الإثنين 25 مايو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالباري طاهر… اصطفاف إنساني دفاعًا عن كرامة اليمنيين

عبدالباري طاهر… اصطفاف إنساني دفاعًا عن كرامة اليمنيين

لقد تابعنا في الائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير، بكثير من التقدير والامتنان، المقالة العميقة والمسؤولة التي كتبها الأستاذ الكبير عبدالباري طاهر على موقع صحيفة "النداء" تعقيبًا على بيان الائتلاف بشأن الذكرى التاسعة لاغتيال الشهيد أمجد عبدالرحمن، وما حملته تلك المقالة من موقف أخلاقي وإنساني يعكس المكانة الفكرية والوطنية الرفيعة التي يحتلها في الوجدان اليمني.

إن تلك الكلمات لم تكن مجرد تضامن عابر مع بيان حقوقي، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن ضمير حيٍّ يدرك خطورة ما يعيشه الإنسان اليمني من تآكل في منظومة القيم، واتساعٍ لمظاهر العنف، وإهدارٍ متكرر للكرامة الإنسانية. ولذلك فإننا نتوجه إليه بخالص الشكر والتقدير، ليس فقط لموقفه المساند للائتلاف، وإنما أيضًا لمسيرته الطويلة في الانتصار للإنسان، والدفاع عن الحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية.

إن هذا الائتلاف لم يولد من فراغ، ولم يكن مجرد استجابة ظرفية لحادثة اغتيال أو انتهاك عابر، بل هو محطة ضمن مسيرة وطنية وفكرية وروحية طويلة، تشكلت عبر سنوات من المعاناة والتأمل والعمل الحقوقي والإنساني دفاعًا عن الإنسان اليمني وحقه في الكرامة والحرية والأمان. ولعل من أبرز محطات هذه المسيرة تأسيس المجلس الوطني للأقليات في اليمن قبل خمس سنوات، بوصفه مشروعًا إنسانيًا وحقوقيًا انطلق من الإيمان العميق بأن الإنسان — أيًا كان دينه أو فكره أو انتماؤه — يستحق أن يُعامل بكرامة كاملة، وأن يتمتع بحقوقه الإنسانية بعيدًا عن الإقصاء والكراهية والتمييز.

واليوم يأتي الائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير امتدادًا طبيعيًا لذلك النضال الطويل، الذي ظل وما يزال تحكمه بوصلة أخلاقية وإنسانية واضحة، قوامها الإيمان بالمواطنة المتساوية وحرية الضمير، والانحياز للإنسان باعتباره القيمة العليا. فنحن نؤمن أن الإنسان يجب أن يأتي أولًا في منظومة القيم، لأن كرامته وحريته وسلامه الداخلي هي الأساس الذي تُبنى عليه سلامة المجتمع وتماسكه.

ومن هذا المنطلق، فإننا لا نسعى لأن نكون قوة ضغط بقدر ما نأمل أن نكون صوتًا للحق والضمير الإنساني، ومساحة أخلاقية وحقوقية تُسهم في التخفيف من حجم الألم والإهدار الذي يتعرض له الإنسان اليمني في حياته اليومية. فحين تُهان الكرامة الإنسانية، ويعتاد الناس على الخوف والقسوة والإقصاء، فإن الخسارة لا تطال الأفراد وحدهم، بل تمتد إلى روح المجتمع ذاتها، وإلى منظومته الأخلاقية والإنسانية.

إن ما يقلقنا ليس فقط اتساع مظاهر العنف والانتهاك، بل تحوّلها التدريجي إلى أمر مألوف يفقد معه الإنسان حساسيته تجاه الظلم ومعاناة الآخرين. ولهذا فإن دفاعنا عن حرية الضمير، وحق الإنسان في الكرامة والاختلاف والأمان، ليس موقفًا فكريًا مجردًا، بل التزام أخلاقي وإنساني نابع من الإيمان بأن حماية الإنسان هي الطريق الوحيد لحماية المجتمع من الانحدار نحو مزيد من القسوة والانفلات والعبث وفقدان المعنى الإنساني للحياة المشتركة.

إن اغتيال أمجد عبدالرحمن، وقبله وبعده كثير من الضحايا، لا يجب أن يُنظر إليه بوصفه حادثة معزولة، بل بوصفه جرس إنذار أخلاقي وإنساني يكشف حجم التدهور الذي أصاب قيمة الإنسان في واقعنا اليمني. فمن عمر باطويل، إلى أمجد عبدالرحمن، إلى عبدالصمد القاضي، إلى عبدالرحمن الشاعر ووسام قائد، ومن قبلهم نبيل القعيطي ورشا الحرازي وافتهان المشهري، وغيرهم كثير من الصحفيين، والدعاة، والمثقفين، والنشطاء، والوجاهات الاجتماعية، سقطوا خلال السنوات الأخيرة ضحايا للكراهية والتطرف والعنف الأيديولوجي أو لحالة الاستباحة التي باتت تُهدد حياة الإنسان وحقه في الاختلاف والتعبير والأمان.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تعدد الضحايا، بل في اعتياد المجتمع تدريجيًا على مشاهد القتل والإقصاء، وفقدانه حساسيته الأخلاقية تجاه الألم الإنساني. فالمجتمعات التي لا تحمي كرامة الإنسان، ولا تصون حقه في الحياة والاختلاف، تصبح أكثر عرضة لفقدان توازنها الأخلاقي والإنساني، والانحدار نحو مزيد من القسوة والخوف والانفلات. ولهذا فإن استعادة قيمة الإنسان، وتجريم الكراهية والعنف، والدفاع عن حرية الضمير وحق الناس في العيش بسلام واحترام متبادل، لم تعد مجرد مطالب حقوقية، بل ضرورة أخلاقية لحماية روح المجتمع نفسه.

ومن هنا فإننا نرى في هذا الموقف النبيل، وفي كل الأصوات الحرة المشابهة له، تعبيرًا عن الحاجة إلى اصطفاف إنساني وأخلاقي واسع، يجمع كل المؤمنين بكرامة الإنسان، وحرية الضمير، وحق الناس في العيش بسلام واحترام متبادل.

ولذلك فإننا نتوجه إلى كل الأحرار من المثقفين والحقوقيين والصحفيين والناشطين والشخصيات الاجتماعية، ممن يجمعنا معهم الإيمان العميق بأن الإنسان يستحق أن يُصان ويُحترم لكونه إنسانًا، بعيدًا عن كل أشكال الإقصاء أو الكراهية أو الاستباحة، وفي مقدمتهم الأستاذ عبدالباري طاهر، للمشاركة الفاعلة في الائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير، بوصفه مشروعًا إنسانيًا وحقوقيًا يأمل في الإسهام ببناء مساحة أكثر عدالة وحرية وكرامة لجميع اليمنيين.

إننا لا نسعى إلى إنشاء إطار حقوقي عابر، بل إلى ترسيخ وعي إنساني يقوم على المواطنة المتساوية، واحترام الكرامة الإنسانية، وحرية الضمير، بوصفها أساسًا لأي مجتمع عادل ومستقر. ومن هذا المنطلق، يطمح الائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير إلى أن يكون مساحة جامعة للحوار والتعايش، وصوتًا أخلاقيًا في مواجهة الكراهية والإقصاء والعنف، وإسهامًا في بناء مستقبل يمني أكثر سلامًا وعدالة، يُنظر فيه إلى الإنسان باعتباره القيمة العليا، وإلى التنوع بوصفه مصدر قوة وغنى لا سببًا للصراع.

* الأمين العام للائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير