الجمعة 19 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • الصحافة اليمنية بين الولادة والحصار (2)

الصحافة اليمنية بين الولادة والحصار (2)

في الحلقة السابقة كنا تطرقنا لما تعرضت له الصحافة والصحفيون في اليمن بعد قيام الوحدة اليمنية عام ١٩٩٠م حتى حرب صيف عام ١٩٩٤م، وقد أشرنا إلى ذلك، وإلى الآثار التي تعرضت لها الصحافة والمشتغلون فيها من قمع وملاحقات ونهب وغيرها من أساليب القمع، بعد غياب الحزب الاشتراكي اليمني عن الساحة، وغياب دوره كحزب شريك في الوحدة، مما أدى إلى ظهور شعور لدى المدافعين عن حقوق الإنسان والحريات، بما فيها الحريات الصحفية، يتمثل بتغييب الصوت الحر، وبدأ دور الصحافة الحرة يتلاشى،

الأمر الذي جعل الدور القادم على الأحزاب السياسية الباقية في الهامش تؤدي دورها، وظهرت صحف جديدة تحملت المسؤولية على عاتقها، وقامت بالنشر لكل الأخبار والتحليلات المتعلقة بقمع الحريات، الأمر الذي جعل الحزب الحاكم في اليمن عقب حرب ١٩٩٤م، يتعرض لمساءلات خارجية عن ممارسات خاطئة تتعرض لها الصحافة والأقلام المدافعة عن حقوق الإنسان في اليمن، وكانت هناك ضغوط خارجية تتبناها الاشتراكية الدولية، ويتبناها الاتحاد الأوروبي، تخيف الحزب الحاكم في اليمن خلال تلك الفترة، وخصوصًا بعد خروج التجمع اليمني للإصلاح من تحالف الحرب المكون من "المؤتمر الشعبي العام" و"التجمع اليمني للإصلاح"، خلال حرب ١٩٩٤م، شركاء اقتحام الجنوب، الذين وصلوا إلى مفترق طرق حين شعر الإصلاح بإقصاء وزرائه في التحالف قبل انتخابات ١٩٩٧م، وأثناء إقدام "المؤتمر الشعبي العام" على انفراده بتشكيل حكومة جديدة، وإقدامه على إلغاء المعاهد الدينية التابعة لحزب الإصلاح، وهو ما جعل الأمور السياسية تتسارع نحو الافتراق، وكان على "التجمع اليمني للإصلاح" أن يستشعر الخطر، فاتجه هذا الحزب إلى التنسيق مع الأحزاب السياسية التي تعرضت للإقصاء السياسي سابقًا، ومن تلك الأحزاب "الاشتراكي اليمني" و"التنظيم الناصري"، وتطورت العلاقات بين الأحزاب وصولًا إلى إنشاء "اللقاء المشترك".

وخلال هذه الفترة كان للصحافة ظهور بارز، إذ ظهرت صحف جديدة أهمها "الأسبوع" و"الوسط" و"الشارع" و"أخبار اليوم"، وصحيفة "المصدر" لصاحبها الصحفي اليمني الأمريكي منير الماوري، وصحيفة "إيلاف" لصاحبها محمد الخامري و"المستقلة" لصاحبها البرلماني أحمد سيف حاشد. وفي تلك المرحلة عادت إلى الساحة صحف ولدت في خمسينيات القرن الماضي، وأبرزها صحيفة "الأيام"، إذ واجهت هذه الصحيفة المضايقات وملاحقات استهدفت محرريها والعاملين فيها وإغلاق مقراتها في عدن، وصدرت بحقها عدد من الأحكام، وفي صنعاء كانت صحيفة "الوسط" هي الصحيفة التي كانت أكثر حضورًا بين الصحف المستقلة، وفاقت في حضورها صحف الأحزاب في تلك الفترة، وأدت أدوارًا بارزة، وغطت فترات الحروب الست في صعدة بين "الحركة الحوثية" و"القوات النظامية"، ونشر في أعداد هذه الصحيفة ما لم تقم بنشره بقية الصحف، ووصل الأمر بها وبمحرريها أن نشروا مقالات لصحفيين أمريكيين تناولوا أحداث صعدة حينها، وأبرزهم الصحفية الأمريكية جين باك التي نشرت تحليلاتها القوية دون تردد، وتطرقت هذه الصحيفة إلى نشر تقارير ووثائق "ويكيليكس"، وترجمتها للقارئ اليمني، الأمر الذي أدى إلى حدوث حراك واسع في الأوساط السياسية والثقافية اليمنية، وتعرض الأستاذ جمال عامر إلى اعتقالات عدة، واختطف في مرة من المرات، وتعرض للضرب من قبل معتقليه، ووصل بهم الأمر إلى إلقائه في قارعة طريق خارج العاصمة، يومها وبفعل مواقفه الصلبة حاز على أكبر الجوائز الدولية في مجال الصحافة والحريات حينها.

