الإثنين 1 يونيو 2026

سعيد محمد الحكيمي

سعيد محمد الحكيمي

في ميزان الوطنية والنزاهة والكفاءة، تعد كفة الراحل سعيد الحكيمي راجحة. كان الحكيمي من الرعيل الأول الذي ناهض النظام الملكي، وكان يمارس نضاله في تعز قبل الثورة من مكتبة لم تكن استثمارًا تجاريًا، وإنما مكتبة ذات هدف سياسي، وملكًا لحزب البعث العربي الاشتراكي. بالمقابل كانت حركة القوميين العرب سباقة في امتلاك مكتبة الثقافة في نفس الشارع الذي سمي بعد الثورة شارع ٢٦ سبتمبر، وكان يديرها القصير القامة شمسان عبدالله، وعلى مسافة غير بعيدة مكتبة ثالثة ربما كانت للإخوان المسلمين.

عمل الحكيمي بعد الثورة مديرًا لمصلحة الجمارك، ثم وزيرًا وسفيرًا ونائبًا لرئيس مجلس الشعب التأسيسي ومحافظًا.

كان الحكيمي بعثيًا في شبابه، ومن قيادات جبهة التحرير، وتولى قيادة مكتب الجبهة في بغداد.

في حديث عن تعز قبل الثورة والتحاق من كانوا يسمون بالطلبة الكبار (عمرًا) بالحرس الوطني، واستشهاد اثنين منهم في وقت مبكر، هما حمود هادي النمر، من قرية جرف النمر بالنادرة، وأحمد العماد، من الحجرية، قال الحكيمي إن العماد كان من البعث.

قابلت الراحل الحكيمي لأول مرة عندما قام بزيارة خاصة إلى أديس أبابا عام ١٩٧٧، قادمًا من عاصمة أوروبية، وكنت قائمًا بأعمال السفارة بالنيابة. استقبلته في مطار بولي، بسيارة تاكسي. ولأنه كان في زيارة خاصة أو لقلة خبرتي، لم أتواصل معه بعد ذلك.

كان الحكيمي يتوقع تخصيص سيارة السفارة لتنقلاته، وعندما لم يحدث ما توقعه، عاتبني بواسطة الصديق محمد عبدالله عبدالحفيظ السقاف، أحد أعيان الجالية والبعثي السابق وعضو الحرس القومي في سوريا، وأبرز مثقفي الجالية اليمنية مع الصديقين عبدالعزيز القرشي وأحمد علي مجاهد. عقب ذلك زرته، وقلت له لعلك لاحظت أني استقبلتك في المطار بسيارة أجرة، لأن السفير، الذي كان خارج إثيوبيا، منعني من حقي الطبيعي كرئيس بعثة بالنيابة، من استخدام السيارة إلا في حالتين: الذهاب في مهمة إلى الخارجية الإثيوبية، أو لحضور حفل استقبال في أية سفارة. وقد أوصى زوجته بالاتصال بالسفارة للتأكد من صحة قيامي بالمهمتين.

تفهم الحكيمي موقفي، وعلق قائلًا هذه "عقدة السيارات لدى السفراء". وقد لمستها في العاصمة الأوروبية التي أتيت منها. كان التحكم بحركة السيارة جزءًا من نفوذ السفير وهيبته.

الحكيمي وعبدالله الحمزي ومن الخلف محمد عبدبالرزاق وكاتب المقال

الحكيمي وعبدالله الحمزي ومن الخلف محمد عبدبالرزاق وكاتب المقال

عانيت من نفس المشكلة في براغ عام ١٩٨٥، عندما اتصل القائم بالأعمال بالأصالة من صنعاء، بي كقائم بالأعمال بالنيابة، يأمرني بعدم استخدام السيارة، وبالحرف قال "سلم السويس". أوضحت له أني أمارس كرئيس للبعثة حقًا لا يقل عن حقه، ورفضت "تسليم السويس". لجأ إلى وكيل الوزارة الذي أرسل تعليماته لي بـ"تسليم السويس". وقد رددت بالاعتذار عن عدم التنفيذ مستندًا إلى ممارستي لحق لي كرئيس للبعثة بالنيابة. كان ذلك من مؤشرات بداية تصدع المؤسسة والانصياع لأصحاب النفوذ.

الحكيمي سفيرًا في أديس أبابا

عاد الحكيمي إلى إثيوبيا كسفير فيها، وقبل مغادرته صنعاء التقى بسلفه في مكتب وزير الخارجية الراحل أ. عبدالله الأصنج، الذي لم يبخل عليه بالنصح بالتخلص مني إذا أراد الحفاظ على أسرار العمل، لأني في رأيه: ١. عميل لإثيوبيا، و٢. أقضي وقتي مع دبلوماسيي سفارة الجنوب. الأصنج، طبقًا للحكيمي، خفف من غلواء السفير السلف بقوله إن "علي محسن يساري شوية".

نقل لي السفير الحكيمي ما سمعه فور وصوله، وأضاف أنه يعرف خلفيتي الحزبية، ولكن هذا لا يعنيه في شيء، وما يهمه فقط هو أن نتعاون.

حمل الحكيمي رسالة لي من الزميل الراحل محمد حمود المضواحي، السفير في ما بعد، ومما أذكره منها: "كفاية يا علي ما حصل مع السفير السابق، السفير الحكيمي أرق من النسمة".

أسعدتني صراحة الحكيمي، ونفيت صحة ما سمعه من سلفه. أما عن التعاون فقلت هذا هو الطبيعي في أي عمل، وهو ما حدث بيننا طيلة فترة عمله في إثيوبيا.

لم يبالغ المضواحي في وصفه للسفير الحكيمي بأنه أرق من النسمة، بدليل تغير مناخ العمل، وأن الزميل الراحل د. إبراهيم زبارة، الذي ندم على طلب النقل لعدم تحمله أمر السفير السابق ببقائه في السفارة وعدم مغادرتها، لأنه تأخر ذات يوم عن دوام تطوعي مسائي كنا نقوم به جميعًا باستثنائه هو، لإنجاز معاملات المرحلين، برغم أنه تعين في الجزائر قائمًا بالأعمال.

من مزايا الحكيمي أنه كان نظيف الذمة بصورة غير مسبوقة، فقد رفض مثلًا التعامل مع إغراء السوق السوداء، ولم يرسل فاتورة غسيل ملابسه إلى الخارجية، زاعمًا أن الغسيل كان لستائر دار السكن، أو يرسل فاتورة طبيب أسنان.

مهمة في أوجادين

تقع أوجادين في شرق إثيوبيا، وغالبية سكانها صوماليون، وعاصمتها جقجقة، وكانت مسرحًا لحرب بين الصومال وإثيوبيا عامي ١٩٧٧ و١٩٧٨، تمت الغلبة فيها لإثيوبيا بفضل دعم عسكري يمني جنوبي وكوبي وسوفيتي.

كان لشطري اليمن جالية فيها، وكان بعض أعيانها قبل الحرب على علاقة بمنجستو هيلي مريام، الذي كان يعمل في جقجقة، قبل أن يصبح النائب الأول لرئيس المجلس العسكري تفري بانتي، بعدثورة ١٢ سبتمبر ١٩٧٤، التي أطاحت بنظام الإمبراطور هيلاسلاسي، وإعدام الجنرال أمان عندوم، الإريتري، وأول رئيس عسكري في عهد إثيوبيا الجديد، وخريج كلية ساندهيرست في لندن، الذي تولى رئاسة المجلس العسكري الإداري المؤقت، الدِّرْج Derg، وكان يفضل حلًا سلميًا للصراع في إريتريا، ولم يستمر في منصبه سوى عدة أشهر، حتى تم قتله في منزله في نوفمبر ١٩٧٤.

من جهة ثانية، تمكن منجستو من التخلص من رئيسه تفري بانتي، في فبراير ١٩٧٧، في اجتماع عمل بإطلاق الحراس النار عليه عقب استئذانه للذهاب إلى الحمام، ثم اغتال نائبه أتنافو أباتي في نوفمبر ١٩٧٧.

تم التفاهم بين سفيري الشطرين الراحلين الحكيمي وهادي أحمد ناصر، الذي كان مع القيادي الاشتراكي أ. سالم صالح، من طلاب القسم الداخلي بمدرسة الثورة بتعز، على ذهاب دبلوماسيين من السفارتين لمساعدة اليمنيين الذين أثرت الحرب على استقرارهم وأعمالهم، وهددت حياتهم.

