الجنوب وتجريف الذاكرة (10)
في الحلقات السابقة تحدثنا عن التيارات السياسية التي ظهرت عقب حرب صيف عام 1994م، تلك الحرب التي اجتاحت فيها قبائل الشمال والإسلاميين المتحالفين مع علي عبدالله صالح، الجنوب ضمن صفقة الحرب بين من ذكروا وبين صالح الذي كان يدرك من وقت مبكر أنه سيدخل في حرب خاسرة، وفي حال دخوله سيتعرض لهزيمة نكراء شبيهة لهزيمة جيش الجمهورية العربية اليمنية عام 1979م، حينما وصلت قوات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بقيادة العميد صالح مصلح قاسم، إلى مشارف العاصمة صنعاء، بالتنسيق مع الجبهة الديمقراطية، حيث شاركت الجبهة الوطنية في وضع خطة محكمة يرافقها زحف قوات الجبهة الوطنية الديمقراطية في المناطق الوسطى في حال تقدم جيش اليمن الديمقراطية عبر مريس وقعطبة والبيضاء.
وفعلًا سقطت كل تلك المناطق، وسقطت مأرب، واعتقل قائد جيش الجمهورية العربية اليمنية في محافظة مأرب العقيد عبدالله محمد سيف الخامري، ومعه عدد كبير من ضباط وأفراد حامية مأرب والألوية المرابطة في المناطق الحدودية المتاخمة للحدود الجنوبية.
وكانت عناصر الجبهة الوطنية الديمقراطية في تلك المناطق قد وقفت مساندة في ذلك الزحف لإسقاط عاصمة الشمال صنعاء، وسقطت يومها وصابين وجبل رأس وريمة. وكانت عناصر الجبهة الوطنية الديمقراطية في نهم وأرحب وسفيان وخولان والحيمتين تتأهب وتنتظر أوامر دخول العاصمة. وكانت يومها قد سقطت شرعب والعدين في لواءي تعز وإب بيد الجبهة الوطنية الديمقراطية.
وقد ذكر الشيخ سنان بن عبدالله أبو لحوم في مذكراته "اليمن حقائق ووثائق عشتها"، أن جيش الجمهورية العربية اليمنية لم يكن في تلك الفترة جيشًا بالمعنى الحرفي لكلمة جيش، ولا يضاهي الجيوش الحديثة في أية دولة من الدول العربية الأخرى، فقد كانت ألوية الجيش عبارة عن ألوية تفتقر للتدريب عند استلام علي عبدالله صالح للسلطة في اليمن الشمالي. وحكى أبو لحوم أن الجيش الشعبي المكون من رجال القبائل هو الذي وقف في معارك سابقة ضد الجنوب وضد الجبهة الوطنية الديمقراطية في المناطق الوسطى، وقتل في واحدة من تلك المعارك الأخ الشقيق للشيخ سنان أبو لحوم، في مناطق تعرضت قراها للنهب وسلب الممتلكات الخاصة بسكان تلك القرى، الأمر الذي دفع القوات التابعة للجبهة الوطنية الديمقراطية إلى مهاجمة المعسكر القبلي الذي كانت القوات القبلية التابعة للشيخ صالح عبدالله أبو لحوم، والذي كان يتواجد بداخله هذا الشيخ، وقتل في هذا الهجوم بمعية عدد من مرافقيه.

وأثناء حرب 1979م ذكر الشيخ سنان أبو لحوم أن علي عبدالله صالح استشعر الخطر حين تواردت إليه الأنباء عبر أثير الإذاعات العربية عن احتمالية سقوط العاصمة صنعاء بيد القوات الجنوبية في أية لحظة، مما دفع بالرئيس علي عبدالله صالح إلى الاتصال بالشيخ أبو لحوم، وطلب منه التفكير بعمل حلول توقف زحف القوات المرابطة على مشارف العاصمة، مما جعل الشيخ سنان أبو لحوم يتحرك في الحال ويتواصل مع السفير الكويتي في صنعاء، وطلب منه الاتصال بقيادة دولة الكويت وإبلاغ امير الكويت بالاتصال بقيادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في عدن بالتحرك إلى الكويت للدخول في مفاوضات تنهي الأزمة وتوقف الحرب. وحدث ذلك، وتم الاتفاق بين قيادتي الشطرين بالتوقيع على اتفاقية الوحدة اليمنية وعودة القوات الجنوبية إلى مواقعها السابقة.

