اليمن أمام منعطف جديد… وحضرموت في قلب الحسابات
لم تعد التطورات الأخيرة مجرد جولة عسكرية عابرة بين الحوثيين والتحالف، بل تبدو مؤشراً على انتقال اليمن مجدداً من مرحلة التهدئة الهشة إلى مرحلة إعادة تشكيل موازين القوة تحت ضغط صراع إقليمي أوسع.
الهجمات الحوثية على السعودية، والتهديد باستهداف الملاحة وفرض حصار بحري، ثم عودة الضربات على مواقع الحوثيين، تعني أن قواعد الاشتباك التي سادت منذ هدنة 2022 تتآكل بسرعة. والأخطر أن اليمن لم يعد ساحة صراع داخلية فحسب، بل أصبح جزءاً مباشراً من المواجهة الممتدة بين إيران وخصومها، ومن الصراع على مضيقي هرمز وباب المندب وخطوط تصدير الطاقة.
وفي هذا السياق، فإن إعلان الحكومة الشرعية استئناف تصدير النفط ليس قراراً اقتصادياً فحسب، بل خطوة سياسية وسيادية لكسر حالة الشلل التي فُرضت منذ توقف الصادرات. نجاح هذه الخطوة قد يسهم في تحسين الإيرادات العامة واستقرار الاقتصاد، لكنه في الوقت نفسه يضع منشآت حضرموت النفطية وموانئها أمام تحديات أمنية وسياسية متزايدة، إذا ما أصبحت هدفاً ضمن حسابات التصعيد.
وحضرموت اليوم ليست مجرد محافظة منتجة للنفط، بل أصبحت محوراً استراتيجياً تتقاطع عنده مصالح محلية وإقليمية ودولية. ومن هنا يبرز القلق من أن تتحول ثرواتها وموقعها إلى محل تنافس بين الحوثي المتمرد، وحكومة شرعية ما تزال تعاني ضعف الحضور الفاعل على الأرض، وأطراف أخرى لكل منها أجنداته ومصالحه، فتغدو حضرموت ساحة لتصفية الحسابات أو كعكة يتنازعها الجميع، بينما يدفع أبناؤها الثمن.
وفي هذا الإطار، تأتي الأخبار المتداولة بشأن الشيخ عمرو بن حبريش - إن صحت - لتؤكد حجم الحساسية السياسية التي تعيشها المحافظة، وأن أي تحرك أو تطور لم يعد يُقرأ بمعزل عن المشهد الإقليمي وإعادة ترتيب الأوراق داخل اليمن.
لكن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على المتصارعين، بل على وعي الحضارم أنفسهم، وعلى استمرار دعم الأشقاء في المملكة العربية السعودية لاستقرار حضرموت وحماية خصوصيتها، بما يمنع انزلاقها إلى مربع الفوضى أو تحويلها إلى ورقة تفاوض بين القوى المختلفة.
ورغم أن القوى الحضرمية - في تقديري - لم تبلغ بعد مستوى النضج السياسي الذي تفرضه هذه المرحلة الدقيقة، إلا أن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الانقسامات أو استدعاء خلافات الماضي. فالتحديات القادمة أكبر من الجميع، وإذا لم يدرك الحضارم خطورة المرحلة، فقد يجدون أنفسهم أمام واقع يُرسم لهم دون أن يكون لهم دور في رسمه.
إن المرحلة تتطلب من جميع الحضارم أن يسموا فوق خلافاتهم القديمة والجديدة، وأن يلتفوا حول حضرموت وحدها، بعيداً عن الاصطفافات الضيقة والولاءات المتعددة. فحماية حضرموت، والحفاظ على أمنها واستقرارها وقرارها وثروتها، يجب أن تكون القاسم المشترك الذي يعلو على كل خلاف.
حضرموت ليست غنيمة للمتصارعين، ولا ساحة لتصفية الحسابات، بل وطن لأهله. وإذا لم يتوحد أبناؤها اليوم حول مصلحتها العليا، فقد يقرر الآخرون مستقبلها نيابةً عنهم.