كان سفير الجنوب واحدًا من أهم أربعة سفراء في إثيوبيا، هم: السوفيتي والكوبي والألماني الديمقراطي وهو.

رأى الصومال انتهاز فرصة عدم استقرار إثيوبيا لتحقيق حلم رئيسها محمد زياد برّي، المولود في أوجادين، وحلم الصوماليين في إنشاء الصومال الكبير المكون من خمسة أقاليم، وهي: الصومالان البريطاني والإيطالي اللذان شكلا جمهورية الصومال المستقلة عام ١٩٦٠، وأوجادين وجيبوتي التي كانت لاتزال مستعمرة فرنسية حتى أكتوبر ١٩٧٧، والخامس المنطقة المعروفة في كينيا بـ"إن.إف.دي. North Frontier District" التي تسكنها أغلبية صومالية كأوجادين.

كَلّف السفير الحكيمي الزميل الراحل القنصل محمد عبدالله الوزير، بحضوري، بالذهاب إلى أوجادين، ولكنه رفض. تطوعت للذهاب في مهمة ليست من اختصاصي، وكان سفري في ٢٤ سبتمبر ١٩٧٧ الذي صادف عيد ميلاد ابني غسان الخامس، وحرمت من حضوره. كان نظيري في المهمة من سفارة الجنوب الزميل الراحل عبدالله المحضار، المعروف لديّ من القاهرة أيام الدراسة. قبل ذهابنا قال لي بأننا سنلتقي بوزير الدفاع في مكتبه، وأن ترشيحي تم بصفتي دبلوماسيًا جنوبيًا، وطلب مني عدم إخبار أحد. لم أخبر السفير، وفي ظني أني لو فعلت ما كان ليعترض لحرصه على إنجاح عمل مشترك يخدم الجاليةاليمنية.

بعد لقاء وزير الدفاع سافرنا على متن طائرة عسكرية كان ركابها من الضباط الشباب الذين كانوا منهمكين بقراءة كتب متشابهة تقريبًا، وفي الغالب عن الاشتراكية.

أقمنا في مدينة دردوة التي ولد فيها المحضار الذي كان يجيد اللغة الأمهرية. استقبلَنا في دردوة المهاجر اليمني الطيب الذي فاجأني بأنه من قريتي، النادرة العليا، وقد وضع نفسه وسيارته تحت تصرفنا. قابلنا مسؤولين في دردوة بصفتينا الجنوبية، ولكن عندما تكرر الأمر قلت للمحضار بأني من الآن سأقول لمن نقابلهم بأننا نمثل سفارتي الشطرين، وأننا في مهمة مشتركة لمساعدة جالية يمنية موحدة.

مدينة دردوة مدينة إفريقية وعربية وإسلامية، وكان بها مكتبات عربية تبيع المطبوعات المصرية. يجدر بالذكر أنه عند وصولي إلى أديس أبابا، في أغسطس ١٩٧٥، كان بها مكتبة عربية تبيع المطبوعات المصرية، ومنها مجلة "السياسة الدولية".

عن نفوذ اللغة العربية أتذكر جلسة ساونا بفندق جيون Geon، وكانت اللغة العربية في إثيوبيا موضوع حديث مع إثيوبيين، ومما قاله أحدهما أن نقاشًا رسميًا حدث بعد عودة الإمبراطور هيلاسلاسي عام ١٩٤١ حول أية لغة ثانية تعتمد في المدارس الإثيوبية، وحُصر الخيار في اللغتين العربية والإنجليزية، وكان الفوز للثانية.

كانت سيارة الطيب تحدث صوتًا مزعجًا، من الإقزاز، وكان الأمر عاديًا في كل مكان مررنا به، حتى اقتربنا من جامع كان يحتل صرحه جنود مستنفرون مدججو السلاح. أوقفنا، ولأني كنت بجانب الطيب، فقد وضع أحدهم سونكي بندقيته على رقبتي. طلبت من المحضار أن يقول لهم بأننا من "دبوب يمن"، أي من اليمن الجنوبية، اليمن الشمالية تسمى "سِمِن يمن"، وبلغته الأمهرية وسمعة الجنوب، تخلصنا وتخلص الطيب من المأزق.