ونعود لنتذكر معًا أن حرب 1994م المنتصر فيها الشمال على الجنوب، تسببت فيها عدة عوامل، أهمها تخلخل الصف الجنوبي عقب أحداث يناير عام 1986م، إضافة إلى الصراعات السابقة في الجنوب منذ فجر الاستقلال، فضلًا عن قرارات التأميم التي اتخذتها الجبهة القومية بعد الاستقلال، مما أدى إلى هروب الرأسمال الجنوبي إلى الشمال والدول الخليجية ودول القرن الإفريقي، وعدم معالجة كل تلك المشاكل أدت إلى هزيمة الطرف الجنوبي في حرب 1994م، وتوظيف الطرف الشمالي لكل تلك الأسباب في تلك المعركة جعله ينتصر على الطرف الجنوبي بأقل التكاليف، إضافة إلى الحرب الدعائية التي سبقت تلك الحرب ضد الجنوب والقيادة السياسية الموقعة على اتفاقية وحدة 22 مايو السلمية عام 1990م، إضافة إلى إصدار فتوى الديلمي ذائعة الصيت التي أباحت للشمال تطهير الجنوب من الكفر، وتحويل تلك الحرب إلى حرب دينية بين شمال مسلم وجنوب كافر، وهو ما يذكرنا بحرب الدولة القاسمية في مناطق الجنوب والمناطق الشافعية، واعتبارهم كفار تأويل.
ومن الأسباب التي جعلت الشمال اليمني ينتصر على الجنوب، تدخل العراق والطيران العراقي في معركة احتلال الجنوب، لأن الطيران في الشمال لم يكن يومها في أحسن الأحوال من الطيران الجنوبي الذي ذكرت المصادر أنه لم يكن قد تدخل في تلك الحرب بقوة لصد الزحوفات القادمة من الشمال، والتي أرجعها بعض المحللين يومها إلى أن عقيدة الطيارين القتالية لدى الطيران الجنوبي كانت تستهدف المعتدين على التراب اليمني من الخارج، ولذلك وقفت القوات الجوية الجنوبية في تلك الحرب موقف الحياد، وهناك من يتحدث عن اختراقات استخباراتية قوية من القوات الشمالية للقوات الجنوبية، وانتشرت شائعات البيع والشراء لقيادات جنوبية وتحييدها لصالح الشمال حسب ما أشيع يومها.
وكانت القيادة الجنوبية بقيادة الرئيس علي سالم البيض، تنتظر يومها اعترافًا خليجيًا من دول الخليج في مؤتمر أبها جنوب المملكة العربية السعودية، والمعارك تدور على مشارف المدن الجنوبية، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية حالت دون ذلك الاعتراف كما حكى الرئيس علي سالم البيض في حوار أجرته معه قناة تلفزيونية لا أتذكر اسمها.

وهناك من يرى أن هزيمة الجيش السوفيتي في أفغانستان، وسقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية وأولها رومانيا، إضافة إلى بروسترويكا جرباتشوف وظهور الضعف في المعسكر الاشتراكي الشرقي، كل تلك الأسباب مجتمعة كانت ضمن الأسباب التي أدت إلى هزيمة اليمن الجنوبي الذي ظل حليفًا استراتيجيًا قويًا للاتحاد السوفيتي لأكثر من عشرين عامًا.
وفي الحلقة القادمة إن شاء الله، سنتحدث عن قضية التدخل الخارجي في شؤون الجنوب اليمني، وأثر ذلك على استمرار تصدعات الصف والتشظي الجنوبي.
