هاجَرَتْ إلى "الرتز".. وهاجرنا إلى الريف
بسبب لجوء وهجرة قيادة الدولة وغيبتها الطويلة خارج الحدود، وكحل اضطراري بما ليس منه بد، التجأنا، نحن، إلى الريف، وانكفأنا على أنفسنا..
ويسألون: هل كان هذا قرارًا صائبًا؟
بالنظر إلى ما حولنا، وبالمقارنة مع حياة المدن، فمدننا هذا شأنها:
عدن تشتعل حرًا، وتقتلي نكدًا وضيقًا وضنكًا، بقية المدن، بالإضافة إلى ما سبق، ترتعد من الخوف جراء الاختلالات والازدحام، والفوضى العارمة، وترزح تحت أنين المساغب والفقر المدقع، وضنك العيش.
مدن نعم، وتلاحق دبة الغاز، تتحين تشغيل الكهرباء لتستضيء وتبترد، وتبحث عما يسد الرمق، وعلى الأقل تفتقر للهواء النقي.
اعتدال الجو هنا، وروعة الطقس، والهدوء التام، ثنائية مريحة، والطمأنية سيدة الموقف.
فهل كان قرار الهجرة العكسية صائبًا؟
صحيح الحياة هنا ليست مرفهة، لا بل نعيش على ما يشبه الحد الأدنى، لكننا سعداء، وعائشون، إلى حد ما، نشرب من الآبار السطحية ماءً زلالًا، وقد أنعم الله علينا، هذا العام، بأمطار غزيرة، نأكل الخبز بالزيت، والخبز الجاف، لسنا بحاجة للروتي، نتناول الرز، على الأقل ثلاث أيام في الأسبوع، أو هكذا، شيء من الطماطم والبطاطس، الملح يتوفر، سيارة السمك تزورنا، على الأقل أسبوعيًا، القرية مصدر لتربية الدواجن البلدي، لم نتعود على تخمة المدن المرفهة، وبطبيعته، الريف، يمدنا ببعض الخضروات الطازجة، الحمد لله لا حروب هنا، ولا قلاقل، ولا اختناقات مرور، ولا ضجيج السياسة وانعكاساتها، الأمن مستتب، لا أزيز رصاص، ولا دوي انفجارات، باستثناء الألعاب النارية في المناسبات للحظات معدودة، الحياة مستقرة، الأمور تحت السيطرة، الحمد لله ننام ملء أعيننا، أولادنا يفرحون في العيد، ويلبسون الجديد، يسرحون ويمرحون، والأمور تسير على ما يرام..
هذه صورة بانورامية لحياة القرية التي التجأنا إليها وانكفأنا، وتركنا حياة مدن الزجاج والأسمنت، بعد أن هجرتها السكينة، افتقدت الدولة، وغابت عنها الحكومة، وعاث فيها الفساد والعبث بالمقدرات وبالمال العام.
فهل كان هذا قرارًا صائبًا؟
لا بد أن قرارًا كهذا، وفي هذه الأوضاع المتدهورة، سيكون صائبًا وأكثر..
