السبت 20 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • الزعيم الصهـ ـ ـ يوني حاييم وايزمان وحزنه (العظيم!!)

الزعيم الصهـ ـ ـ يوني حاييم وايزمان وحزنه (العظيم!!)

بدأ الشعب العربي الفلسطيني يدرك ما تدبره الحركة الصهيونية لوطنه، ويرى على الأرض خطوات تجري بصورة حثيثة لتنفيذ مشروعها الاستيطاني، مترافقة بأشكال من التضييق على الفلسطينيين في حياتهم اليومية، من قبل السلطة البريطانية الراعية لهذا المشروع. فانتفض في عام 1920م بمدينة القدس، انتفاضته الأولى ، التي فتح بها باب نضال وطني طويل، لم يُغلق حتى الآن، ولن يُغلق قبل أن تُستعاد فلسطين ويستقر شعبها على أرضه.

ويقول الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان في مذكراته عن تلك الانتفاضة، التي سماها آنا (حوادث)، وآناً آخر (اضطرابات): "أما حوادث عام 1920م التي حُكم فيها على الحاج أمين الحسيني وعارف العارف بالإعدام، ثم عفا عنهما السير هربت صموئيل . وهي الحوادث الأولى من نوعها في فلسطين، والتي شغلنا العالم بها، وأقمنا الحكومة البريطانية وأقعدناها بسببها، فقد كان مجموع من قتل من اليهود فيها ستة أشخاص فقط" ص 224.

هكذا عمد الصهاينة إلى افتعال ضجة عالمية، بسبب سقوط بضعة أفراد منهم، سقطوا وهم يعتدون على المواطنين الفلسطينيين. وكان هدف تلك الضجة المفتعلة إثارة تعاطف العالم معهم، ومع مشروعهم الاستيطاني. وهذا هو نهجهم الذي انتهجوه، وينتهجونه حتى اليوم، ليصرفوا الأنظار عن مأساة الشعب العربي الفلسطيني وشهدائه وجرحاه ومعتقليه ومشرديه.

وقد تنبه ساسة إنجليز لهذا النهج، كما يؤكد وايزمان نفسه، بقوله، وهو يشير إلى انتفاضة أخرى قام بها الشعب الفلسطيني في عام 1929م: "وقد وُجد من الإنجليز، في ذلك الوقت، من اتهمنا بأننا نجعل من الحبة قبة. فاضطرابات عام 1929 التي جعلنا العالم المتحضر كله يهتز لها ويبدي أعظم مظاهر العطف علينا بسببها، لم يفقد فيها اليهود سوى عدد من القتلى، يسقط مثلهم كل يوم بحوادث السيارات في لندن وحدها، كما قالت الليدي استور " ص 224.

وللتأمل والمقارنة، نقتبس هنا فقرات قليلة مما أورده وايزمان في مذكراته، في سياق حديثه عن انتفاضة عام 1920م:

"وكنت أرى في اضطرابات عام 1920م مغزى خطيراً، فلقد كان من المخجل حقاً أن تقع مثل تلك الاضطرابات في عهد الحكم البريطاني ، وهو المكلَّف بتنفيذ سياسة الوطن القومي، كما أني خشيت أن تؤثر تلك الاضطرابات على أذهان وفود بعض الدول في مؤتمر سان ريمو فتتحقق بذلك فكرة زعماء فلسطين، وغايتهم من الاضطرابات التي أشعلوها.

ولهذا فقد رأيت أنه من الواجب عليَّ أن أغادر فلسطين وأعود إلى أوروبا، وأن أحضر بنفسي مؤتمر سان ريمو.

ولما وصلنا إلى مصر نزلت في فندق الكونتيننتال، ومن هناك كلمت اللنبي فدعاني إلى تناول الغداء معه في اليوم التالي لوصولي.

وفي الكونتيننتال شاهدت حفلة رقص كبرى أقيمت في الليلة التي وصلت فيها، وكم كان حزني عظيماً حين شاهدت يهوداً ويهوديات يشتركون في تلك الحفلة، ويراقصون العرب كأنما كان يهود مصر لا علاقة لهم بيهود فلسطين. ولا سمعوا بقتل إخوانهم في القدس" ص 225. انتهى الاقتباس.

