العلاقات السعودية- الأمريكية.. زواج إسلامي أم كاثلويكي
السياسة الأمريكية ضد العرب ظلت ولا تزال تتسم بالعجرفة والغرور والابتزاز، بقدر ما هي مع دويلة (إسرائيل) قلباً وقالباً، سواء أيام إدارة حكم الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، مع الفارق بالعرض وليس بالجوهر، وسواء أيام «ترامب» أو أيام «جونسون» قبل ستين عاماً مضت تقريباً، وما قبلها!

وحينما طلب ترامب، وبشكل إلزامي فورًا، من المملكة العربية السعودية وباكستان وغيرهما، يوم 15 مايو المنصرم، الانضمام لما تسمى بـ"اتفاقات أبراهام". لم يستغرب أمثالي مثل هكذا غرور وشطط! ولأن المملكة العربية السعودية ليست مجرد (دويلة) يمكنها أن تتلقى مثل هكذا توجيهات كحال بعض دول محيطها! فلا غرابة أن تُعلن رفضها لدعوة ترامب بنفس يوم إعلانها، مؤكدة تمسكها بمواقفها الثابتة في رفض التطبيع قبل قيام الدولة الفلسطينية!
أتذكر هنا مقولة للسفير السعودي الأسبق في واشنطن بندر بن سلطان، رعاه الله، كما قرأتها في صحيفة "الشرق الأوسط" يومها، إن لم تخني الذاكرة، وربما في غيرها، حينما وصف العلاقة السعودية -الأميركية بأنها أشبه بالزواج "الكاثوليكي"! أي أنها من رساختها وقوتها يصعب الطلاق بينهما! ومع أن الدافع للسفير وهو في واشنطن يومها! قد يكون شبه مقبول لمقولته، إلا أن الخالد الذكر وعنوان الدبلوماسية (الجلي) الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- رد على الأمير بندر بن سلطان، قائلًا: "بل العلاقة السعودية -الأمريكية هي أشبه بالزواج الإسلامي وليس الكاثوليكي!".. أو كما جاء بنص مقولته -يرحمه الله- والتي تعني الطلاق أو التعدد في العلاقات والتحالف... إلخ.

وأحسب أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ينفذ ويطبق مقولة الراحل سعود الفيصل اليوم، وإن بصورة هادئة ومدروسة ومتزنة، كما هو معروف لدى أمثالي لبعض التوجهات السياسية السعودية! ومع الأخذ في الاعتبار أوضاع العرب خاصة وأوضاع المنطقة والعالم عامة، وما حدث خلال الستين عامًا الماضية من تغيرات وأحداث، من أيام جونسون حينما كانت "الصين" غير "صين اليوم"، وما كان يسمى "الاتحاد السوفيتي"، ليصبح دولة قد تكون شبه عادية اليوم، وهو ما ينطبق على دول وأمم أُخرى.