في هرر مدينة الأولياء

مررنا بجانب جسر محطم قبل وصولنا إلى مدينة الأولياء، هرر، وقال لنا مرافقنا إن قوات يمنية جنوبية هي التي دمرته، وقطعت الطريق على القوات الصومالية، وحرمتها من الوصول إلى دردوة، وربما إلى أديس أبابا، وأن الجنود الجنوبيين طبقًا له فاجأوا الصوماليين، و"طلعوا لهم مثل الجن من اللامكان". وبتدمير الجسر تراجعت القوات الصومالية عن الزحف إلى دردوة.

بجانب الدعم العسكري الجنوبي لإثيوبيا، كان لكوبا دور مماثل في الدفاع عن وحدة إثيوبيا، وكانت مع الجنوب توسطا لدى الطرفين لتسوية سياسية أبدى فيها منجستو استعداده للتنازل عن جزء من أوجادين للصومال كجار اشتراكي، ولكن سياد بري رفض، وأراد الكعكة كلها، لأنه كما نقل عنه مرتبط عاطفيًا بأوجادين مسقط رأسه. لم يكن منجستو يقبل التفريط أكثر، وأصر بعد ذلك على الحفاظ على وحدة التراب الإثيوبي، كما كان في عهد الإمبراطور هيلاسلاسي.

تلك الوساطة شارك فيها في عدن قادة الجنوب الثلاثة، سالمين وعبدالفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد، والرئيس الكوبي فيدل كاسترو، وقد قضوا ليلة كاملة يصفها الرئيس علي ناصر محمد في مذكراته بأطول عملية تفاوض، لإقناع سياد بري بقبول التنازل الإثيوبي، بدافع من الرابطة الاشتراكية الجامعة، ولتجنب ويلات الحرب.

يوغسلافيا كانت ضد الحرب بين دولتين اشتراكيتين، وقد أبلغت موقفها للطرفين، وكانت مع حل سلمي لمشكلة إريتريا، يعيد النظام الاتحادي الذي تخلى عنه هيلاسلاسي عام ١٩٥٨، وكان السبب في حدوث الحرب الطويلة في إريتريا.

بعد الفشل في عدن بإقناع سياد بري بالجنوح إلى السلم وقبول تنازل منجستو عن بعض أراضي أوجادين، قال مفاوض جنوبي نحن نعرف عناد الصوماليين في عدن وهم لا يفيقون منه إلا بضرب رؤوسهم بالجدار، وكان فشل الوساطة وأسباب أخرى من أسباب دعم الجنوب وكوبا لإثيوبيا ضد الصومال الذي لم يكن تخلى عن نظامه الاشتراكي، ووجد برغم ذلك دعمًا من أمريكا ومصر والسعودية وإيران والمغرب وكينيا، في ما عرف بـ"تحالف نادي سفاري"، ضد الشيوعية، الذي كان مقره بالقاهرة، ويضم مصر والسعودية والمغرب وأمريكا، وتنسب مصادر أن له دورًا في بدء "عملية السلام" بين مصر وإسرائيل في كامب ديفيد عام ١٩٧٩.

أما عن دور اليمن الشمالي فقيل وقتها إنه وقف مع الصومال ودعمه بكميات من الحبوب، وقد لاحظت هذا الموقف عندما زار الراحل عبدالله حمران، وزير شؤون الوحدة، أديس أبابا، في عهد الرئيس أحمد الغشمي، وطلبت منه قبل لقائه بالرئيس منجستو، أن يعبر عن دعم اليمن لوحدة إثيوبيا، وكان الصمت هو جوابه، وعند الاجتماع بمنجستو لم أسمع منه كلمة واحدة عن دعم اليمن لوحدة إثيوبيا.

في مدينة هرر لم تسكت المدافع، وكنا نسمع صليلها في المساء. عملنا على تجميع اليمنيين بالتعاون مع عناصر من الجالية، وأشرفنا على ترحيلهم إلى أديس أبابا، ومنها عادوا إلى اليمن.

