يا لتعاستنا!
منذ أن وعينا أنفسنا على هذه الأرض ونحن في حياة من العذاب والمنغصات، وهكذا كان الحال مع من سبقونا من الأجيال السابقة. ذهب الكثير منهم وهم يدعون الله ليل نهار أن ينصفهم ممن كانوا السبب في تعاستهم وعذابهم.
كل مراحل هذا العمر، على قصرها، هي مراحل تهدّ الجبال الرواسي لقوة وقعها علينا كبشر ولسنا جبالًا.
لا شيء يبعث على الفرح إطلاقًا، بقدر ما نحن محاصرون بأكوام من المنغصات والعذابات التي رافقتنا كظلنا، وأبت أن تفارقنا إلى أن نرحل كما رحل من سبقونا.
أحدثكم والمرارة تعصرني عصرًا. وكيف لا أكون هكذا وكل بيوتنا أصبحت خالية تمامًا من مياه الشرب، هذه النعمة التي لا غنى عنها لأي من المخلوقات؟ فهي نعمة ربانية وصفها الله في قرآنه الكريم: "وجعلنا من الماء كل شيء حي" صدق الله العظيم.
مياه الشرب صارت منقطعة، وهذا ما فاقم معاناتنا أضعافًا مضاعفة.
دخلنا أول أيام العيد وهمّنا وكل أحلامنا أن تزور بيوتنا مياه الشرب حتى نغتسل مثل بقية الناس، ونتجهز التجهيز المطلوب للذهاب لصلاة العيد. ولكن إلى اللحظة لا توجد بوادر لمجيء المياه إلى بيوتنا. وهنا ستكون صدمتنا عنيفة ومصيبتنا كبيرة إن سمعنا تكبيرات صلاة العيد تنادينا ونحن في حال لا يُسَرُّ له، بسبب ما علق بنا من الأوساخ ومخلفات روائح الصيف وحرارته اللاهبة على أجسادنا.
وحتى الكهرباء، فلنا معها قصص وحكايات كثيرة.
فخدمة الكهرباء مقطوعة منذ صباح أمس الثلاثاء، وأتت عند الساعة الثانية عشرة، وبالكاد ساعة ستعود للاختفاء الذي عوّدنا عليه القائمون عليها.
بالله عليكم، مع هذه العذابات والمنغصات مجتمعة، خصوصًا في ما يمس حياتنا وبقاءنا على قيد الحياة كالمياه، هل بمقدورنا العيش والاستمرار؟ أم أن مصيرنا الموت تدريجيًا؟
تحملنا ما فيه الكفاية، وصبرنا صبرًا لا حدود له، ومع ذلك تبين لنا بما لا يدع مجالًا للشك أننا محاربون من أكثر من جهة ومكان. فكل من عوّلنا عليهم في تحسين معيشتنا وتوفير خدماتنا، اتضح أنهم يعملون عكس هذا التعويل، بل يعملون لتراكم العذابات وزيادتها فوق ما هي موجودة من قبل.
قد نتخلى عن الكهرباء فهي أصبحت عندنا ليست بتلك الضرورة، أما أن نُجبر على التخلي عن مياه شربنا فهذا كبير، وليس لنا قدرة على التخلي عنها. وسنحارب من يريد محاربتنا في ما يبقينا أحياء.