أقول: رغم التغييرات التي طرأت بمختلف الدول والشعوب، إلا أن السياسة الأمريكية ظلت ولاتزال تتسم بالعجرفة والغرور والابتزاز ضد العرب! والغريب أن هذا التصرف الأمريكي يكاد يكون محصورًا ضد العرب، لأسباب كثيرة، منها أن أكثر من 95٪ منهم مسلمون (سنة)، بينما المسلمون (الشيعة) إن كنا نعتبرهم مسلمين، هم المفضلون لدى أمريكا والغرب دومًا، وذلك معروف للخاص والعام، لأن إسلام (الشيعة) قائم على طقوس وخزعبلات وخرافات وما شابه ذلك! وما حدث ويحدث بين أمريكا وإيران مثلًا إنما ذلك مجرد خلافات على النفوذ في المنطقة بالدرجة الأولى! وهناك أسباب أخرى لتفضيل أمريكا والغرب للشيعة عن العرب تحتاج لسرد خاص بها!
إن مناسبة هذه الدردشة، ونحن نتعايش بنفس مثل هذا اليوم الخامس من يونيو المشؤوم من عام 1967م، أي قبل تسعة وخمسين عامًا، حينما ألحقت إسرائيل بمساعدة وتشجيع الولايات المتحدة الأمريكية، هزيمة مذلة غير مسبوقة بالعرب، هو أنني عُدتُ إلى قراءة كتاب "الانفجار" للكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل -رحمه الله- وظللتُ أقرأ بتمعن الصفحتين (868، 869)، إذ تحدث هيكل بإسهاب عن حرب يونيو 1967م، ثم يورد ما حدث من الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون أمام بعض السفراء العرب بواشنطن، حينما أحست وزارة الخارجية الأمريكية بقلق قد يساور بقية السفراء العرب الباقون بواشنطن، بعد قطع بعض الدول العربية علاقاتها بواشنطن فرتبت لقاءً بين هؤلاء السفراء العرب وبين الرئيس الأمريكي الأسبق جونسون، وهو ما حدث.. لكن المفاجأة التي لم يتوقعها السفراء العرب ولا الأمريكيون ممن حضروا اللقاء، وبعضهم ممن حرصوا عليه، حينما دخل جونسون القاعة وهو يقود كلبه المُسمّى "بيجل"، وبدلًا من الترحيب بالسفراء العرب الحاضرين وغيرهم، وجّه خطابه لكلبه بيجل، وكما جاء نصًا بالصفحة 868، ودون أي اعتبار للحضور، قائلًا: "اسمع يا بيجل، حكاية رجل شرير، تخانق مع جاره الطيب، متصوّرًا أن الجار الطيب لا يستطيع الرد عليه، ولكن الجار الطيب يا بيجل، استجمع قواه، ولَكَمَ جارهُ الشرير لَكمَةً قوية طرحتهُ على الأرض! له الحق يا بيجل، أليس كذلك؟! فلماذا يحق لأصحاب هذا الرجل الشرير أن يشتكوا للآخرين ما هو رأيك يا بيجل؟!".. انتهى نص الحوار بين الكلبين! كما جاء بالصفحة المذكورة.. والغريب كما يضيف الكاتب أن جونسون بعد مخاطبته كلبه، خرج من القاعة دون توجيه أية كلمة للحضور! مما أدى حسب ما جاء في الصفحة 869 من كتاب "الانفجار"، إلى أن بعض السفراء العرب الذين حضروا بعد سماعهم لحوار جونسون مع كلبه بيجل، أُغمي عليهم! وكاد يُغمى على بعض الحضور من الأميركيين أيضًا، وإن تكلف بعضهم ابتسامات مغتصبة!

فما أشبه الليلة بالبارحة، فها هو ترامب يطلب بشكل إلزامي فورًا من السعودية وبعض دول أُخرى بالمنطقة، يوم 15 مايو المنصرم، أهمية الانضمام إلى ما تسمى "اتفاقات أبراهام"، أي قيام علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فلا فرق بين كبرياء وغرور جونسون، وبين كبرياء وغرور وغباء ترامب، مع الفارق في الطرح فحسب! لذا، يمكن التأكيد أن السياسة الأميركية ضد العرب ومع إسرائيل قبل قرابة ستين عامًا، هي نفسها اليوم! رغم وجود أقطاب أُخرى غير أميركا، تختلف عن القطب الأوحد الذي كان موجودًا يومها.
ولصعوبة الاستغناء عن العلاقة مع أمريكا، بخاصة وأنَّ استمرار بعض التحالف مع واشنطن لهدف الوقوف أمام استمرار تدخل النظام الإيراني وتمدده بالمنطقة (إن استمر!)، ولكن مع تعدد العلاقات والتحالفات بدلًا من الاقتصار على واشنطن بذلك! فلتكن العلاقة العربية -الأميركية أشبه بزواج إسلامي وليس كاثوليكيًا، حسب مقولة الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- والمتصدرة لهذه "الدردشة".

ومن يدري، فقد تأتي الفترات القادمة أكثر ابتزازًا وعجرفة.. و.. و.. للعرب من أمريكا ومن إسرائيل معًا، وفرض جوانب سياسية واقتصادية واختراقات أمنية واستخباراتية أكثر، وعبر استخدام القوة، بخاصة مع استمرار المرحلة "الترامبية" و"الليكودية" في تحطيم القيم والمبادئ الدولية، والاعتماد على القوة فحسب! وهو ما يؤكد مدى أهمية التعدد في التحالفات والعلاقات العربية! مع أن كاتب هذه الأحرف يحسب أن العد التنازلي لعجرفة وغرور وابتزاز الولايات المتحدة الأمريكية للعرب، قد بدأ أو هو ما يجب!
وأختم هذه "الدردشة" بقول معشوقي "المتنبي":
"لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يُراق على جوانبه الدَّمُ!"