مع الحكيمي في أوغندا وكينيا

اعتمِد الحكيمي سفيرًا غير مقيم في أوغندا، واصطحبني لمرافقته بمناسبة تقديم أوراق اعتماده في يناير ١٩٧٨، إلى الرئيس الراحل عيدي أمين. ولكي يتمكن السفير من المشاركة في فعاليات مناسبة احتفال أمين بالاستيلاء على السلطة من الرئيس المدني المنتخب ميلتون أوبوتي، كان من الضروري دبلوماسيًا تقديمه أوراق اعتماده قبل ذلك. أُخبِرنا بأن تقديم أوراق الاعتماد سيكون في الفجر، قبيل ذهاب عيدي أمين إلى مسقط رأسه في منطقة تحادد السودان. بعد تقديم أوراق الاعتماد تحدث عيدي أمين بزهو عن دوره في سرعة انتشار الإسلام في أوغندا، وقال إنه إذا أسلم عمدة قرية تُسلم بعده القرية كلها، وأن عداء الغرب له سببه ديانته وفشله في أن يضعه في جيبه، ولعدائه للصهيونية التي فضح أهدافها الخفية باكتشافه كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون".

أشاد عيدي أمين بالرئيس الغشمي، وعبر عن رغبته في زيارة اليمن. وكانت استجابة الغشمي سريعة، ولكن الأوغنديين لم يتابعوا موضوع الزيارة.

الحكيمي لم يسايره في ما طرحه عن سرعة انتشار الإسلام في عهده، وحثه على التركيز أولًا على الوحدة الوطنية.

لقد لاحظنا استياء مسيحيًا من نظامه. مثلًا بعد أن زرنا حديقة الحيوانات التقينا بمدير المراسيم بوزارة الخارجية، الذي سأل السفير عن انطباعاته عنها، وتعقيبًا على رده الإيجابي وتنوع الحيوانات فيها استدار إلى الخلف قليلًا، ورفع رأسه، وقال وعيناه مثبتتان على صورة عيدي أمين: "لدينا فعلًا حيوانات كثيرة".

القذافي أسهم في ازدياد الاستياء المسيحي من نظام أمين عندما ألقى خطابًا في جامعة مكريري بكمبالا، طلب فيها من المسيحيين التحول إلى الإسلام. القذافي كان من داعمي نظام أمين، وقد جمعهما عداؤهما للغرب ولإسرائيل.

لم يقتصر العداء لنظام أمين على جارته تنزانيا، ولكن دولًا غربية على رأسها بريطانيا ناصبته العداء، ولكن ما فت في عضد نظامه هو كان المقاومة التخريبية الصامتة للأغلبية المسيحية التي سعت إلى إفشال نظامه، وعلى سبيل المثال كانت الأجهزة الطبية في المستشفيات تسرق أو تخرب، والأحوال الاقتصادية تدهورت، والتجارة ركدت، وكانت أرفف المتاجر شبه خالية، وبرادات المشروبات في فندق كمبالا الذي نزلنا فيه، معطلة، وكان الأوغنديون يتعاطون مشروباتهم بدون تبريد. كان من أسباب تدهور الوضع الاقتصادي، بالإضافة إلى سوء الإدارة، طرد أمين عام ١٩٧٢ آلاف الآسيويين ذوي الأصول الهندية والباكستانية، وكان جل هؤلاء يعملون في التجارة، وكان الطرد من أسباب تدهور علاقات أوغندا ببريطانيا التي اضطرت لاستقبال حاملي الجنسية البريطانية. أما إعلامها فكان شديد الانتقاد لحكم أمين، والسخرية منه.

انطوى مقال في مجلة "الجسرة" القطرية عدد ٧٠، شتاء يناير -مارس ٢٠٢٦، عن "مجانين الحكم"، على بعض المبالغة، منها عن أنه عثر في برادات القصر على رؤوس بعض خصومه، وأنه عرف عنه الاغتصاب، وأنه أخذ ١٠٠ مواطن فرنسي رهينة لكي يعاد مونتاج فيلم فرنسي عنه، وقتذاك لم يكن في أوغندا هذا العدد من الفرنسيين، وأنه لقب نفسه بـ"سيد وحوش الأرض وأسماك البحار وملك أسكتلندا وأجمل وجه في العالم".

في مسقط رأس عيدي أمين

احتفل بالذكرى السابعة لانقلابه في مدرسة محاطًا بزوجتيه اللتين راقصهما معًا، وخطب في الطلبة، طالبًا منهم الرفق بالطالبات. لاحظت وجود شخص عربي خلته لما كان يلبس من اليمن، وكان من عُمان، ويدرّس منذ سنوات طويلة الدين واللغة العربية لمسلمي تلك المنطقة النائية.

مع ممثلي الجالية بأوغندا

أشاد ممثلوها، صدقًا أو مداراة، بنظام عيدي أمين، رغم تضررهم تجاريًا من نظامه. وعوضًا عن ذلك عبروا عن تذمرهم من النظام في الجنوب، الذي أفقر الناس على حد قول أحدهم. كان رد السفير الحكيمي مفحمًا، إذ أوضح أن الفقر في الجنوب مرده إلى أن الجنوب بدون مصادر للثروة، وأن بريطانيا رفعت مرتبات الجيش والشرطة وموظفي الدولة قبيل رحيلها، ثم لم تفِ بوعدها بدعم الميزانية بعد الاستقلال بستين مليون جنيه إسترليني. أكبرت فيه عدم مسايرته لما وقر في أذهان البعض بأن النظام في الجنوب نظام إفقار دون النظر لموارده، ولم تصدق أذناي أن ما سمعته صدر من بعثي وقيادي سابق في جبهة التحرير. لم يجادل أحد السفير في ما قاله.

أثناء اللقاء فوجئنا بقدوم شخصين يضعان في أيديهما جوازات يمنية صادرة من السفارة بمقديشو، ويريدان منا حملها إلى أديس أبابا، وإصدار جوازات بدلًا منها، لم يتم ذلك بدون علم ممثلي الجالية. بعد تقليب صفحات الجوازات وقعت عيناي على توقيع أحد الزملاء. لم نلبِّ طلبهما لأن ملامحهما لم تكن يمنية، وتخلصنا منهما بالقول بأن السفارة في أديس أبابا لا تصدر جوازات بدلًا من جوازات سفارة أخرى.

في فندق كمبالا

نزلنا فيه، وكان أرقى الفنادق. وأثناء تناول الفطور شاهدنا مرارًا يابانيين يحملون كميات كبيرة من الفواكه الطازجة المتنوعة الموضوعة على طاولة كبيرة، بعد تناولهم الفطور. كان الفطور يكلف خمسين شلنًا، وما كانوا يحملونه كانت قيمته أعلى بكثير. تعرفنا في باب مصعد الفندق على دبلوماسي مصري تخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وقال إنه يتذكر أن طالبًا من الجنوب كان نشطًا في الكلية اسمه علي محسن. نظر السفير إليّ نظرة اندهاش، وقد رددت بأني الشخص الذي ذكره، ولكني من الشمال، وأن هناك مبالغة في ما قاله. حمدت الله أني أرافقه هو وليس غيره الذي لم يكن في الغالب ليتوانى عن كتابة تقرير بما سمعه.

في كينيا

عدنا من كمبالا بالقطار إلى نيروبي. التقى الحكيمي في نيروبي بمغترب، وقد ظل كلاهما يتأمل الآخر، وكأنه يقول لنفسه لقد التقينا من قبل، ولكن أين، إلى أن كُسر الصمت بسؤال وجهه الحكيمي قائلًا وجهك مش غريب عليّ أين كنت من قبل؟ كان الآخر هو عبدالدائم. في بطاقة الزيارة التي لا أزال أحتفظ بها، لم يكتب بها غير هذا الاسم، مما يشي بشهرته، رد عبدالدائم وأنا لدي نفس الإحساس، أنا كنت في تعز، أملك دكانًا صغيرًا في الشارع الموازي للمدرسة الأحمدية، وبعد أن وجدت أن عائده لا يلبي طموحي، انتقلت إلى كينيا، وأسست شركة نقل بَري سميتها بالسواحلية السحاب Mawingo Bus Srevice Limited. وقال أيضًا إن علاقته بالرئيس الكيني أراب موي ممتازة، وأنه دعمه في حملته الانتخابية بتسخير حافلاته مجانًا في أنحاء كينيا.

