الجمعة 19 يونيو 2026

سياق الدولة والرئيس

لم تكن التجربة السياسية في اليمن تجربة عابرة أو سهلة القياس، بل كانت مساحة شديدة التعقيد تشابكت فيها الدولة بالحرب، والسياسة بالانقسام، والسلطة بالبنية الاجتماعية العميقة التي ظلت تتغير وتضطرب على مدى عقود طويلة. وبين رؤساء حكموا من داخل البلاد في ظروف مختلفة، وآخرين اضطروا إلى إدارة الدولة من خارج حدودها تحت ضغوط استثنائية، تشكلت ملامح إرث سياسي متباين؛ بعضه حاول أن يؤسس لفكرة الدولة ويُبقي مؤسساتها قائمة، وبعضه الآخر اصطدم بواقع شديد الاضطراب، فانزلقت التجربة نحو مزيد من الانقسام وتآكل المؤسسات، حتى أصبحت الدولة نفسها سؤالًا مفتوحًا أكثر من كونها حقيقة مستقرة.

وفي قلب هذه التجربة، يظل السؤال مطروحًا بإلحاح: كيف يمكن قياس أثر الرئيس في بلد لم يثبت أصلًا على تعريف واضح ومستقر للدولة؟ وهل يمكن فصل إرث الحاكم عن طبيعة المرحلة التاريخية التي جاء فيها، بما تحمله من أزمات وصراعات وضغوط داخلية وخارجية؟ أم أن الحكم في مثل هذه السياقات يصبح امتدادًا للواقع أكثر مما يكون تغييرًا له؟

إن هذا السؤال لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بطبيعة السلطة نفسها في سياق هش ومعقد، حيث تصبح القرارات السياسية مرتبطة ليس فقط بالرؤية، بل أيضًا بقدرة الدولة على التنفيذ، وبموازين القوى على الأرض، وبمدى تماسك المؤسسات أو تفككها، وبحجم التدخلات التي تعيد تشكيل المشهد من الخارج كما من الداخل.

بعد سنوات من حكم الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، تباينت القراءات حول تلك المرحلة بشكل واسع. فهناك من يرى أنه واجه ظرفًا سياسيًا وأمنيًا بالغ التعقيد، تداخلت فيه الحرب مع الانقسام الداخلي وتراجع مؤسسات الدولة، ما جعل مساحة القرار السياسي ضيقة ومقيدة بعوامل متعددة تتجاوز أحيانًا قدرة الفرد على الفعل المباشر. وفي المقابل، هناك من ينتقد تلك المرحلة من زاوية ضعف الإدارة السياسية وتراجع قدرة الدولة على ضبط مسار الأحداث ومنع الانهيار المتسارع، خصوصًا مع توسع الصراع وتشظي مراكز القوة.

عبدربه منصور هادي
عبدربه منصور هادي

ومع مرور الوقت، بدأت تتشكل سرديات متعددة حول تلك التجربة، بعضها ينطلق من الانفعال أو ردود الفعل، وبعضها الآخر يحاول إعادة قراءة المشهد بهدوء أكبر، بعيدًا عن لغة التشفي أو التبرئة المطلقة، باتجاه فهم أعمق لطبيعة المرحلة وحدود الفعل السياسي فيها، وما يمكن أن يُنسب إلى القرار الفردي وما يُنسب إلى انهيار البنية العامة للدولة.

لكن في نهاية المطاف، يظل الأثر السياسي لأي قائد خاضعًا لميزان التاريخ، لا لحظة الحدث. فالتاريخ لا يُكتب في لحظة الغضب أو الانتصار أو الانكسار، بل يُصاغ تدريجيًا مع تراكم الزمن، ومع اتضاح الصورة الكاملة لما جرى بعيدًا عن ضجيج اللحظة وتناقضاتها، وحين تهدأ اللغة السياسية وتبدأ الوثائق والنتائج في الكلام بدل الشعارات.