ومن الصحف الحزبية التي سلكت مسلكًا مدافعًا عن الحقوق والحريات، صحيفة "الثوري" في فترة رئاسة الأستاذ خالد سلمان تحريرها، والذي جعل من "الثوري" مدرسة تخرج منها عدد من الصحفيين الجدد الحزبيين وغير الحزبيين، وممن كان لهم شأن كبير في فترة تأسيس "اللقاء المشترك" وما بعد "اللقاء المشترك"، فقد ظهر إلى الوجود عدد من الصحفيين المبدعين الذين تبناهم خالد سلمان في صحيفة "الثوري"، وممن أتاح لهم فرص النشر في صفحات هذه الصحيفة، ومنهم: نبيل سبيع ونائف حسان وفكري قاسم وحميد شحرة وفتحي أبو النصر ووليد البكس، وكثير من الصحفيين ممن لا أتذكرهم، ومن مختلف المشارب.

وفي تلك الفترة تأسست إلى جانب الصحف المذكورة صحف جديدة مثل صحيفة "حديث المدينة" التي أسسها في مدينة تعز الكاتب والمسرحي الشاب فكري قاسم، كما ظهرت في صنعاء صحف "الناس" ورئيس تحريرها الصحفي حميد شحرة، و"الشارع" وصاحباها نائف حسان ونبيل سبيع، و"النداء" ورئيس تحريرها الصحفي الأستاذ سامي غالب، و"المصدر" ورئيس تحريرها الصحفي منير الماوري.

وخلال تلك الفترة تعرضت تلك الصحف وصحف أخرى صدرت قبل الوحدة إلى مضايقات، وتعرض محرروها للملاحقات والاعتقالات، وأبرز الصحف التي تعرضت للقمع واعتقل وحوكم محرروها صحف "الوحدوي" و"الثوري" و"التجمع" و"النداء" و"الحرية" و"الرأي العام"، واستدعت نيابة الصحافة خلال تلك الفترة عددًا من رؤساء تحرير تلك الصحف ومحرريها، وأبرزهم خالد سلمان وعبدالكريم الخيواني وفكري قاسم وعلي محمد العلفي وعبدالكريم صبرة وجمال عامر ويحيى العابد وأكرم صبرة وعلي السقاف ومحمود شرف الدين والأخوان تمام وهشام باشراحيل. ووصل الأمر أن قامت السلطات باعتقال الصحفي سمير اليوسفي، رئيس تحرير صحيفة "الثقافية" الصادرة في مدينة تعز. وفي زحمة المشهد لا أتذكر بقية من قامت باعتقالهم سلطات الأمر الواقع في العاصمة ومدن يمنية أخرى، وهم كثر.

وكان أشجع صحفي تناول موضوع توريث السلطة في اليمن الصحفي عبدالكريم الخيواني وسار على نهجه صحفيون آخرون، وكانت فترة ما قبل "الثورة الشبابية الشعبية السلمية" في اليمن هي مرحلة إرهاصات ومؤشرات لقيام ثورة شعبية عارمة. وخلال تلك الفترة غادر خالد سلمان اليمن برفقة وفد إعلامي كبير ضم عددًا كبيرًا من رؤساء تحرير الصحف الحزبية، في زيارة رسمية إلى العاصمة البريطانية لندن، ومن فندق أقام به الرئيس علي عبدالله صالح، ومن معه، قرر خالد سلمان أن يكون لاجئًا في إحدى الدول الأوروبية، وأحدث هذا الخبر ضجة إعلامية كبيرة.

وفي فترة "الثورة الشبابية الشعبية السلمية" في اليمن وما بعدها، اغتيل الصحفي الخيواني، وفي حادث مروري غامض مات الصحفي حميد شحرة.

وفي العدد القادم سنتطرق إلى ما تعرضت له الصحافة من إرهاصات في فترة ما بعد "الثورة الشبابية الشعبية السلمية" في اليمن، وما هي المحن التي واجهتها الصحافة خلال هذه المرحلة.

وللحديث بقية...