من باب المندب إلى قناة السويس:
كيف تحول البحر الأحمر من بحيرة إقليمية إلى بحر يحكم ميزان القوة العالمي؟
تميز البحر الأحمر، مُنذ القدم، بأهمية استراتيجية، من خلال موقعه الجغرافي المفتوح والمرتبط بخليج عدن والبحر العربي، ثم المحيط الهندي، ذلك المسطح المائي الواسع المفتوح على العالم. وزادت تلك الأهمية بصورة كبيرة بعد افتتاح قناة السويس في مصر عام ١٨٦٩م، التي منحته بعداً حيوياً آخر، من الناحية الجيوبوليتيكية، وذلك محور قوته الذي جعله ساحة للتنافس والصراع الدولي طوال ٥٠٠ سنة، لم تهدأ حتى يومنا الحاضر، لما يمثله من حلقة وصل نشطة، أو بعبارة أخرى، شريان حيوي بين الشرق والغرب، والرابط الوحيد بين البحر المتوسط والمحيط الهندي بعد افتتاح برزخ السويس، كما أسلفنا، التي خففت العبء الكبير عن السفن التجارية التي كابدت عناء الدوران حول القارة الإفريقية وعبور رأس الرجاء الصالح من أجل بلوغ الشرق والعكس، فاختصر البحر الأحمر وقناة السويس رحلة السفر الطويلة تلك، ولم يكن الاختصار مقتصراً على الزمن، بل كان اختصاراً للوقت والكلفة والجهد معاً.
والسؤال الجوهري: من أين يأخذ البحر الأحمر أهميته ومكانته الدولية، على الرغم من كونه بحراً إقليمياً شبه داخلي للدول المشاطئة له، وهي: اليمن، والمملكة العربية السعودية، والأردن، وفلسطين، ومصر، والسودان، وإريتريا، وجيبوتي، وانتهاءً بالصومال؟
هناك مجموعة من العوامل التي ساهمت في مضاعفة مكانة البحر الأحمر الاستراتيجية، مرتبطة بمكانة المقدسات الإسلامية في الحجاز، وتلك المكانة جعلت الدولة العثمانية، منذ الوهلة الأولى لسيطرتها على الحجاز في القرن السادس عشر، تجعل من البحر الأحمر بحيرة إسلامية، منعت إبحار السفن الأوروبية فيه قرابة قرنين من الزمن، حتى ضعفت، ونجح المماليك في مصر بإلغاء تلك المكانة من خلال السماح للسفن الأوروبية بالإبحار في البحر الأحمر والوصول إلى مصر بهدف التجارة، لا سيما تجارة البن اليمني "بن موكا" عبر ميناء المخا، الذي أصبح ماركة عالمية، وحظي بشهرة طاغية خلال القرنين ١٧-١٨، وتلك التجارة الكبيرة منحت البحر الأحمر أهمية كبيرة، ثم تضاعفت بشكل مطرد بفضل اتصاله بالبحر المتوسط بعد شق قناة السويس، وأصبح بإمكان السفن في البحر المتوسط الانتقال بيسر وسهولة عبر القناة إلى البحر الأحمر، ومن مضيق باب المندب إلى المحيط الهندي، وهذا الخط الملاحي منح البحر الأحمر حيوية مضاعفة، وزاد من قيمة المضائق البحرية المشرفة عليه في الجنوب والشمال.
منح الموقع الجغرافي لليمن، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والمتحكم بمضيق باب المندب، والموقع الجغرافي لمصر، في الطرف الشمالي للبحر الأحمر والمتحكمة بقناة السويس، الشريان الحيوي الذي يربطه بالبحر المتوسط، قيمة كبيرة للدولتين للتحكم في حركة الملاحة في البحر الأحمر، الذي تمر به نحو ٣٠٪ من حجم التجارة العالمية بين الشرق والغرب، وتضاعفت مكانته كممر حيوي لمصادر الطاقة المختلفة، التي تمر به نحو ٧ ملايين برميل من النفط يومياً، إلى جانب أنه ممر نشط لحركة الملاحة للدول المشاطئة، ما جعله رهينة لأي صراع سياسي فيها، وذلك يؤثر بشكل مباشر على استقرار حركة الملاحة فيه، الذي يشكل أيضاً ممراً لنحو ١٧ كابلاً بحرياً لشبكة الإنترنت تستقر في قاعه، وتربط قارتي آسيا بأوروبا، وتغذي نحو نصف العالم بخدمة الإنترنت.
ونظراً لمكانة البحر الأحمر كنقطة اتصال بحرية تنبض بالحيوية بفعل انسيابية حركة التجارة العالمية المختلفة المنقولة بين الشرق والغرب، جعل ذلك البحر الأحمر محل اهتمام دول العالم التي تعبر تجارتها مياهه، وذلك زاد من أهمية حركة الملاحة المستمرة فيه، وجعل بعض الدول الكبرى تبحث عن إيجاد موطئ قدم لها في شواطئه المترامية، وهذا اللهث المستمر يهدد، بصورة أو بأخرى، بعسكرة البحر الأحمر بعيداً عن مصالح الدول المشاطئة التي ظلت لعقود تدير حركة الملاحة فيه بصورة مستقرة، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي ترغب بالقفز على مصالح الدول المشاطئة لحساب أجنداتها الخاصة، مما يهدد استقرار حركة الملاحة فيه، لا سيما بعد أن هرعت كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والصين، واليابان، بشكل محموم للحصول على قواعد عسكرية دائمة في جيبوتي، الدولة العربية الواقعة في الضفة المقابلة لمضيق باب المندب من ناحية أفريقيا، إلى جانب اهتمام إسرائيل الدائم لإيجاد قاعدة عسكرية دائمة لها في جنوب البحر الأحمر واستقرارها في موانئ وجزر إريتريا، ولم يكن ذلك حكراً على إسرائيل وغيرها، بل إن روسيا الاتحادية وتركيا بحثتا عن التواجد في جزيرة سواكن في السواحل السودانية، قبل أن تستقر الأخيرة بصورة دائمة في سواحل الصومال.
والخلاصة: أن البحر الأحمر ليس مجرد بحر إقليمي، بل بحر عالمي مفتوح يشكل حالة من التوازن العميق بين القوى الدولية التي تدرك أن الهيمنة على البحر الأحمر تقود للتأثير على حركة التجارة الدولية التي تمر به، لا سيما تجارة النفط والغذاء والإنترنت، ومن حق الدول المشاطئة والمشرفة عليه الاستفادة من حركة الملاحة البحرية فيه، بعيداً عن تدخل القوى الكبرى التي تحاول الهيمنة عليه لصالحها بعيداً عن مصالح الدول المشاطئة، وأي محاولة جادة من الدول المطلة على البحر الأحمر للخروج من التبعية والبحث عن مصالحها الوطنية يتم قمعها بحجة التأثير على حركة الملاحة الدولية فيه، لأن ذلك يشكل تهديداً مباشراً لمصالح القوى الدولية.
رئيس قسم الإعلام، جامعة ذمار.
