حاتم الإنسان
وجدت صعوبة بالغة في أن أخط كلمة عزاء بوفاة الراحل العزيز، اللواء حاتم علي أبو حاتم، وظللت أؤجل الكتابة يوماً بعد يوم. فالصدمة قاسية، والكلمات تتعثر، عندما يفقد الإنسان عزيزاً، كان حضوره ملء السمع والبصر. وكان جزءاً من جماعة نداء السلام، يصعب تصور غيابه عنها. وسيحتاج زملاؤه في الجماعة إلى وقت، حتى يتقبلوا عدم حضوره، ويعتادوا على غيابه.

عندما أتذكر حاتم، الصديق والزميل في جماعة نداء السلام، تطغى لدي صورة حاتم الإنسان على صورة حاتم المناضل، ويتعزز لدي اليقين، بأن المرء لا يستحق صفة المناضل، إذا لم يتحل بالصفات الإنسانية أولاً. وأسأل نفسي، وأنا أقرأ ما كتبه كثيرون عن نضاله الطويل، من عرفه منهم عن كثب، ومن لم يعرفه إلا قليلاً. ما السر في طغيان صورة الإنسان في ذهني على صورة المناضل، التي يحتفي بها الجميع؟ هل يرجع ذلك إلى أنني لم أرافقه في مسيرته النضالية، مرافقة تسمح لي بأن أتحدث عن هذا الجانب من حياته وشخصيته، حديث من هو ملم بموضوعه، متمكن منه؟ أم يرجع إلى أن صورته المطبوعة في ذهني، من خلال رفقتنا الطويلة، في (لجنة المناضلين القدامى) ثم في (التجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية)، ثم في (لجنة تنسيق الجهود لإيقاف الحرب وإحلال السلام)، ثم في (جماعة نداء السلام)، هي صورة الإنسان، المخلَّق، الطيب، الودود، المرح، المتسامح، سهل المعشر، الذي يلطف أجواء النقاشات الحادة، بطُرفة يضحك لها الجميع، ويعودون إلى هدوئهم، وإلى لهجتهم غير المتوترة في النقاشات التي تتناول قضايا، لا يملك الإنسان إزاءها إلا أن يتوتر، وعلى رأسها قضايا الحرب والسلام وبناء الدولة، بكل تعقيداتها وأطرافها الداخلية والخارجية، وتداعياتها على حياة الناس البسطاء، الذين فقدوا مصادر دخلهم، كما فقدوا أمنهم واستقرارهم، وكادوا أن يفقدوا أملهم في عودة الحياة قريباً إلى ما كانت عليه قبل المحنة التي حلت بالوطن، وطال أمدها.
من هنا، ولأن صورة حاتم الإنسان هي أكثر التصاقاً بذاكرتي، سأدع الحديث عن نضاله المتعدد الجوانب، لرفاقه في التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، ولمن رافقوه في مسيرته النضالية، منذ مطلع شبابه، حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى. وأكتفي في هذه الكلمة القصيرة، بومضات سريعة، كاشفة لملامح من الجانب الإنساني في شخصيته، وهي طيبته وتسامحه وروحه المرحة وحبه للناس، أشير إليها مجرد إشارة، في سياق عرض موجز لرفقتنا الطويلة وعملنا المشترك، على مدى عقد ونصف من الزمن.