ويواصل وايزمان رحلته إلى مدينة سان ريمو، ليستبق الأمور، ويعمل مع رفاقه وداعميهم على التأثير على قرارات المؤتمر وتوجيهها الوجهة التي تخدم المشروع الصهيوني في فلسطين. وقد أسفر المؤتمر، بفعل جهودهم وجهود أصدقائهم، عن اتخاذ قرار وُضعت فلسطين بموجبه تحت الانتداب البريطاني، وتمت المصادقة على وعد بلفور، الذي كان قد صدر في الثاني من شهر نوفمبر، عام 1917م عن وزير الخارجية البريطاني، آرثر جيمس بلفور ، بإنشاء وطن قومي لليهود فيها. ويقول وايزمان، في سياق حديثه عن هذه النتيجة: "وكان كل من في المؤتمر في ذلك الوقت كريماً، عطوفاً حتى اللورد كرزون وحتى الوفود العربية كانت مسرورة، بادية مظاهر الغبطة " ص 232 _ 233.

ورغم أن الوفود العربية الرسمية بقيت خارج قاعة المؤتمر، ولم يُسمح لها بالمشاركة فيه، أو حضور المداولات التي كان الحلفاء، ومعهم وفد من الحركة الصهيونية، يقررون فيها مصير البلاد العربية، فإن هذا، بحسب رواية وايزمان، لم يمنع تلك الوفود العربية من إبداء سرورها وغبطتها بالقرارات التي اتُّخذت داخل قاعة المؤتمر، بشأن تقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية في المشرق العربي على دولتَي الانتداب (بريطانيا وفرنسا) ومنح فلسطين للحركة الصهيونية، لتقيم على أرضها وطناً قومياً لليهود.

وبالعودة إلى (الحزن العظيم) الذي شعر به وايزمان، إزاء حدث عادي مألوف، لا يستوقف الإنسان ولا يلفت الانتباه، وهو مشاهدته يهوداً ويهوديات يشاركون العرب الرقص في أحد فنادق القاهرة، بالعودة إلى ذلك الحزن العظيم، ماذا يمكن أن نقول، عندما نقارنه بالمشاعر الباردة لزعمائنا العرب، في هذا الزمن العجيب، وهم يشاهدون فصلاً جديداً من الإبادة الجماعية لإخوتهم الفلسطينيين، التي لم تتوقف منذ الانتفاضة الأولى في القدس، عام 1920م، وحتى الانتفاضة الأخيرة في غزة، عام 2023م؟

لقد شعر وايزمان بحزن عظيم، لمجرد مشاهدته رجالاً ونساءً من اليهود يشاركون العرب الرقص، وتحركت الحركة الصهيونية كلها، بسبب سقوط ستة قتلى من العصابات الصهيونية، وأثارت ضجة في العالم كله، وأقامت الحكومة البريطانية وأقعدتها، بحسب تعبير وايزمان، وتحرك وايزمان نفسه على عجل، من فلسطين، عبر مصر، ليلحق بمؤتمر سان ريمو في إيطاليا خشية أن تؤثر انتفاضة الشعب الفلسطيني على أذهان وفود بعض الدول المشاركة في ذلك المؤتمر، ويدركوا بأن في فلسطين شعباً يرفض اغتصاب وطنه، ويتجه إلى مقاومة المؤامرة التي تستهدف وجوده، فيغيروا موقفهم من فكرة احتلال الصهاينة لفلسطين والاستيطان فيها وتشريد شعبها، ويتراجعوا، كما يقول وايزمان "رهبة ... وفزعاً ... فلا انتداب، ولا وطن قومي" ص 225.

فهل شعر زعماؤنا العرب بحزن يقترب ولو قليلاً من مستوى حزن الزعيم الصهيوني، وهم يشاهدون وقائع الإبادة الجماعية الدائرة اليوم في غزة، التي استشهد فيها من إخوتهم الفلسطينيين ما يزيد على سبعين ألف شهيد حتى الآن _ وليس ستة _ معظمهم من النساء والأطفال، مع ما يزيد على مئة ألف من الجرحى والمعوقين، ومُحيت أحياء غزة وبنيتها التحية ومقومات حياتها الطبيعية، وحوصرت حصاراً مطبقاً، من البر والبحر والجو؟ وهل شعروا بالحزن وهم يتابعون جرائم الصهاينة، المتواصلة منذ عقود في الضفة الغربية، من قتل وتدمير وهدم للمساكن وتشريد للسكان واعتقالات كيفية وتعذيب وحشي وتجريف للأراضي الزراعية واستئصال لأشجار الزيتون وتقطيع لأوصال الضفة بآلاف الوحدات السكنية الصهيونية؟ وهل يمكن مقارنة مشاعر الزعيم الصهيوني، المتمسك بمصلحة إخوته الصهاينة، رغم أنها قد صدرت عن موقف باطل، هل يمكن مقارنة مشاعره تلك بمشاعر زعمائنا العرب، الذين فرطوا بكل شيء، رغم أن الحق إلى جانبهم، لو تمسكوا به؟

أسئلة كهذه تشعرنا نحن بحزن أعظم من حزن الزعيم الصهيوني وايزمان، وهو يشاهد في القاهرة يهوداً ويهوديات يشاركون مواطنيهم العرب حفل رقص عادي.