ولهذا، فإن بعض القادة لا يُفهم إرثهم إلا بعد سنوات طويلة من مغادرتهم السلطة، حين تبدأ التفاصيل الصغيرة بالظهور، وحين يُعاد النظر في القرارات الكبرى ضمن سياقها الحقيقي، لا ضمن الانطباعات المباشرة. وفي المقابل، هناك من تُحسم صورته مبكرًا، بسبب وضوح أثره الإيجابي أو السلبي على حياة الناس والدولة.

مانديلا
مانديلا

وعند النظر إلى التجارب العالمية، يمكن ملاحظة أن الفارق بين القادة لا يُقاس فقط بشخصياتهم، بل بقدرتهم على تحويل الأزمات إلى مسارات بناء حقيقية. ففي جنوب أفريقيا، يُعد نيلسون مانديلا أحد أبرز النماذج في التاريخ الحديث، حيث استطاع بعد عقود من السجن أن يقود بلاده نحو انتقال سلمي من نظام الفصل العنصري إلى دولة ديمقراطية، واضعًا فكرة المصالحة الوطنية فوق فكرة الانتقام السياسي.

وفي الولايات المتحدة، برز فرانكلين د. روزفلت الذي واجه الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية، وتمكن من إطلاق إصلاحات اقتصادية عميقة أعادت بناء الثقة في الدولة، ووسعت دور الحكومة في حماية المجتمع عبر ما عُرف بـ”الصفقة الجديدة”، التي غيرت شكل الاقتصاد الأمريكي لعقود لاحقة.

روزفلت
روزفلت

أما في الهند، فقد ترك مهاتما غاندي أثرًا استثنائيًا في مفهوم المقاومة السياسية، حيث قاد نضال الاستقلال ضد الاستعمار البريطاني عبر فلسفة اللاعنف، مؤسسًا لفكرة أن القوة الأخلاقية يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا من القوة العسكرية، وأن التغيير لا يحتاج دائمًا إلى العنف كي يتحقق.

وفي سنغافورة، قدّم لي كوان يو نموذجًا مختلفًا تمامًا، إذ استطاع تحويل دولة صغيرة فقيرة إلى واحدة من أكثر الاقتصادات استقرارًا وتقدمًا في العالم، عبر سياسات صارمة في الإدارة، وبناء مؤسسات فعالة، ومحاربة الفساد، وترسيخ مفهوم الدولة القادرة على التخطيط طويل المدى.

لي كوان يو
لي كوان يو

وفي أوروبا، يمكن الإشارة إلى أدولفو سواريث الذي لعب دورًا محوريًا في انتقال إسبانيا من الحكم الديكتاتوري إلى الديمقراطية بعد وفاة فرانكو، حيث تمكن من إدارة مرحلة انتقال حساسة جدًا، حافظ فيها على استقرار الدولة ومنع انزلاقها إلى الفوضى.

هذه النماذج مجتمعة تكشف أن القيادة ليست مجرد سلطة تُمارس، بل هي قدرة على فهم اللحظة التاريخية، وتحويلها إلى فرصة لبناء الدولة بدل تآكلها. وهي أيضًا تذكير بأن بعض القادة ينجحون في صناعة الاستقرار حتى في أصعب الظروف، بينما يفشل آخرون ليس بالضرورة بسبب النوايا، بل بسبب حجم التعقيد الذي يحيط بالمرحلة.

وعند العودة إلى الحالة اليمنية، يتضح أن الإشكال لا يكمن فقط في الأشخاص، بل في بنية الدولة نفسها، وفي تراكم الأزمات التاريخية، وفي طبيعة الصراع على السلطة والثروة والسلاح، مما جعل أي تجربة حكم تتحرك داخل مساحة ضيقة جدًا من الخيارات. وفي مثل هذه البيئات، يصبح الحكم أقرب إلى إدارة أزمة مستمرة منه إلى بناء مشروع دولة مكتمل.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم مفتوحًا: هل يمكن لليمن، رغم كل هذا الإرث الثقيل، أن يعيد صياغة نفسه في مرحلة لاحقة؟ وهل يمكن للأثر السياسي، مهما كان متناقضًا، أن يتحول في النهاية إلى درس.