يرحل الرئيس وحده وتبقى أعماله شاهدة له أو عليه
تعيش اليمن منذ سنوات حالة من التدهور السياسي والاقتصادي، رافقها توسع غير مسبوق في مظاهر الفساد واستغلال النفوذ، حتى باتت موارد الدولة ومقدراتها، في كثير من الأحيان، خاضعة لمصالح أفراد وجماعات تتنافس على السلطة والثروة أكثر من تنافسها على خدمة الوطن والمواطن. وقد ساهمت الحرب في إضعاف مؤسسات الرقابة والمحاسبة، وفتحت المجال أمام شبكات المصالح لتوسيع نفوذها والسيطرة على الموارد العامة، في وقت يزداد فيه فقر المواطنين، وتتراجع الخدمات الأساسية، وتتعاظم معاناتهم اليومية.
وخلال هذه المرحلة، برزت المناطقية والحزبية والقرابة باعتبارها من أهم المعايير التي تحدد فرص الوصول إلى المناصب والثروة والنفوذ، بدلاً من الكفاءة والنزاهة والخبرة. ونتيجة لذلك، تشكلت دوائر مغلقة من المستفيدين الذين احتكروا القرار والمال العام، وحولوا مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة مصالحهم الخاصة، بينما بقيت غالبية أبناء الشعب خارج دائرة الاستفادة من ثروات بلدهم وموارده.
كما نشأت شبكات فساد مترابطة تضم مسؤولين ونافذين وأقاربهم وشركاءهم الاقتصاديين، تمكنوا من تكوين ثروات هائلة خلال سنوات الحرب والأزمة. وفي الوقت الذي تعجز فيه الدولة عن دفع المرتبات بانتظام، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، تتزايد التقارير والوقائع التي تشير إلى امتلاك بعض المتنفذين عقارات واستثمارات وأرصدة مالية في الخارج، والعيش في مستويات عالية من الرفاهية في عواصم ومدن عالمية، بعيداً عن المعاناة التي يعيشها اليمنيون داخل وطنهم.
وفي المقابل، يواجه ملايين المواطنين أوضاعاً إنسانية صعبة، تتجسد في الفقر والبطالة وتدهور التعليم والصحة وانقطاع الخدمات، وتراجع الأمن والاستقرار، وتفكك الكثير من الروابط الاجتماعية التي كانت تمثل مصدر قوة للمجتمع اليمني. وقد أدى هذا الواقع إلى اهتزاز ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها، وخلق شعور متزايد بأن السلطة أصبحت بعيدة عن هموم المواطنين وتطلعاتهم في العيش الكريم والعدالة والمساواة.
والمؤسف أن كثيراً من أصحاب السلطة والنفوذ لا يدركون حقيقة بسيطة تؤكدها تجارب التاريخ وتعاقب الحكام، وهي أن الأموال والثروات، مهما تضخمت، لن ترافق أصحابها عند رحيلهم، ولن تبقى سوى الذكرى التي يتركونها خلفهم. وبعد رحيل الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي وغيره من المسؤولين الذين تعاقبوا على السلطة، تتجدد الحقيقة ذاتها، وهي أن ما يبقى في ذاكرة الشعوب ليس حجم الأموال التي جرى جمعها، ولا عدد العقارات والاستثمارات التي امتلكها المسؤولون، بل ما قدموه من أعمال وإنجازات خدمت الناس، وحافظت على مصالح الوطن، وساهمت في بناء الدولة وتحسين حياة المواطنين. فالتاريخ لا يخلد الثروات بقدر ما يخلد المواقف والإنجازات والأعمال التي تترك أثراً نافعاً في حياة الشعوب والأجيال القادمة.