في نيروبي تعرفنا على صاحب قصة نجاح أخرى دعانا لزيارة مصنع جلود يملكه في مدينة ناكورو التي تطل على بحيرة فيكتوريا التي كان عيدي أمين عندما يسبح في جزئها الأوغندي يتعمد أن يحمله عند خروجه بريطاني كتعبير عن امتهانه لبريطانيا. وجدنا في المصنع منتجات جلدية راقية أهدي لنا منها عينات.

في نيروبي التقينا العديد من أبناء الجالية اليمنية، وقد ذكر أحدهم أن الراحلين الوريث والسفير أحمد عبدالرحمن المعلمي عاشا بينهم، وكلاهما كانا من معارضي نظام "العهد البائد".

زرنا سفير الجامعة العربية في كينيا، الذي شكا من الفساد الذي قال إن لا وجود لمثله في أي بلد آخر، وأنه عندما يحضر حفل استقبال دبلوماسي يتوقع أن يقترب منه وزير ليطلب ثمن بترول لسيارته، وحدثنا عن نفوذ إسرائيل في كينيا، وانحياز الإعلام لها، وتحديدًا جريدة الأمة The Nation اليومية الناطقة بالإنجليزية، ذات العلاقة القوية بسفارة العدو، ولكنه لم يقل شيئًا عن دوره في التصدي لهذا الإعلام المنحاز.

القات

يتعاطى مسلمو كينيا واليمنيون قاتًا يمضغون أغصانه الناعمة فقط، ولكي يسهل بلعه ويخف تأثيره القوي يستخدمون الحليب أو السكر أو اللوز. قيل لنا إن الرئيس الراحل جومو كنياتا حاول منع بيع القات، ولكن أصحاب المصلحة التفوا على إرادته برشوة زوجته بأربعين ألف شلن، وبعد ذلك أعلن في اجتماع جماهيري بأن القات جيد ولن يحظر.

الحكيمي والجالية اليمنية في إثيوبيا

أزاح الحكيمي الحواجز بين الجالية وبين السفارة، سواء بمشاركته في حفل تخرج في مدرسة الجالية بأديس، أو حضوره أحيانًا مقيل السبت في بيت الراحل عبدالواسع شمسان، الذي كان يضم بعض عناصر الجالية ودبلوماسيين. سفير الجنوب الراحل هادي أحمد ناصر الذي لم تكن علاقته ودية مع سلف الحكيمي، حذا حذوه. لا مناص من القول هنا بأن السفير السلف فكر بتقسيم الجالية إلى جاليتين لولا أني نصحته بأهمية التعاون مع سفير الجنوب للحفاظ على وحدتها، حينها كان يرأسها الشيخ محمد ناصر العجي، من رداع، قبل أن يخلفه الحضرمي خالد طرموم.

لم يكن الحكيمي يتعاطى القات، وكان يقضي عدة ساعات بدونه تقديرًا منه للجالية.

الحكيمي والترحيل

بعد قيام الثورة الإثيوبية عام ١٩٧٤، تغيرت أحوال اليمنيين، وبدأت عملية ترحيل الشماليين مجانًا. ساعد على الترحيل تحسن الأوضاع الاقتصادية في الشمال في عهد الشهيد الرئيس إبراهيم الحمدي، وتوفر فرص العمل.

المجلس العسكري الإداري المؤقت "الدِّرق" تطرف في تأميماته للمساكن، وفي تجنيد اليمنيين واليمنيات الذين لم يكونوا يحملون جوازات يمنية، في المجهود الحربي. عن تأميم المساكن بلغ التطرف أوجه بإسكان أسر إثيوبية في منازل يمنيين في أديس أبابا. المجلس المحلي المسمى بالقَبَلي، كان هو الذي يقرر تسكين عائلات إثيوبية إذا زادت غرفة أو أكثر عن حاجة الأسرة اليمنية، وقد شاهدتُ أسرة إثيوبية في منزل الراحل الحاج أحمد قايد جمعان، بحجة أن فيه غرفة زائدة.