ولنتخيل، لو أن مشاعر زعمائنا العرب تجاه نكبة الشعب العربي الفلسطيني واغتصاب أرضه وإبادة أبنائه واعتقال الآلاف ممن بقي حياً منهم وتشريد الملايين، لو أن مشاعر زعمائنا العرب قد اقتربت من مستوى مشاعر الزعيم الصهيوني، وفعلهم قد ارتقى إلى مستوى فعله، أو أدنى منه قليلاً، ألم تكن فلسطين قد تحررت، وعاد الشعب العربي الفلسطيني إلى وطنه، وعاد المستوطنون الصهاينة إلى أوطانهم الأصلية، وأُسدل الستار على أبشع استعمار استيطاني عنصري دموي عرفه التاريخ البشري؟

الهوامش

____________

1.حاييم وايزمان، هو أول رئيس للكيان الصهيوني. وكان زعيماً للجناح الصهيوني المتشدد، الأكثر تشبثاً باحتلال فلسطين والاستيطان فيها، والرافض لمشروع توطين اليهود في أوغندا. وهو المشروع الذي كانت تميل إليه بريطانيا في البدء، ثم غيرت موقفها وأصبحت الراعية الأولى لاحتلال فلسطين واستيطانها وتشريد شعبها.

2.كان السبب المباشر للانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي بدأت في 4 أبريل 1920م، هو منع القوات البريطانية أهل الخليل من دخول القدس للاحتفال بموسم النبي موسى. وهو احتفال شعبي فلسطيني، استحدثه صلاح الدين الأيوبي، ويمتد لمدة أسبوع. فاقتحم أبناء الخليل، ومعهم إخوتهم أبناء القدس الذين خرجوا لاستقبالهم، كما هي عادتهم في تلك المناسبة، اقتحموا باب الخليل، وهم يرفعون العلم الفلسطيني. فاندس أحد الصهاينة داخل جموعهم واختطف العلم وحاول تمزيقه. فاشتبك معه بعض الشباب الفلسطيني، وانتهى الاشتباك بسقوطه قتيلاً، وامتدت الاشتباكات بعد ذلك بين الشباب الفلسطيني والمستوطنين الصهاينة، وتدخلت القوات البريطانية وأطلقت النار على الحشود الفلسطينية وسقط نتيجة ذلك أربعة شهداء فلسطينيين وعشرات الجرحى، برصاص الجنود البريطانيين.

3.الحاج محمد أمين الحسيني، هو المفتي العام في القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، وأبرز الشخصيات الفلسطينية خلال الانتداب البريطاني في فلسطين. أما عارف العارف، فهو كاتب وسياسي فلسطيني من أبناء القدس.

4.السير هربرت صموئيل، سياسي بريطاني يهودي، كان أول مندوب سامي بريطاني في فلسطين. وقد سجل وايزمان، في سياق حديثه عن انتفاضة الشعب الفلسطيني في يافا، عام 1921م، ما اعتبرها من أكبر الأخطاء التي ارتكبها هربرت صموئيل في فلسطين، ومنها: العفو عن المتسببين في الانتفاضة، التي اعتبرها اضطرابات. وتعيينه أمين الحسيني رئيساً للمجلس الإسلامي وإطلاق لقب (المفتي الأكبر) عليه. انظر ص 235، من مذكرات حاييم وايزمان.

5.نانسي استور، سياسية بريطانية، كانت أول امرأة شغلت مقعداً في مجلس العموم البريطاني. وكانت شخصية مؤثرة في السياسة البريطانية.

6.رغم تدخل القوات البريطانية في انتفاضة عام 1920م، وإطلاقها الرصاص على الفلسطينيين وقتل وجرح العشرات منهم، فإن وايزمان يعتبر أن "من المخجل حقاً أن تقع مثل تلك الاضطرابات في عهد الحكم البريطاني، وهو المكلف بتنفيذ سياسة الوطن القومي"، ويلوم البريطانيين، لوماً يجسد ابتزاز الحركة الصهيونية المتواصل حتى اليوم، لحكومات الغرب، ويفسر اللهجة التي رد بها نتن ياهو على تصريح متردد وخجول لرئيس وزراء بريطانيا الحالي (كير ستارمر)، استشف منه عدم ارتياح المسؤول البريطاني للإبادة الجماعية في غزة، فرد عليه بكل صلف، بقوله: "إن عليه أن يخجل من نفسه"!!. بهذه اللهجة يخاطب الصهاينة قادة الغرب ويقرِّعونهم ويبتزُّونهم وينكرون فضلهم عليهم، ويطلبون منهم أن يخجلوا، إذا ما تجرأ أحدهم، وعبر بتردد واضح وبلغة ناعمة خجولة وتحت ضغط الشارع الغربي، عن موقف إنساني، إزاء الجرائم الصهيونية التي ترتكب بحق فلسطين وأهلها. ولكن الصهاينة أنفسهم لا يخجلون أبداً من ممارساتهم الوحشية البشعة. ولا يتجرأ أحد من قادة الغرب أن يقول لهم: عليكم أنتم أن تخجلوا، وأن توقفوا جرائمكم بحق الشعب العربي الفلسطيني وبحق البشرية كلها.

