الخميس 28 مايو 2026

أيامٌ... في العيد

ما الاختلاف... وما التكرار؟
عندما تفرغ القيم الجمالية الكلية من مضامينها، وتغادر تلك البدايات التأسيسية لشروط وحاجات وجودها الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية المثلى، يفارق وعينا الفردي والجمعي دلالات المعنى من قيمة الفكرة الأساسية المنطوية بذاتها في دلالاتها ككلية وجودية (أنطولوجية)، تعبر عنها وتعكس الحالة الإنسانية بما جُبلت عليه بفطرة المساواة.. بمعنى تتلاشى وتغيب وحدة المقدس كجوهر من المناسبة في رداءة السلوك الذي يهيمن من خلاله الإنسان على أخيه الإنسان، ويظهر بالشكل المتباهي والمتفاخر بقيم من الرداءة، التي تشوه جوهر ووحدة الانتماء للكلي في قداسة حشد الإنسانية جمعاء، في حالة من المساواة والتطهر الروحي الخالص بالعودة بفطرة الإنسان لجوهره الإنساني، وبعرض شكلي موحد بلباس أبيض وبنداء جمعي للخالق..

لبيك اللهم لبيك... لا شريك لك لبيك.

في رحلة يتم بها قشع كل السلطات المهيمنة والمتماهية بالمصادرة للقرار الإلهي، وكحالة استغفالية في تسويق خطابها بإقامة شراكة لسلب الإنسان حرية التعاطي في ومع قراره الوجودي مع خالقه.

فكانت هذه التظاهرة (الحج) ضدًّا على السلطات الدينية والكهنوتية المهيمنة.

هذه الرحلة التنسكية ليست من الجبر، بل من الاستطاعة، ونهايتها تتجلى باللحظة العيدية.

فكل عيد يتضمن في بنيته الأنطولوجية وحدة بالمقدس..

فلطالما كان مبنى في بنية، بالضرورة يتجلى الفعل الإنساني الخلاق بالتواصل المتعدد الأبعاد.

ولأنه العيد يتمثل كبنية في الزمن، ينعكس ماضي تأسيسه العتيق في الدهر كلحظة يتطلبها الحاضر الإنساني انتظارًا له بكل الأشواق من المستقبل، فانقلاب العلاقة بين الماضي له والمستقبل كانقلاب تام، كأنه غاديًا إلينا من المستقبل في عملية حسابية فرائحية.. حاولت سلطات الاستبداد طمس معالمها الكلية، من خلال توسيع خارطة البؤس وتوزيع الفقر بين البشر.

فالعيد كبنية في الشكل تتكرر، وفي المضمون تتجدد وتختلف باختلاف ظروف الناس. ولأنه كبنية من شروطها التحول والاختلاف، بما يجعله يحفظ جوهره في المقدس.

فالعيد لا يلج من خلال الذاتي، بل يتجلى الذاتي من خلال بنية العيد الكلية، يتجدد فيه من خلال طقوس شروطه التي بالضرورة تتجلى بها الحرية في لحظة صفاء وتطهر..

وسعادة تعم جميع أفرادها.

إنها الدائرة الزمنية للخلود في الطواف حين يتساوى البشر.

ففي الحج تسقط تلك الفتاوى عن المرأة بأنه لا يجوز لها أن تؤم الرجل.. ففي الطواف يتبدل الحال، تؤم وتؤام في آنٍ واحد في دائرة الطواف.. في دائرة الكمال الإنساني.

العيد هو سلطة الحلقة الأضعف من الطفولة الشاملة في دافع ديمومته وتحركه وعودته.

إنه نداء الحقيقة الجمالية، التي جسدتها تجارب ووحدة المجتمعات في إنسانيتها وأخلاقها المثلى. العيد أمر قاهر لأجل اللحظة الكلية، وضدًّا على من يفسدها.

لقد جسدته حكمة وفلسفة الشاعر حين قال:

عيدٌ بأية حالٍ عدت يا عيدُ

بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ

كل عام وأنتم بخير، وعيد أضحى عليكم مبارك.