عرفت الراحل العزيز، اللواء حاتم علي أبو حاتم، في الفترة التي كنت أعمل فيها نائباً للأمين العام لاتحاد المؤرخين العرب في بغداد. فقد كان يزور بغداد المحاصرة، بين الحين والآخر، على رأس لجنة رفع الحصار عن الشعب العراقي. غير أن معرفتي به حينذاك كانت معرفة عابرة سطحية، إلى حد كبير. إذ لم تكن تتجاوز السلام والسؤال المعتاد عن الصحة وعن برنامج الزيارة. ولكن معرفتي وعلاقتي به توطدت في صنعاء، بعد انتهاء فترة عملي في الاتحاد. ولا سيما من خلال وجودنا معاً في (لجنة المناضلين القدامى)، التي أنشئت مع ثمان لجان أخرى، في سياق الحراك، الذي حمل اسم (ملتقى التشاور والحوار الوطني). وكان يهدف في الظاهر إلى إرساء قواعد دولة يمنية مدنية حديثة، خالية من الفساد المالي والإداري، تديرها شخصيات وطنية مشهود لها بالنزاهة والكفاءة والقدرة على الإنجاز. أما بواطنه ومآلاته المحتملة، فقد كنا حينها نجهلها. وكان على رأسه الشيخ حميد عبد الله بن حسين الأحمر، والأستاذ محمد سالم باسندوة وعدد من قادة الأحزاب السياسية والوجاهات الاجتماعية.
عملنا معاً في لجنة المناضلين القدامى، برئاسة المناضل يحي محمد الشامي، عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، رحمة الله تغشاه. وكان حاتم نائباً لرئيس اللجنة. وعندما التحقت باللجنة، بناءً على اتصال من الأخ يحي الشامي. لاحظت أن اجتماعاتها، تقتصر على قراءة الصحف ومناقشة بعض ما تتضمنه من أخبار. ولمست تجاهل اللجنة العليا لملتقى التشاور والحوار الوطني، لما ترفعه إليها لجنة المناضلين من تعديلات مقترحة على البرنامج السياسي للملتقى، ومن تساؤلات تثار في اجتماعاتها. فطرحت فكرة ترشيد عمل لجنة المناضلين، بتشكيل لجنة مصغرة تتولى وضع خطة عمل محددة تلتزم لجنة المناضلين بتنفيذها، وتكون بنودها محور نقاشاتها. وتقبل الزملاء الفكرة، وبلورها رئيس لجنة المناضلين، الأخ يحي الشامي، بمقترح تشكيل لجنة ثلاثية برئاستي، باعتباري صاحب الفكرة، وعضوية الزميلين، حاتم أبو حاتم وعبد الله محمد بشر الذي كان حينها مقرراً للجنة المناضلين.
توالت اجتماعات اللجنة الثلاثية في ساحة التغيير. ولم تسر سيراً طبيعياً. فقد كانت تعقد في الخيمة التي رابط فيها اللواء حاتم (خيمة التنظيم الوحدوي الناصري)، قرب مدخل الجامعة الجديدة. ولأن حاتم كان بطبيعته يحب الناس ولا يشعر بالراحة إلا وهو بينهم، فقد كانت خيمته مقصداً للكثيرين، الذين يلجونها دون استئذان، ويتربعون على أرضيتها لمجرد تمضية الوقت. ولذا كانت اجتماعاتنا دائماً ما تُقاطع، وتتوقف إلى حين، ثم تُستأنف، لتُقاطع من جديد. ولم يكن حاتم يظهر انزعاجاً أو تبرماً إزاء ذلك. بل يتبسط مع من يدخلون الخيمة ويخرجون منها، ويتحدث إليهم، ولا يضيق بهم. وعندما كنت أعبر له عن قلقي من أن يتعثر عمل اللجنة، بسبب الداخلين إلى الخيمة والخارجين منها، وما يحدثونه من ضجيج ومن أصوات عالية، كان يقابل قلقي بضحكته المميزة، ويهون الأمر عليَّ وعلى الزميل عبد الله بشر، قائلاً: شوفوا... هنا حياة ... حياة. مشيراً بذلك إلى رغبتنا الأصلية بالاجتماع في إحدى الشقق القريبة من الساحة، بعيدا ًعن ضجيج الساحة وتطفل الزوار، وإصراره هو على الاجتماع في الخيمة. ومع ذلك، ورغم المقاطعات المتكررة، تمكنت اللجنة من إكمال مهمتها، وصاغت خطة عمل مفصلة، عرضتها في اجتماع لجنة المناضلين وتمت الموافقة عليها.
