حين نعطي بصدق… نعيد بناء الثقة
ليست الثقة فكرة معلقة في الهواء، ولا شعارًا نردده حين نتعب من الخلافات. الثقة تُبنى حين يرى الإنسان من حوله أفعالًا صادقة، ويدًا تمتد للمساعدة، وكلمة ترفع المعنويات، ومبادرة صغيرة تخفف عن الناس بعض ثقل الحياة.
في واقعنا اليمني، كثر الحديث عن الخذلان، وعن المسافات التي اتسعت بين الناس، وعن الشك الذي صار يحكم كثيرًا من العلاقات. وهذا كله مفهوم بعد سنوات طويلة من التعب. لكن السؤال الأهم اليوم ليس فقط: لماذا ضعفت الثقة؟ بل: ماذا نستطيع أن نفعل كي تعود؟
ربما تبدأ الإجابة من معنى بسيط وعميق في الوقت نفسه: أن نعطي.
والعطاء هنا لا يعني المال وحده. قد يكون وقتًا نمنحه لمن يحتاج إلى من يسمعه، أو معرفة نشاركها مع شاب يبحث عن طريقه، أو كلمة طيبة نزرعها في قلب إنسان محبط، أو جهدًا نبذله في تنظيف شارع، أو إصلاح علاقة، أو تعليم طفل، أو مساندة أسرة، أو تهدئة خلاف قبل أن يكبر.
حين يعطي الإنسان بإيجابية، فهو لا يقدم شيئًا للآخرين فقط، بل يحرر نفسه من العجز. كثيرون يشعرون أن الواقع أكبر منهم، وأن الأزمات لا تترك لهم مجالًا للتأثير. لكن الحقيقة أن المجتمعات لا تتغير دفعة واحدة، بل تتغير حين يقرر أفراد عاديون أن يستخدموا طاقاتهم في الاتجاه الصحيح.
نحن نملك طاقات كثيرة، لكنها أحيانًا تُهدر في الغضب، والشكوى، والاتهام، وانتظار الأسوأ. ولو أن جزءًا من هذه الطاقة تحول إلى عمل نافع، لتغيرت أشياء كثيرة في بيوتنا وأحيائنا ومؤسساتنا. فالإنسان الذي ينشر الأمل بدل الإحباط يشارك في العطاء. والذي يصلح بدل أن يهدم يشارك في العطاء. والذي يجمع الناس بدل أن يفرقهم يعطي. والذي يعمل بإخلاص حتى في مهمة صغيرة يضيف إلى هذا الزخم الإيجابي من الخير.
العطاء الإيجابي ليس ضعفًا، وليس سذاجة، وليس تنازلًا عن الحقوق. بل هو وعي بأن الهدم سهل، أما البناء فيحتاج إلى نفوس أكثر اتساعًا. من السهل أن نزيد المسافة بيننا بكلمة جارحة أو موقف متعصب، لكن من الشجاعة أن نختار كلمة تصلح، وموقفًا يهدئ، وعملًا يخدم.
ولكي يكون العطاء حقيقيًا، لا بد أن يكون صادقًا. فالعطاء الذي يبحث عن المديح قد ينتهي حين لا يجد التصفيق. أما العطاء النابع من الإيمان بقيمة الإنسان، فإنه يستمر لأنه يرى في خدمة الآخرين خدمة للحياة نفسها. نحن لا نرتفع حين نتفوق على بعضنا، بل حين نرفع بعضنا بعضًا.
إن الثقة تعود حين يشعر الناس أن بينهم من يعمل لا من أجل نفسه فقط، بل من أجل خير أوسع وأعم. تعود حين يرى الجار جاره سندًا لا خصمًا، وحين يرى الشاب في مجتمعه فرصة لا جدارًا، وحين يشعر الضعيف أن هناك من يراه ويسمعه ولا يتركه وحيدًا.
نحتاج إلى ثقافة جديدة تقول إن لكل إنسان قدرة على الإسهام. لا أحد بلا قيمة. صاحب الخبرة يعطي من خبرته، وصاحب العلم يعطي من علمه، وصاحب الكلمة يعطي من كلمته، وصاحب الوقت يعطي من وقته، وحتى من لا يملك إلا ابتسامة صادقة يستطيع أن يخفف عن قلب متعب.
ليست البداية بحاجة إلى مشاريع ضخمة. قد تبدأ من مجموعة شباب يتفقون على مبادرة نظافة، أو نساء يساندن أسرة محتاجة، أو معلم يفتح بابًا لطفل متعثر، أو كاتب يزرع وعيًا بدل أن يغذي اليأس، أو موظف ينجز عمله بأمانة فيعيد للناس شيئًا من ثقتهم بالمؤسسات.
والأهم أن نعطي بكل طاقاتنا، لا بما تبقى منا فقط. أن نحضر في الحياة بحماس ومسؤولية، لا أن نعيش كمتفرجين. فالمجتمع الذي ينتظر من الآخرين أن يبدؤوا سيظل عالقًا، أما المجتمع الذي يسأل كل فرد فيه: ما الشيء الإيجابي الذي أستطيع أن أفعله اليوم؟ فهو مجتمع بدأ بالفعل طريق التعافي.
إن العطاء يصنع الثقة لأن الناس لا تثق بالكلام الطويل المنمق بقدر ما تثق بالفعل الصادق المتكرر. وحين تتكرر الأفعال الطيبة، تتحول إلى عادة. وحين تتحول إلى عادة، تصبح ثقافة. وحين تصبح ثقافة، يتغير وجه المجتمع تدريجيًا.
قد لا نستطيع أن نغيّر كل شيء مرة واحدة، لكننا نستطيع أن نمنع اليأس من أن يكون سيد الموقف. نستطيع أن نختار أن تكون طاقاتنا في البناء لا في الهدم، في الإصلاح لا في الخصومة، في خدمة الناس لا في الانكفاء على الذات.
الثقة التي نبحث عنها لن تأتي من فراغ. ستأتي من أيدٍ تعمل، وقلوب تؤمن، وكلمات تصدق، وطاقات تُوجَّه نحو الخير. وحين نعطي بإيجابية، نكتشف أن ما نقدمه للآخرين يعود إلينا بصورة أوسع: سلامًا داخليًا، وعلاقات أصدق، ومجتمعًا أقل قسوة وأكثر قدرة على الحياة.
فالعطاء ليس مجرد مساعدة نقدمها، بل طريقة في النظر إلى العالم. أن نرى الإنسان فرصة للمحبة لا سببًا للخوف، وأن نرى المجتمع مسؤولية مشتركة لا عبئًا على الآخرين، وأن نؤمن أن كل فعل طيب، مهما بدا صغيرًا، يضيف حجرًا في بناء الثقة التي نحتاجها جميعًا.