بعض اليمنيين وضعوا معظم بيضهم قبل ثورة ١٩٧٤ في العقارات، واقتصدوا في إنفاقهم العائلي الذي تغير في عهد التأميم والاشتراكية. التجار منهم استفادوا من الثورة، وكسبوا أرباحًا كبيرة لبروز طبقة جديدة من المستهلكين. وكما هو حال أية ثورة يصاحبها فساد وغياب المحاسبة ودور القوانين. أما أصحاب المنازل فكان التأميم ضربة قاصمة لهم، وأدى إلى تغيير نمط استهلاكهم بالإنفاق أكثر، والسكن في البيوت الأفضل التي كانوا يخشون بحاستهم التجارية احتمال تأميمها. متوسطو الحال منهم والقانعون بأوضاعهم، وبخاصة من قطنوا في المحافظات، قرروا العودة. الرئيس الحمدي سخر الخطوط اليمنية لنقلهم، وطلب من السفير الحكيمي مساعدة أعضاء الجالية على إخراج مدخراتهم النقدية بأية وسيلة حتى ولو اضطُر إلى استخدام الحقيبة الدبلوماسية. كان بعض من قدموا من محافظات نائية، ولم تطأ أقدامهم مبنى السفارة من قبل، في وضع مالي صعب، ولمساعدتهم طلب الحكيمي من الرئيس الحمدي دعمًا ماليًا للتخفيف من سوء أوضاعهم المعيشية، حول له الحمدي بمبلغ بخمسمائة دولار، ولكن الحكيمي قبله على مضض.

كانت إجراءات الترحيل مرهقة للقنصل الذي كان يتعامل مع أناس لا يثق بادعاءات بعضهم بأنهم يمنيون، وكان جهل بعضهم بوطنهم الأم، وضعف لغتهم العربية يعقد ترحيلهم. كان المرجع الوحيد لإثبات يمنية من يشك في يمنيته، شهادة شخصين من أعيان الجالية في أديس، تُعمد من قبل الراحل الحاج محمد حسن البعداني، المعروف عنه تدينه ومصداقيته. ومع هذا كان يسهل في بعض الحالات خداع هؤلاء جميعًا.

من عاشوا خارج أديس أبابا كانوا في شبه عزلة عن وطنهم والعالم. ولقد كان للسفير الحكيمي أخ هاجر إلى الحبشة لم يعلم أن أخاه هو السفير الذي كان يرى أن السؤال عنه لن يجد إجابة من أحد في إثيوبيا المترامية الأطراف. وقد التقيا بعد سنوات في صنعاء.

قبل الثورة الإثيوبية كان المغترب يرى في إثيوبيا وطنه، وأن خاتمة حياته ستكون فيها، ولذلك لم يهتم الكثير من اليمنيين بحمل الجواز اليمني، ومما ساعد على ذلك عدم وجود نظام إقامة في إثيوبيا.

كانت العودة إلى اليمن تتم بـ"تصريح مرور مجاني تصدره السفارة، ويطبع بالاستنسل، وصالح للسفر إلى اليمن فقط.

من جهة ثانية، برغم التغيير في إثيوبيا، لم تكن هناك سياسة معادية للمغتربين. وفي لقاء مع السيد جيتاتشو، مدير إدارة الشرق الأوسط بالخارجية الإثيوبية، قال لي بأنه بكى عندما رأى في مطار بولي عائلات يمنية مغادرة إلى اليمن، وتساءل لماذا تغادر، إن إثيوبيا وطنهم.

أزمة صامتة في العلاقات

تحدث رئيس الجالية الشيخ العجي في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية العربية، بي بي سي عربي حاليًا، وزعم أن الحكومة الإثيوبية تسيء التعامل مع الجالية. كان ما قاله مناف للواقع، ولم يكن يخدم الجالية، ولم يرُق للسفير الحكيمي، ولتلافي تداعياته اتفق ثلاثتنا، السفير والقنصل الراحل محمد عبدالله الوزير وأنا، بأن يتحدث الوزير في نفس الإذاعة ليصحح ما قاله رئيس الجالية. الوزير لأسباب سياسية لم يلتزم بالاتفاق، وخلط الخاص بالمهني، لأنه كان يكن عداء للثورة الإثيوبية، مما أدى إلى طلب إثيوبيا مغادرته، ولكن ليس كشخص لا تحبذ إثيوبيا بقاءه، وليس كشخص غير مرغوب فيه Persona non grata، وتم ذلك بدون إعلان، وبالتفاهم مع السفير الحكيمي. وهذا الإجراء الودي مكن الوزير من العمل ثانية.