"قراءة اقتصادية"
ماذا يعني العودة إلى الحرب في اليمن؟

أدّت الحرب في اليمن، التي امتدت لأكثر من عقد من الزمن، إلى انهيار شبه تام للمقومات الاقتصادية للبلاد، وتحول الاقتصاد اليمني من اقتصاد يواجه تحديات تنموية هيكلية إلى اقتصاد أزمة وانقسام. وقبل الحديث عما ستفضي إليه الدعوات الجديدة للعودة إلى الحرب، لا بد من إبراز الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة وحجم الفرص الضائعة نتيجة الحرب في السنوات السابقة.
وفي لغة الاقتصاد، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليمن بنسبة تتجاوز 50% مقارنة بما كان عليه قبل عام 2015. وهذا معناه، فقدان الاقتصاد لأكثر من نصف قدرته الإنتاجية، كما هبط متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي بأكثر من 60%، مما أدّى إلى انهيار القدرة الشرائية للشريحة العظمى من المواطنين. وشهدت العملة الوطنية تدهوراً حاداً، حيث ارتفع سعر صرف الدولار من ~215 ريال يمني (قبل الحرب) إلى مستويات قياسية، وصلت إلى قرابة 3000 ريال في المناطق الخاضعة لسلطة عدن، مع انقسام نقدي وسعري حاد بين المحافظات. وانعكس انهيار العملة مباشرة على أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والمشتقات النفطية، التي ارتفعت بنسب تجاوزت 300% إلى 500%، ما أرهق كاهل المستهلك المسكين.

ومن جانب آخر، أدت الحرب إلى تفاقم البطالة وانتشار الفقر، حيث وصلت معدلات البطالة العامة إلى مستويات غير مسبوقة (تُقدّر بأكثر من 35-40%)، بينما تجاوزت بين أوساط الشباب 60%، حسب تقارير الأمم المتحدة، نتيجة توقف الشركات، وتراجع الاستثمار، وتضرر القطاع الخاص. وارتفعت نسبة الفقر في اليمن لتصل إلى نحو 80% من السكان، وأصبح أكثر من نصف السكان يعتمدون بشكل مباشر على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
وفي مجال القطاع الخارجي، توقفت الصادرات النفطية وتجمدت التمويلات الخارجية، فقد تسببت الحرب والاستهدافات المتكررة للمنشآت والموانئ النفطية في شلل تام تقريباً لصادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، والتي كانت تمثل أكثر من 70-80% من إيرادات الموازنة العامة للدولة وحوالي 90% من الصادرات إلى الخارج. كما توقفت أغلب القروض والمساعدات التنموية طويلة الأمد الموجهة للبنية التحتية ولقطاعات التنمية البشرية، وتحول الدعم الدولي بالكامل تقريباً نحو "الإغاثة الإنسانية الطارئة" بدلاً من التنمية المستدامة. ويمكن الإشارة هنا إلى أن الدعم الإنساني الدولي تراجع في السنوات الأخيرة إلى أدنى مستوياته وأغلقت العديد من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية مقراتها وخاصة في مناطق سلطة صنعاء.
حجم الفرص الضائعة
لا تقتصر الخسائر على ما تم تدميره بالفعل، بل تتسع لتشمل الفرص التنموية التي كان يمكن تحقيقها لو استمر السلام، فالتكلفة الاقتصادية التراكمية المباشرة وغير المباشرة للحرب تُقدّر بنحو 100 إلى 200 مليار دولار أمريكي (وفق تقارير البنك الدولي والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة)، وهي مبالغ تمثل ناتجاً محلياً استثمارياً كان مأمولاً تحقيقُه. كما حدث تراجع هائل في رأس المال البشري، حيث تسرب ملايين الأطفال والشباب من التعليم وتوقفت برامج التأهيل والتدريب المهني، مما يعني فقدان اليمن لجيل كامل كان يمكنه قيادة النهضة الاقتصادية للبلاد. إضافة إلى تدمير وتراجع البنية التحتية، فقد تضررت شبكات الكهرباء، الطرق، الموانئ، والمطارات، وهذا أدى إلى رفع تكلفة الإنتاج والنقل والشحن واستيراد السلع، نتج عنه تراجع كبيرا في تنافسية الاقتصاد اليمني.

خسائر القطاع الخاص
يُعدّ القطاع الخاص في اليمن من أكثر القطاعات تضرراً جراء الحرب والصراع، حيث تحول من محرك رئيسي للتنمية والتوظيف إلى قطاع يحاول البقاء والصمود وسط بيئة تشغيلية عالية المخاطر. فالتقديرات تشير إلى أن أكثر من 25% إلى 35% من الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة أغلقت أبوابها بشكل نهائي أو أعلنت إفلاسها منذ بداية الحرب، بينما قلصت المنشآت المتبقية ساعات عملها ونشاطها بنسبة كبيرة. كما ارتفعت تكاليف التشغيل ورسوم الشحن، فقد تسببت الأضرار التي لحقت بالموانئ والطرق ومرافق الطاقة في صعوبة سلاسل التوريد. ومع انقطاع الكهرباء الحكومية، اضطرت الشركات للاعتماد على مولدات خاصة ذات تكلفة عالية، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين البحري ورسوم الشحن والعبور، مما قلل من تنافسية السلع المحلية.