ومع وجود خطة العمل الواضحة، وتقاعس المجلس الأعلى لملتقى التشاور والحوار الوطني عن التفاعل مع لجنة المناضلين، وعدم الرد على رسائلها وتساؤلاتها ومقترحاتها، وانخراطه في المهمة الجديدة، وهي الإعداد لمؤتمر الحوار الوطني الشامل، وإهماله اللجان التسع التابعة له، ومن بينها لجنة المناضلين القدامى، طرحت اقتراحاً للانفصال عن الملتقى، والعمل ككيان مستقل، تحت اسم جديد. وبعد نقاش مستفيض واجتماعات عديدة، وحماس للاقتراح من قبل البعض، وتردد في قبوله، من قبل البعض الآخر، تمت الموافقة عليه، وباشرنا عملنا المستقل، تحت اسم اختاره المجتمعون، وهو (التجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية). وعبر انتخابات ديمقراطية، لم أحضرها، بسبب سفري، تم انتخاب هيئة إدارية للتجمع، وهيئة استشارية. وتم انتخاب أحمد قايد الصايدي رئيساً للهيئة الإدارية، وحاتم علي أبو حاتم نائباً للرئيس، وعبد الله محمد بشر مقرراً، ويحي محمد الشامي رئيساً للهيئة الاستشارية.
ومنذ ذلك الحين بدأ التجمع ينشط، ويحاور الأطراف السياسية، ويصدر البيانات والمبادرات، ويحدد مواقف معلنة من كل الأحداث الجارية والقضايا المصيرية، وعلى رأسها قضايا الحرب والسلام وبناء الدولة. وكانت أهم مبادراته المبكرة، مبادرة هدفها إنهاء الحرب والتوجه إلى طاولة الحوار ووضع أسس دولة الشراكة الوطنية. وقد أُعلنت تلك المبادرة في 15 مايو 2015م، أي بعد أقل من شهرين على بدء الحرب.
ومع اشتداد الحرب، وتوالي الكوارث على الشعب اليمني، أطلق التجمع في مطلع فبراير من عام 2017م، بالتعاون مع بعض الشخصيات الوطنية الرافضة للحرب واستمرارها، أطلق نداء السلام، الموجه إلى دول الجوار، العربية والإسلامية، وإلى الجامعة العربية والأمم المتحدة والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، طالب فيه بوقف الحرب وإحلال السلام، ومساعدة اليمنيين على التوجه نحو بناء دولتهم، عبر حوار وطني، يضم كل القوى اليمنية المتصارعة.
وقد تطلب إطلاق النداء وإيصاله إلى الجهات المعنية، تشكيل لجنة خاصة، سميت (لجنة تنسيق الجهود لإيقاف الحرب وإحلال السلام). ووقعت على ذلك النداء أبرز الشخصيات اليمنية، من أكاديميين ومثقفين وسياسيين وناشطين حقوقيين ونقابيين وصحفيين ورجال أعمال...إلخ، بلغ عددهم، حتى لحظة تسليمه إلى مكتب الأمم المتحدة في صنعاء، وإرساله إلى سفارات الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن في الخارج، ما يقارب خمس مئة شخصية.
وعلى إثر ذلك تم إنشاء إطار جديد، باسم (جماعة نداء السلام)، نسبة إلى ذلك النداء، ضم عند إنشائه ثلاثة مكونات (التجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية، ولجنة تنسيق الجهود لإيقاف الحرب وإحلال السلام، ومنتدى الحوار الفكري). وباشرت الجماعة التواصل مع المكونات السياسية الرئيسية، ومحاورة من استجاب منها للحوار. وواصلت، دون انقطاع، إصدار البيانات والمبادرات وإعلان المواقف، تجاه الأحداث المهمة في اليمن وفي الوطن العربي. وأوصلت مواقفها وبياناتها ونداءاتها، إلى الأمم المتحدة والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، كلما استدعى الأمر ذلك. وطوال عملها هذا ظلت معتمدة على نفسها من الناحية المالية، مكتفية بالاشتراكات الزهيدة التي يدفعها أعضاؤها، رافضة أي دعم مالي من أي جهة داخلية أو خارجية. لتجنب نفسها الوقوع تحت أي تأثير.
