علي بن عبدالله المقداد.. نبيل زمانه وأستاذ الأجيال الخالد
بعد حياةٍ حافلة بالعطاء والإنجاز والكفاح والثبات على المبادئ، بل ومغالبة الزيف والجهل المركب في آخر سنيّ حياته، غادرنا إلى رحمة الله تعالى الأستاذ النبيل الشيخ علي بن عبدالله المقداد، تاركًا فينا جمًّا من القيم، وكثيرًا من المبادئ، مكتوبةً ومنطوقةً، تشهد بعظمتها مخطوطاته ومقالاته، وحديث الناس عنه وعن سيرته النزيهة وحنكته الإدارية والسياسية.

لقد عاش حرًّا نزيهًا، عزيز النفس، صادقًا مع ذاته ومع الجميع دون استثناء. جسّد كل معاني النبل والقيم الإنسانية في مختلف أطوار حياته؛ مسؤولًا ومثقفًا، مستشارًا ومفكرًا، شيخًا وأستاذًا. وكرّس، بكل صدق، ثقافة السلم والتعايش وقبول الآخر في علاقاته السياسية والثقافية والاجتماعية، بل والفكرية أيضًا.
لم تغره المناصب ولا أغوته الحزبية وتعصباتها، فقد كان إنسانًا راشدًا، وسياسيًا ناضجًا، ومثقفًا موسوعيًا واسع الأفق والاطلاع، عميق الرؤية والإدراك. لم يكن في منطقه وقاموسه متّسع للمجاملة أو المداهنة بقصد كسب الولاء اللحظي أو الرضى الآني كما يفعل البعض، بل كان يقول، بكل شفافية، ما يراه صوابًا في أي موقف، ويطرح ما يؤمن به بوضوح وصراحة، دون مواربة أو خشية حسابات زائفة أو انتهازية.
عاش رحمه الله زاهدًا قانعًا، واعتكف للقراءة المتنوعة وإنتاج المعرفة. لم يكن من طبعه استهجان الرأي المخالف أو إقصاء الفكرة المغايرة، بل كان يطرحها للنقاش والنقد الموضوعي البنّاء، ويحترم الجميع، ويؤمن بحق الجميع في الاختلاف والتنوع. ولم يكن له عدو حقيقي سوى الجهل والتخلف والتعصب الأعمى ونرجسية الادعاء والزيف.
كان بحق “سلطان وحده”، واستثناءً نادرًا في زمانه. جعل التنوير غاية مشروعه وديدن حياته، وآمن برسالته إيمانًا عميقًا، ومارسها بشغف واحترافية فاقت كثيرًا من أقرانه، دون كلل أو ملل. وقد تحقق له ما أراد، رغم ضيق الدائرة، وقتامة المشهد، واستعصاء البيئة، وظلامية الثقافة، خصوصًا في أيامه الأخيرة التي عاش فيها ما يشبه الغربة المجتمعية، مكتفيًا – بحسب ما نُقل عن بعض أقاربه – بالزهد والتأمل ومراقبة المشهد عن كثب.
ومع ذلك، ظل يرقب في صمت وحيرة ما ستؤول إليه الأحداث، مؤمنًا بقضاء الله وقدره، غير متخلٍّ عمّا آمن به طوال حياته من تحقيق العدل والمساواة، وإقامة الدولة المدنية الحديثة القائمة على المواطنة، وسيادة ثقافة السلم والتعايش.
ولا تزال أصداء محاضراته، وجزالة أطروحاته، وفرادة أسلوبه السهل الممتنع، العميق والماتع، عالقة في ذهني. كانت حواراته ومناقشاته تشكّل رهبةً معرفية ووقارًا ثقافيًا يدفعانني دومًا إلى إعادة قراءته وتأمل فكره كلما أُتيح لي ذلك، وهو ما أرجوه وأتمناه.
الخلود لفكرك النيّر، أستاذنا الجليل.
والرحمة والمغفرة لروحك الطاهرة النقية.
