الحديدة في العيد.. مدينة مزدحمة بالزائرين ومثقلة بفقر سكانها

على امتداد أيام عيدي الفطر والأضحى، تتحول مدينة الحديدة إلى واحدة من أكثر المدن اليمنية ازدحاماً بالزوار، حيث تتدفق مئات العائلات القادمة من صنعاء وذمار وإب ومحافظات أخرى لقضاء إجازة العيد على شواطئ البحر الأحمر، في ظل محدودية الخيارات السياحية المتاحة في بقية المناطق اليمنية.
وتشهد الكورنيشات والمتنزهات والشواطئ والفنادق حركة غير اعتيادية خلال هذه الفترة، بينما تزدحم الأسواق والمطاعم الشعبية بالزوار الباحثين عن متنفس بحري يخفف من ضغوط الحياة اليومية والحرب الممتدة منذ سنوات.
لكن هذا المشهد الاحتفالي يخفي وراءه حالة من التفاوت الاجتماعي الحاد، إذ يقول أبناء الحديدة إن معظم الزوار ينتمون إلى الطبقات الميسورة وكبار المسؤولين والقيادات الحوثية الذين يصلون مع أسرهم لقضاء الإجازة في الفنادق والشاليهات والمنتجعات السياحية، وينفقون مبالغ كبيرة في وقت يعيش فيه غالبية أبناء الحديدة أوضاعاً معيشية قاسية.
من الكبار إلى الكبار
الصحفي عبده العبدلي يرى أن العائد الحقيقي لهذا النشاط السياحي لا يذهب إلى سكان المدينة بقدر ما يعود إلى المستثمرين والتجار النافذين.
ويقول العبدلي: “الفنادق والشاليهات والمتنزهات والمطاعم السياحية بمحافظة الحديدة تتبع تجار ومستثمرين من خارج المحافظة، والزائرون الذين يقضون فيها إجازة عيد الفطر المبارك وكذا عيد الأضحى هم من كبار قيادات الدولة والحكومة وكبار التجار والميسورين من سكان العاصمة صنعاء وغيرها من المناطق الذين يقضون أمتع الأوقات في الحديدة كل عام”.
ويضيف: “أبناء مدينة الحديدة وسكانها الأصليون مجرد مشجعين للسياحة، يذهبون إلى الحدائق ويصرفون ما في جيوبهم لشراء تذاكر ألعاب الأطفال، ويعودون إلى منازلهم غارقين في هموم مصروف اليوم الثاني، والشاطر فيهم مشروعه الكبير بيع لعب الأطفال في تلك المتنزهات لتغطية مصاريف العيد”.

ويصف العبدلي حركة الأموال في موسم العيد بأنها “تسير على طريقة: من الكبار إلى الكبار”، في إشارة إلى أن العوائد الاقتصادية تبقى محصورة بين المستثمرين والتجار والطبقات المقتدرة، دون أن تنعكس بشكل فعلي على أوضاع السكان الفقراء.
ارتفاع الأسعار يضاعف معاناة السكان
ومع تزايد أعداد الزوار، ترتفع أسعار الأسماك والقات والخدمات بشكل لافت، ما يثير استياء واسعاً بين السكان الذين يؤكدون أن مواسم الأعياد أصبحت عبئاً اقتصادياً إضافياً عليهم.
ويقول مواطنون إن كثيراً من أنواع الأسماك تتحول إلى سلع باهظة الثمن بمجرد بدء تدفق الزوار، نتيجة ارتفاع الطلب والقدرة الشرائية الكبيرة لبعض القادمين من خارج المحافظة، خصوصاً من صنعاء.
كما يشكو السكان من ارتفاع أسعار المواصلات والمطاعم والمواد الاستهلاكية خلال أيام العيد، في ظل انقطاع الرواتب.
ازدحام وفوضى وتصرفات مستفزة
إلى جانب الأزمة الاقتصادية، يعبّر كثير من أبناء الحديدة عن استيائهم من بعض السلوكيات التي ترافق موسم العيد، خصوصاً ما يتعلق بالقيادة المتهورة للسيارات في الشوارع الساحلية والأماكن المكتظة بالعائلات.