ضمن هذه الأطر عمل الفقيد العزيز على مدى عقد ونصف من الزمن، دون انقطاع، حتى رحيله عن دنيانا الفانية. وعلى امتداد هذه المسيرة، كان حاتم هو ملح الاجتماعات ونكهتها المميزة. وعندما كانت تتباين آراؤنا أو ترتفع وتيرة النقاش فيما بيننا، يعيد النقاش إلى سياقه الهادئ، بنكتة سريعة أو ضحكة لطيفة.
وقد حدث غير مرة أن شعرت بعد انفضاض الاجتماع، وعودتي إلى المنزل، أن وتيرة النقاش معه كانت مرتفعة أكثر من اللازم. فأشعر بالانزعاج من نفسي، وأبادر إلى الاتصال به تلفونياً وإبداء أسفي له عما قد يكون حدث في النقاش من ارتفاع في الصوت أو حدة في الكلمات. فإذا بحاتم يرسل ضحكته عبر الهاتف برداً وسلاماً، وهو يتساءل: على أيش تتأسف يا دكتور، والله ما بحسي ولا عاد انا ذاكر. بهذه الروح السمحة كان يتعامل مع الجميع. ولذا أحبه الجميع، كإنسان، قبل أن يحبوه كمناضل.
وفي اجتماعاتنا الدورية والاستثنائية، كان حاتم يحرص، ويلح على ضرورة التحرك لتنشيط دور الأحزاب السياسية، ولا سيما دور الحزب الاشتراكي اليمني، ويوجه عتابه بشيء من الغضب، إلى أشخاص من زملائه بعينهم، ويتهمهم بالتقصير، لعدم ممارستهم دورهم داخل الحزب الاشتراكي، ولا يعفيني من ذلك العتاب، رغم معرفته بأني خارج الأطر التنظيمية للأحزاب، ولا أملك أي صفة تنظيمية في الحزب الاشتراكي أو في غيره، تسمح لي بممارسة أي دور، عدا دور الناصح، الحريص على تحاشي كل ما قد يوحي بشبهة التدخل. ولكن حاتم يصر على أن هذا الوقت ليس وقت الشكليات، وأن واجبنا يقضي بالتحرك، لتصحيح أوضاع الأحزاب السياسية وإحياء دورها المؤثر في الأحداث الجارية. ولا ينسى أن يكرر أسفه على الأوضاع التي يعيشها حزب البعث العربي الاشتراكي، وانقساماته التي أضعفت دوره في الوطن العربي، ويؤكد على ضرورة التواصل مع قيادات البعث وحثها على توحيد الحزب، ليتمكن من أداء دوره القومي، كحزب تراهن عليه جماهير الأمة.
بهذه الروح الوطنية العروبية كان يحمل هموم الأمة. وكان ينظر إلى جماعة نداء السلام على أنها الصوت الذي يمكن أن يعوض خفوت أصوات الأحزاب السياسية، والمكون الذي يمكن أن يسد بعضاً من الفراغ الناتج عن غيابها. ولذا لم ينقطع عن أي اجتماع للجماعة، مهما كانت الظروف، حتى أقعده المرض ودخل في غيبوبة، هيأته للرحيل الأبدي، مشيعاً بحبنا الصادق وحزننا العميق على فراقه، تاركاً فراغاً وسط جماعة نداء السلام، يصعب ملؤه، ومخلفاً وراءه إحساساً لدى كل من عرفه، بأن الوطن قد فقد برحيله رجلاً من أخلص رجاله، في زمن عز فيه الرجال. ولكن هذه مشيئة الله وقضاؤه في خلقه، ولا راد لقضائه. له ما أعطى وله ما أخذ. رحم الله فقيدنا الغالي وأسكنه فسيح جناته، وألهمنا جميعاً: أسرته وأهله وعشيرته ورفاقه في التنظيم الوحدوي الناصري وزملاءه في جماعة نداء السلام، وكل محبيه على امتداد اليمن والوطن العربي الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
