"صُنع في اليمن".. أمُّ العباس وأخوها الأمين
في الذكرى الثامنة والأربعين لاستشهاد كبير بكيل النقيب أمين بن حسن أبوراس، لا نستحضر الرجل بوصفه فردًا صنعته الصدفة، بل بوصفه ثمرةَ بيتٍ من البيوت اليمنية المناضلة، ومدرسةٍ تربوية ووطنية تخرّج منها الرجال في زمنٍ كانت الحرية فيه تُنتزع انتزاعًا، وتُدفع لأجلها الأعمار والدماء والتضحيات.

فوراء كل عظيم وهب حياته من أجل كرامة أمته وحريتها وخيرها امرأةٌ عظيمة، وكانت أمُّ العباس -زهراء اليمن- هي المدرسة الأولى التي نهل منها الأمين، وتشكلت في رحابها شخصيته، حتى غدا قادرًا، مع رفاقه من الأحرار والثوار، على صنع ما يشبه المعجزات. إذ لا يمكن لشعبٍ أُذل طويلًا، واستُعبد، وأُفقر، وجُوِّع، وأُغرق في الجهل والخوف، أن يتحرر إلا بتضحياتٍ كبرى، وبطولاتٍ نادرة، وإيمانٍ لا يتزعزع بعدالة القضية.
لقد عاشت أمُّ العباس فصول المأساة بكل قسوتها. علمت أن سياف الإمام قد قطع رقبة زوجها ورقاب إخوتها في سوق حُوَرة، وعُلِّقت الرؤوس على أسطح المباني لترهيب الناس وكسر إرادتهم. كما اقتيد أطفالها الخمسة وعدد من أفراد أسرتها إلى غياهب السجون، حتى لُقِّبت بـ«خنساء اليمن». ومع ذلك لم تنكسر، ولم تستسلم، بل تحولت المحنة في نفسها إلى قوةٍ وإصرار.
لقد واجهت أمُّ العباس الحصار الذي فرضه جيش الإمام على مقر إقامة زوجها أمير لواء المحويت، بثباتٍ نادر، مستعدةً أن تدفع حياتها ثمنًا لحماية أخيها، الذي وصل إليها هاربًا من ملاحقة عيون الإمام، رافضةً أن تسلمه مهما كان الثمن.
ولأن النقيب بن حبيش، المكلّف بمحاصرة الدار، كان يدرك الأعراف والأصول، فقد انتهى الأمر برفع الحصار، بعد أن طلب فقط ألّا يتجه أخوها إلى برط حيث قبائله. وهكذا انتصرت حكمة النقيب وشجاعة المرأة معًا، وبقيت تلك الحادثة شاهدًا على صلابة امرأةٍ كانت بحجم التحدي.
إنها المرأة التي استحقت لقب "زهراء اليمن"، والتي كتب عنها المفكر مالك بن نبي بإعجاب، وأشاد بها الشاعر الكبير عبدالله البردوني، واصفًا إياها بـ«أم المساكين». فقد كانت دارها مأوى للفقراء والأيتام والمحرومين، تحتضنهم كما تحتضن أبناءها، حتى غدت دار بنت أبوراس ملاذًا للضعفاء وملجأً للمحتاجين.
كما تحدثت عنها تقية بنت الإمام يحيى في مذكراتها، مشيرةً إلى أنها لم تدرك سرَّ ذيوع صيتها بين الناس إلا بعدما عرفتها عن قرب، فرأت تواضعها، وكرمها، ونبل أخلاقها، وقربها من الفقراء والنساء والأطفال والمحتاجين. ولم يكن ذلك غريبًا عليها، فهي -كما أشارت- ابنة كبير بكيل النقيب حسن بن قاسم أبوراس.
لقد كانت أمُّ العباس، فاطمة بنت عبده أبوراس، رحمها الله، لأمين أختًا من أمّه، وابنةَ عمّه، لكنها بعد اليُتم أصبحت له أمًّا ثانية، ووطنًا صغيرًا يحتضنه. فبعد استشهاد والده ووفاة والدتيهما، تولّت رعايته، وغرست فيه القيم والمبادئ، وسقته حبَّ الوطن والإيمان بحرية الإنسان وكرامته، وربّته على رفض الظلم والاستبداد.
لقد أعدّت أمُّ العباس أخاها الأمين ليكون مناضلًا يحمل همَّ شعبه، ويؤمن أن الحياة بلا حرية لا معنى لها، وأن التضحية من أجل الوطن شرفٌ لا يعلوه شرف. ولذلك لم يكن مستغربًا أن يصبح أمين بن حسن أبوراس واحدًا من أولئك الرجال الذين آمنوا بأن تحرير اليمن يستحق أن تُبذل لأجله الأرواح.
وهنا يكمن الدرس العظيم للأجيال: فالعظماء لا تصنعهم الصدف، وإنما تصنعهم التربية الصالحة، والقيم الراسخة، والنساء العظيمات اللواتي يُحسنَّ صناعة الرجال كما يُحسنَّ صناعة الأمل. وحين نقرأ سيرة أمين وأخته زهراء اليمن، فإننا لا نستحضر الماضي للبكاء عليه، بل لنفهم كيف تُبنى الأوطان، وكيف تنهض الشعوب، وكيف يستطيع الإيمان بالحرية والكرامة أن يصنع من الألم قوة، ومن اليُتم بطولة، ومن المعاناة تاريخًا يخلده الناس جيلًا بعد جيل.
