السبت 20 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • تصفية الحسابات داخل مؤسسات الدولة: تحدي صامت أمام مسار العدالة الانتقالية في اليمن

تصفية الحسابات داخل مؤسسات الدولة: تحدي صامت أمام مسار العدالة الانتقالية في اليمن

في ظل السياق اليمني المعقّد، لا تبدو تحديات العدالة الانتقالية مرتبطة فقط بإرث الحرب والانتهاكات الجسيمة، بل أيضاً باستمرار أنماط إدارة السلطة التي أسهمت تاريخياً في إضعاف مؤسسات الدولة وتقويض الثقة العامة. ومن بين هذه الأنماط، يبرز توظيف بعض المسؤولين لمواقعهم العامة في تصفية الحسابات السياسية أو المجتمعية، باعتباره أحد المؤشرات العميقة على هشاشة الحوكمة واستمرار الثقافة الإقصائية داخل مؤسسات الدولة.

خلال سنوات الصراع، أُعيد تشكيل النفوذ في اليمن على أسس متعددة، تجاوزت مفهوم الدولة المؤسسية لصالح شبكات الولاء والمصالح الضيقة. وفي هذا السياق، أصبحت بعض المواقع الإدارية والخدمية تُدار بمنطق النفوذ الشخصي، لا وفق معايير الخدمة العامة أو المصلحة المجتمعية. ويتجلى ذلك في ممارسات تشمل إقصاء الأصوات الناقدة، تعطيل المبادرات المجتمعية المستقلة، إعادة توزيع الفرص والخدمات بصورة انتقائية، وربط الوصول إلى الحقوق بدرجة القرب من دوائر السلطة المحلية أو السياسية.

لا يمكن النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها سلوكيات فردية معزولة، بل بوصفها امتداداً لبنية سياسية وإدارية تراكمت عبر عقود، قامت على تسييس المؤسسات العامة، وإضعاف مبدأ المواطنة المتساوية، وتحويل الوظيفة العامة إلى أداة لإدارة النفوذ وإعادة إنتاجه. وهو ما ساهم، بصورة مباشرة وغير مباشرة، في تعميق فجوة الثقة بين المجتمع والدولة.

في هذا الإطار، تواجه العدالة الانتقالية في اليمن تحدياً يتجاوز ملفات الانتهاكات المباشرة، ليشمل ضرورة معالجة البُنى المنتجة للإقصاء وإساءة استخدام السلطة. فغياب المساءلة واستمرار توظيف المؤسسات العامة لخدمة الحسابات الضيقة، يحدّ من فرص بناء بيئة سياسية قائمة على الإنصاف وسيادة القانون. كما أن استمرار هذه الأنماط يُضعف أي جهود محتملة لإعادة بناء العقد الاجتماعي، خصوصاً في ظل تآكل ثقة المواطنين بمؤسسات يفترض أن تكون محايدة وشاملة.

علاوة على ذلك، فإن استخدام السلطة لمعاقبة المخالفين أو تهميش الفاعلين المستقلين يخلق بيئة طاردة للمشاركة المجتمعية، ويعزز منطق الاستقطاب بدلاً من بناء التوافقات الضرورية لمرحلة ما بعد النزاع. ومع اتساع الأزمات الاقتصادية والخدمية، تصبح هذه الممارسات أكثر تأثيراً على الاستقرار المحلي، لأنها تربط الحقوق الأساسية بمعادلات الولاء، لا بمبادئ المواطنة.

إن أي مقاربة جادة للعدالة الانتقالية في اليمن تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، من خلال تعزيز استقلال المؤسسات، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة، وضمان الفصل بين الوظيفة العامة والمصالح الشخصية أو السياسية. كما تقتضي خلق مساحات آمنة للنقد والمشاركة، بوصفها جزءاً من عملية بناء السلام، لا تهديداً لها.

وفي ظل استمرار الانقسامات السياسية وضعف مؤسسات الدولة، يبقى خطر إعادة إنتاج الممارسات الإقصائية قائماً، ما لم تُربط جهود السلام والإصلاح المؤسسي بمسار حقيقي يعالج جذور الخلل في بنية الحكم المحلي والمركزي. لأن بناء دولة قادرة على الاستقرار لا يرتبط فقط بوقف النزاع، بل أيضاً بقدرتها على التحول من إدارة النفوذ إلى إدارة الحقوق.