بالإضافة إلى أن الحرب أدت إلى الانقسام المالي والنقدي والمؤسسي بين صنعاء وعدن وإلى فرض جباية وازدواج ضريبي وجمركي على حركة البضائع بين المحافظات، مما أثقل كاهل التجار وضاعف التكاليف التي جرى تحميلها للمستهلك النهائي. كما يعاني القطاع الخاص من أزمة سيولة حادة وانعدام القدرة على الحصول على خطوط ائتمانية وتسهيلات تمويلية من البنوك الوطنية التي شُلّ أداؤها بسبب قانون منع التعاملات الربوية في مناطق صنعاء، فضلاً عن قيود التحويلات المالية الدولية وارتفاع تكلفة فتح المستندات الاعتمادية لاستيراد السلع. وكل هذا أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من رؤوس الأموال اليمنية والبيوت التجارية نحو دول الجوار والدول الإقليمية للاستثمار هناك، وهو ما حرم السوق المحلي من قدرات استثمارية وابتكارية واعدة، وصاحب ذلك توقف تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر تماماً،
عودة الحرب والانهيار التام
إذا عادت الحرب للانفجار بوتيرة عالية، فلن يستجيب الاقتصاد بنفس الآلية التي تمت بها في المواجهات السابقة، نظراً للنفاد الكلي لمنظومات الصمود المالية والمؤسسية، فسيكون هناك انهيار وشيك للسياسة النقدية وسعر الصرف، فالانقسام النقدي الراهن بين منطقتي عدن وصنعاء سيتفاقم؛ مما سيؤدي إلى موجة انخفاض جديدة وحادة في سعر صرف الريال اليمني، قد تدفعه نحو مستويات غير مسبوقة، مع انعدام شبه تام للغطاء النقدي واحتياطيات النقد الأجنبي. وستقضي العودة للمواجهات العسكرية على أي مساعٍ لإعادة تصدير النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، وهو ما يُجهِز على المصدر الأساسي الوحيد لتغذية الموازنة العامة بالعملة الصعبة. وعادة في أوقات التصعيد العسكري تلجأ أطراف الصراع إلى فرض رسوم وإتاوات وجبايات مضاعفة على حركة البضائع وعلى القطاع الخاص المتبقي لتمويل المجهود الحربي، ما يرفع كلفة السلع التموينية على المستهلك. كما أن القطاع الخاص الذي أظهر مرونة نسبية وصموداً عبر الأعوام الماضية سيعاني من موجات إفلاس جديدة وتوقف تام لأعمال المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الهروب النهائي لرؤوس الأموال الوطنية المتبقية إلى الخارج.
تعميق الكارثة الإنسانية
ولسوء الطالع، فإن خيارات التصعيد العسكري تأتي في وقت تشهد فيه التمويلات الدولية لليمن تراجعاً حاداً للدعم الإغاثي والإنساني، حيث أصبحت المنظمات الأممية تعاني من عجز تمويلي إجمالي. والعودة إلى الحرب ستضاعف الاحتياجات الإنسانية لمستويات قياسية بالتزامن مع عجز المنظمات عن التغطية. وهذا سيقود إلى ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي والفقر، فإعاقة سلاسل التوريد المباشرة واستهداف الموانئ والمنافذ سيزيد من أعداد السكان الواقعين تحت خط الفقر الحاد (أكثر من 80% حالياً) لينزلق ملايين إضافية نحو دائرة المجاعة. وسيؤدي إلى نزوح داخلي جديد وتأكل الخدمات العامة، حيث سيعود مسلسل النزوح الداخلي للسكان من مناطق الاحتكاك نحو المدن الكبرى والمخيمات المكتظة، مع الضغط الفائق على خدمات الصحة والتعليم الصامدة بالحد الأدنى، وتفشي الأوبئة والأمراض.

وخلاصة الأمر، فإن أي جولة حرب جديدة ستجعل مستقبل التعافي في اليمن مرتهناً كلياً لتجاذبات الإقليم وأجندات الممولين الخارجيين، مما يجرّد السلطات المحلية من قدرتها على وضع سياسات اقتصادية واستثمارية سيادية مستقلة. كما أن العودة للقتال لا يعني تعطيل التنمية فقط، بل يعني العودة باليمن سنين إلى الوراء؛ حيث ستتجه كل الجهود المتاحة نحو التشغيل الإغاثي الطارئ بدلاً من مشاريع التنمية المستدامة وتحديث البنية التحتية، مما يزيد الفجوة التنموية بين اليمن وبقية دول المنطقة. بمعنى آخر، فإن عودة الحرب بين أطراف الصراع لن تكون مجرد استكمال للجولات السابقة، بل ستكون بمثابة "الضربة القاضية" لما تبقى من هيكل الدولة واقتصادها؛ إذ سينتقل الوضع من "الاستنزاف البطيء" إلى "الانهيار الهيكلي الشامل"، حيث تتضاعف كلفة إعادة الإعمار لتتجاوز التقديرات الحالية البالغة عشرات المليارات، وتصبح الاستجابة لكوارث الفقر والبطالة أكثر تعقيداً على المدى المتوسط والبعيد.
وهنا يتضح جليا، أن توجه أطراف الصراع نحو الحوار والسلام سيجنب اليمن ويلات الدمار والإنهيار، وسيتطلب فقط أن يتحلى الطرفان بالشجاعة الكافية للقبول بالتنازلات الهادفة إلى رأب الصدع وإعلاء المصالح العليا للوطن والمواطنين، حتى يكون العقد القادم متسما بالاستقرار والأمان والسلام. فتقارير الأمم المتحدة تؤكد أن اليمن يحتاج إلى عقود من التنمية المتواصلة والتمويل التنموي للعودة إلى مستويات التنمية التي كان عليها قبل عام 2015.