7.لم يذكر وايزمان الجهة التي كلفت بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. علماً بأن قرار انتداب بريطانيا لم يُتخذ إلا في مؤتمر سان ريمو عام 1920م، أي بعد وعد بلفور بعامين ونصف تقريباً، بعد أن كانت بريطانيا قد احتلت فلسطين وأقامت فيها إدارة بريطانية، وشرعت فعلاً بتنفيذ مهمتها في إنشاء وطن قومي لليهود، فمن هي الجهة التي كلفت بريطانيا بتلك المهمة قبل ذلك المؤتمر؟ ألا يمكن أن تكون هي الحركة الصهيونية؟

8.مؤتمر سان ريمو عقده الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى في مدينة سان ريمو الإيطالية في أبريل 1920م، وتم فيه اتخاذ قرار تقسيم التركة العثمانية في المشرق العربي ووضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والعراق وفلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني. وبذلك تجاوز المؤتمر وعود بريطانيا العظمى للشريف حسين، بتتويجه ملكاً على المشرق العربي الموحد.

9.السير إدموند إلِلنبي، جنرال بريطاني، قاد القوات البريطانية التي انطلقت في عام 1917م من مصر، وتمكن من احتلال فلسطين وسوريا. وعُيِّن حاكماً عسكرياً عاماً على فلسطين، ثم عُيِّن في عام 1919 مفوضاً سامياً في مصر والسودان. وقد أطلق الكيان الصهيوني اسمه على الجسر المقام على نهر الأردن، الرابط بين الضفة الغربية لفلسطين، وبين المملكة الأردنية، اعترافاً بفضله في احتلال فلسطين وتهيئتها للمشروع الاستيطاني الصهيوني. ويسمي الفلسطينيون ذلك الجسر (معبر الكرامة)، ويسميه الأردنيون (جسر الملك حسين).

10.نشرتُ في شهر يناير 2007م مقالاً بعنوان (الكيان الصهيوني الغاصب غير قابل للبقاء)، أكدت فيه أن هذا الكيان المصطنع سيزول حتماً، لأنه كيان عدواني دموي غير قابل للتعايش الطبيعي مع محيطه العربي. وهذه الحقيقة أكدها هنا الزعيم الصهيوني وايزمان بحزنه العظيم، لمجرد رؤيته بعض اليهود واليهوديات يحتفلون في أحد فنادق القاهرة مع مواطنيهم العرب. وسر حزنه ذاك هو خوفه من تعايش اليهود مع المجتمع العربي الذي يعيشون في كنفه، واندماجهم فيه. لأن هذا من شأنه أن ينزع ذرائع ومبررات اغتصاب فلسطين وتشريد سكانها وإقامة وطن قومي لليهود فيها، ويعزز وجهة نظر زعامات يهودية أخرى في أوربا كانت ترى إمكانية اندماج اليهود في المجتمعات والبلدان التي ينتمون إليها.

11.آرثر جيمس بلفور، سياسي بريطاني، كان وزيراً لخارجية بريطانيا بين عامي 1916م و 1919م، وسبق له أن تولى رئاسة الوزراء بين عامي 1902م و 1905م.

12.اللورد جورج كرزون، كان وزير خارجية بريطانيا عند انعقاد مؤتمر سان ريمو. وقد شغل من قبل منصب الحاكم العام للهند، نائباً عن ملك بريطانيا. وكان معارضاً لوعد بلفور، ومحذراً من أن الفلسطينيين لن يقبلوا التنازل عن أرضهم، وأن تنفيذ الوعد سوف يؤدي إلى صراع دامٍ في فلسطين. وهذا ما حصل ويحصل حتى اليوم.

13.يمكن فهم كرم وعطف ممثلي الدول الاستعمارية على الحركة الصهيونية، وغبطتهم بنتائج المؤتمر المتعلقة بفلسطين. ولكن ما لا يمكن فهمه أو تبريره، ما ذكره وايزمان عن سرور وغبطة الوفود العربية، إن كان صادقا!!