ويتحدث مواطنون عن حوادث متكررة ومواقف خطرة بسبب السرعة الجنونية لبعض المركبات، إضافة إلى مظاهر تفاخر وإنفاق مبالغ فيه، يقول الأهالي إنها تترافق أحياناً مع تعامل متعالٍ أو مستفز داخل الأسواق والمتنزهات العامة.
عسكرة الشواطئ وتقلص المتنفسات العامة
وفي سياق متصل، شكا مواطنون من تقلص مساحة المتنزهات الشاطئية المتاحة للعامة في مدينة الحديدة الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي.
ونشر عدد من الزوار فيديوهات تظهر ازدحاماً شديداً في الشواطئ والمتنفسات الساحلية، نتيجة إغلاق أجزاء واسعة من الشريط الساحلي أمام السكان.
وبحسب مواطنين فقد حولت جماعة الحوثي مساحات كبيرة من الشواطئ إلى مناطق عسكرية محظورة ضمن سياسة عسكرة البحر الأحمر، ما أدى إلى تضييق المساحات المفتوحة أمام العائلات والزوار، وفاقم من حالة الازدحام في المواقع القليلة المتبقية.
ويقول عاملون في قطاع الصيد والسياحة إن هذه الإجراءات ألحقت أضراراً مباشرة بآلاف الأسر التي كانت تعتمد على السياحة البحرية والصيد التقليدي كمصدر دخل رئيسي.
أزمة سياحية تكشف ضعف البنية التحتية
من جانبه، يقول محمد جمال، وهو أحد أبناء مدينة الحديدة، إن ما تشهده المدينة خلال موسم العيد يكشف حجم التدهور الذي يعاني منه القطاع السياحي في اليمن رغم ما تمتلكه الحديدة من مقومات طبيعية كبيرة.
ويضيف: “رغم ما تمتلكه مدينة الحديدة من سواحل خلابة وموقع استراتيجي مميز، إلا أن موسم إجازة العيد كشف واقعاً مؤسفاً يعاني منه القطاع السياحي في اليمن، حيث تشهد المدينة أزمة خانقة في الفنادق والمطاعم والخدمات نتيجة الإقبال الكبير من الزوار”.
ويرى جمال أن هذا الضغط “لم يكن مفاجئاً بقدر ما هو نتيجة مباشرة لضعف البنية التحتية السياحية وغياب التخطيط، في ظل قلة المزارات والوجهات المؤهلة لاستيعاب السياح في مختلف المحافظات، ما يدفع الجميع للتوجه إلى خيارات محدودة مثل الحديدة”.
وأشار إلى أن كثيراً من الزوار عبّروا عن استيائهم من “ارتفاع الأسعار غير المبرر، وسوء مستوى الخدمات، وانعدام التنظيم”، وسط غياب شبه تام للرقابة أو أي تدخلات حقيقية من الجهات المعنية لمعالجة الاختناقات المتكررة خلال مواسم الأعياد.
ويؤكد أن المشكلة الأعمق تتعلق بإهمال الاستثمار في القطاع السياحي على مستوى البلاد، موضحاً أن تطوير البنية السياحية وفتح وجهات جديدة كان من الممكن أن يخفف الضغط عن مدينة الحديدة ويوفر خيارات أوسع للزوار، بدلاً من تكدس آلاف العائلات في مدينة تعاني أساساً من ضعف الإمكانيات والخدمات.
مدينة تعيش التناقضات
ورغم كل هذه الأزمات، تبقى الحديدة خلال العيد مدينة مكتظة بالحياة والضجيج والحركة؛ مدينة تستقبل أفواج المصطافين الباحثين عن البحر والترفيه، فيما يقف كثير من سكانها على هامش هذا المشهد، يراقبون موسماً يعج بالإنفاق والازدحام، لكنه لا يغيّر كثيراً من واقعهم المثقل بالفقر والقلق وتراجع فرص الحياة الكريمة.
