والمتكلمين التي نشأت في عصور لاحقة ثم أُسقطت بأثر رجعي على القرن الأول الهجري.
ابن خلكان شمّ رائحة الخلل، والذهبي تعامل مع الكتاب بخشونة المحدّث الذي يعرف رائحة الوضع من السطر الأول. ابن تيمية رأى فيه نصوصاً لا تشبه علياً إلا بالاسم، والخطيب البغدادي نظر إلى نبوءاته الطويلة بريبة صرّاف يمسك عملة براقة خرجت لتوها من القالب. وتحمل الخطبة الشقشقية هذه البرودة المصنوعة بعناية عبر غضب منظم أكثر من اللازم وخصومات مصفوفة بوعي متأخر، حيث تشق الكلمات طريقها بدقة نحو تعميق الانقسام المذهبي، وتتحرك الفتنة القديمة بعد أن مرت على أيدي محررين مهرة نجحوا في تحويل الدم إلى أدب رفيع.
المجتمعات المتعبة تحتاج دائماً إلى شخصيات أكبر من الحياة تملك جواباً لكل سؤال. وقد تحول علي بالتدريج إلى تلك الصورة المعلقة فوق الجدار. يأخذ منه الفقيه حكمة، ويأخذ السياسي شرعية، ويأخذ الخطيب موسيقى لغوية جاهزة، والطائفة تضع جرحها القديم في فمه. ووسط هذا الطلاء الكثيف يضيع الرجل الحقيقي. علي كان مشغولاً بإطفاء الحرائق اليومية لدولة خرجت تواً من صدمة التوسع الكبير، والقبائل تتشاجر على السلطة مثل إخوة يتقاتلون داخل بيت ضيق بعد موت الأب. وبعيداً عن جدل المتكلمين حول الجوهر والصفات، يقدم نهج البلاغة نسخة مهذبة مناسبة لعصر الورق والنساخ والجدل العقائدي العباسي. ويتحول علي إلى حكيم كامل الصنعة. الذاكرة العربية نفسها تتعرض للإهانة داخل هذه الحكاية، بوجود صفحات كاملة محفوظة بإيقاع دقيق عبر ثلاثة قرون من النقل الشفهي وسط الحروب والأسفار، لتصل أخيراً بهذه النظافة المبالغ فيها. إنها فكرة عصية على التصديق.
الثقافة العربية بارعة في صناعة الآباء المتأخرين. كل عصر يخترع سلفه الذي يناسبه. العباسيون صنعوا علياً الذي يشبه مكتباتهم، والمتكلمون صنعوا علياً الذي يفهم أسئلتهم، والطوائف صنعت علياً الذي يحمل غضبها المؤجل. الجميع جلس بخشوع أمام النسخة الجديدة يتأملون البلاغة اللامعة، ونسوا الرجل الذي قُتل بضربة سيف في مسجد مضطرب. وفي دكاكين الكتب القديمة تظل نسخ نهج البلاغة مصطفة بغلافها الأسود وحروفها المذهبة. يرفعها الباعة بحرص تجار التحف، بينما ينزل الغبار ببطء فوق الاسم والحواف والزخارف، ليستقر في تلك الشقوق الصغيرة التي عجز المذهب عن ترميمها.
