الجمعة 19 يونيو 2026

99.9% من الحقيقة الإنسانية

في زمن تتكاثر فيه الأصوات التي تفرّق الناس على أساس الاسم أو المنطقة أو المذهب أو اللون أو النسب أو الانتماء، تذكّرنا الحقيقة العلمية البسيطة بأن البشر، مهما اختلفت وجوههم ولهجاتهم وثقافاتهم، متشابهون في جوهر تكوينهم إلى حد مذهل. فالعلم يقول إن أي إنسانين على وجه الأرض يتشابهان في تسلسل حمضهما النووي بنسبة تقارب 99.9%. أما ذلك الجزء الصغير، الذي لا يتجاوز 0.1%، فهو ما يصنع جانباً من تنوّعنا في الشكل والملامح والاستعدادات الصحية وبعض السمات البيولوجية.

هذه الحقيقة لا ينبغي أن تبقى حبيسة المختبرات أو كتب العلوم. إنها تحمل معنى أخلاقياً واجتماعياً عميقاً: ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرّقنا. وإذا كانت الطبيعة نفسها قد وضعت بين البشر هذا القدر الهائل من التشابه، فكيف نسمح لخطاب الكراهية أن يقنعنا بأن الآخر غريب عنّا، أو أقل منّا، أو تهديد لوجودنا؟
إن اليمن، بتاريخه العريق وتنوّعه الجغرافي والثقافي والمذهبي، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة معنى المواطنة المتساوية. فالمواطنة ليست شعاراً يقال في المناسبات، بل عقد أخلاقي وقانوني بين الإنسان ووطنه، يقوم على أن لكل فرد كرامة واحدة وحقوقاً متساوية، بغض النظر عن أصله أو معتقده أو منطقته أو جنسه أو وضعه الاجتماعي. لا يمكن لوطن أن يتعافى إذا ظل بعض أبنائه يشعرون بأنهم مواطنون من درجة ثانية، أو أن انتماءهم موضع شك، أو أن حقوقهم مرهونة برضا جماعة أو سلطة أو عرف اجتماعي ضيق.
خطاب الكراهية لا يبدأ دائماً بنداء صريح للعنف. أحياناً يبدأ بنكتة صغيرة تقلّل من شأن فئة معينة، أو بمنشور يزرع الشك في نوايا جماعة، أو بخطبة تلمّح إلى أن بعض الناس أقل نقاءً أو أقل استحقاقاً، أو بعبارة عابرة في البيت والمدرسة والشارع. ومع التكرار، تتحوّل الكلمات إلى مواقف، والمواقف إلى تمييز، والتمييز إلى عنف. لذلك فإن مواجهة الكراهية بالوعي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة لحماية المجتمع من الانهيار الأخلاقي قبل السياسي.
ومن هنا تأتي أهمية الأسرة. فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيف ينظر إلى الآخر. إذا نشأ الطفل وهو يسمع أن فلاناً لا يُحترم لأنه من منطقة معينة، أو أن أسرة ما لا تُخالط لأنها مختلفة في الاعتقاد، أو أن المرأة أقل قيمة من الرجل، فإن الكراهية لا تحتاج بعد ذلك إلى من يعلّمها له؛ فقد أصبحت جزءاً من لغته اليومية. أما إذا نشأ على أن كل إنسان يحمل كرامة أصيلة، وأن الاختلاف لا يلغي الأخوة الإنسانية، وأن خدمة الناس شرف، وأن الصدق والعدل والرحمة أساس التعامل، فإنه يكبر مواطناً صالحاً لا يرى في التنوع خطراً بل ثراءً.
إن بناء مجتمع متماسك يبدأ من تربية وجدانية عميقة، لا تكتفي بتعليم الطفل القراءة والحساب، بل تعلّمه أيضاً الإنصاف، واحترام الضمير، والاستماع لمن يختلف معه، والبحث عن الحقيقة لا عن الغلبة. الأسرة التي تزرع هذه القيم تساهم في صناعة وطن أكثر أمناً من ألف خطاب رنان. والمدرسة التي تعزّزها، والإعلام الذي يحميها، والقانون الذي يصونها، كلها حلقات في مشروع وطني واحد: أن يعيش الناس معاً لا متجاورين بالخوف، بل متشاركين بالكرامة.
المواطنة المتساوية لا تعني إلغاء الخصوصيات، ولا مطالبة الناس بأن يتشابهوا في كل شيء. على العكس، هي الإطار الذي يسمح للاختلاف أن يكون آمناً. فحين يشعر الجميع أن القانون يحميهم بالتساوي، وأن الفرص متاحة لهم بالتساوي، وأن كرامتهم مصونة بالتساوي، يصبح التنوع مصدر قوة لا سبباً للصراع. أما حين تغيب المواطنة، تتحول الهويات الفرعية إلى خنادق، ويتحول الاختلاف إلى ذريعة للإقصاء.
نحن بحاجة إلى مراجعة صادقة للغة التي نستخدمها في بيوتنا ومنابرنا ومدارسنا ووسائل إعلامنا. هل كلماتنا تبني جسوراً أم تحفر خنادق ومتاريس؟ هل نعلّم أبناءنا أن اليمن يتسع للجميع، أم نزرع فيهم فكرة أن الوطن ملك لفئة دون أخرى؟ هل نرى الإنسان أولاً، أم نختزله في لقبه ومذهبه ودينه ومنطقته واسمه العائلي؟
إن إدراكنا أن 99.9% مما فينا متشابه يجب أن يدفعنا إلى التواضع. ذلك الجزء الضئيل الذي يميّزنا لا يبرر التعالي ولا الإقصاء، بل يذكّرنا بجمال التنوع داخل وحدة الأصل الإنساني. لسنا نسخاً متطابقة، لكننا أيضاً لسنا كائنات منفصلة لا يجمعها رابط. نحن عائلة إنسانية واحدة، وما يصيب جزءاً منها من ظلم أو إذلال أو كراهية لا يبقى محصوراً فيه، بل يترك أثره في المجتمع كله.
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من التصنيفات، بل إلى شجاعة أخلاقية تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه إنساناً ومواطناً. يحتاج إلى خطاب عام يرفض التحريض، وقوانين تحمي المساواة، وتعليم يربي على التفكير لا التعصب، وإعلام يمنح مساحة للعقل والضمير، وأسرة تغرس في أبنائها أن خدمة الوطن تبدأ باحترام كرامة كل من يعيش فيه.
قد تبدو هذه المعاني بسيطة، لكنها في الحقيقة أساس أي سلام حقيقي. فالسلام لا يصنعه وقف إطلاق النار وحده، بل تصنعه أيضاً لغة جديدة، وذاكرة جديدة، وتربية جديدة، وإيمان عميق بأن الناس، مهما اختلفوا، متساوون في الكرامة والحقوق.
ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرّقنا. هذه ليست عبارة شاعرية فقط؛ إنها حقيقة علمية، ورسالة أخلاقية، وحاجة وطنية. ومن هذه الحقيقة يمكن أن نبدأ طريقاً آخر: طريق مواطنة متساوية، وخطاب رحيم، وأسرة واعية، ووطن يتسع لجميع أبنائه.

نادر