نشتاق إلى الشعور لا إلى الأشياء
نحن لا نشتاق إلى الأماكن كما هي، ولا إلى الأزمنة كما مضت، بل نشتاق إلى النسخة التي كنّا عليها ونحن نعبرها. نشتاق إلى بلادٍ كانت تسكننا قبل أن نسكنها، وإلى أوقاتٍ كان للروح فيها صوتٌ أكثر صفاءً، وإلى أماكن لم تكن جميلةً بذاتها، بل لأن قلوبنا يومها كانت أخفَّ حزنًا وأقلَّ تعبًا. ولو قُدّر لنا أن نعود، فلن نجد شيئًا ممّا نفتقده؛ فالزمان تبدّل، والأمكنة غيّرتها الحياة، والوجوه عبرت، والظروف لم تعد كما كانت، وحتى نحن… لم نعد أولئك الذين غادروا ذات يوم.

في الحقيقة، نحن لا نشتاق إلى الماضي بقدر ما نشتاق إلى الإحساس الذي منحنا إيّاه؛ إلى تلك الطمأنينة الخفيّة، وتلك النسخة القديمة من أرواحنا التي كانت ترى العالم بعينٍ أكثر دفئًا. إننا نشتاق لما عشناه، لا لما هو قائم الآن؛ فبعض الأشياء لا يفنيها الغياب، بل يغيّرها الزمن حتى تصبح العودة إليها نوعًا آخر من الفقد.
لهذا، فالشوق ليس حنينًا إلى ما هو خارجنا بقدر ما هو ارتجافٌ لما تراكم في أعماقنا من ذكريات. نحن لا نحفظ الأماكن، بل نحفظ ما شعرنا به فيها، ولا نحتفظ بالزمن، بل بالأثر الذي تركه في أرواحنا. فالوقت يمضي بلا رحمة، والأمكنة تتبدّل، والوجوه تعبر نحو نسخٍ أخرى من نفسها، وكل شيءٍ في هذا العالم خاضعٌ للتغيّر والانطفاء التدريجي.
أما الإنسان، فمهما تبدّل فيه العمر والملامح والأفكار، تبقى الذكريات وحدها تقاوم الفناء؛ مختبئةً في الداخل كجمرٍ هادئ، لا يضيء دائمًا، لكنه لا ينطفئ أبدًا. نحن كائنات لا تستطيع الاحتفاظ بشيءٍ كامل سوى الشعور. ولهذا، حين نشتاق، فنحن في الحقيقة لا نفتقد الأمكنة ولا الأزمنة، بل نفتقد ذلك الإحساس القديم الذي مرّ بنا ذات حياة، ثم مضى… وبقي صداه فقط داخلنا.
ومن يظنّ أنّه بقي كما كان، فهو لا يدرك كيف تعمل الحياة فينا. فالإنسان، ما دام يتنفّس داخل هذا العالم، ويتفاعل مع الناس والأماكن والأحداث، فهو يتغيّر بالضرورة؛ يترك أثرًا في كل ما يمرّ به، وفي المقابل تترك الأشياء أثرها فيه، شاء ذلك أم أبى. نحن لا نعبر الحياة سالمين منها، بل نحملها معنا في ملامحنا، وفي أفكارنا، وفي الطريقة التي صرنا ننظر بها إلى أنفسنا والعالم.
ولهذا، فالشوق ليس مرضًا ينبغي الهروب منه، بل شعورٌ عميق يستحق التأمل. أجمل ما يمكن فعله معه أن تتركه يشتعل بهدوء، أن تمرّ به كما يمرّ الليل؛ دون مقاومةٍ مرهقة، ودون محاولةٍ مستحيلة لاستعادة ما انتهى. فبعض الحنين لا يريد حلًّا، بل يريد أن يُفهم فقط.
وربما الحكمة الأصدق هي أن تصنع الآن ما سيمنحك لاحقًا حنينًا جميلًا؛ أن تعيش بصدق، وتحبّ بعمق، وتترك في أيامك أثرًا يستحق أن تتذكّره يومًا بابتسامةٍ لا بندم. اصنع من حاضرك ذكرياتٍ تليق بك، وافعل ما تشاء من الحياة بقدر ما تريد، ما دمت لا تؤذي أحدًا، ولا تخون مبدأً، ولا تكسر قانونًا أو قسمًا. فالإنسان في النهاية ليس سوى مجموعة لحظاتٍ عاشها بصدق… ثم تحوّلت مع الزمن إلى حنين.
نحن في جوهرنا شرارةُ وعيٍ عابرة، طاقةٌ مشتعلة جاءت إلى هذا الوجود مدفوعةً برغبةٍ لا تنتهي في أن ترى وتعرف وتفهم. نمضي في الحياة ظانّين أنّ أمامنا متّسعًا طويلًا من الوقت، بينما نحن في الحقيقة لسنا سوى ومضة ضوءٍ قصيرة؛ شعلةٌ تضيء لبضعة عقود، ثم تهدأ شيئًا فشيئًا حتى تسكن في العتمة الكبرى.
وخلال هذا الاشتعال القصير، يحدث كل شيء دفعةً واحدة؛ نرى، نشعر، نحب، نكره، نقترب، نفترق، ننفع ونضر، نذوق اللذة ونختبر الألم، نفرح حتى الامتلاء، ثم ننكسر حتى الصمت. خليطٌ متناقض تفرضه علينا هذه الاستضاءة المؤقتة التي نسميها «الحياة».
وربما لهذا تبدو الحياة عميقة إلى هذا الحد؛ لأنها ليست ثباتًا، بل احتراقٌ مستمر للوعي وهو يحاول أن يختبر أكبر قدرٍ ممكن من الوجود قبل أن ينطفئ. فنحن لا نملك سوى هذه الإضاءة العابرة، ولهذا نحاول خلالها أن نترك أثرًا، وأن نفهم شيئًا، وأن نحبّ أحدًا، أو حتى أن نجد معنًى يجعل هذا الاشتعال أقل عبثًا وأكثر إنسانية.
بعض البشر يظنّ نفسه جبلًا شامخًا قادرًا على تغيير مجرى الحياة كما يشاء، فيقسُو، ويتكبّر، ويظلم، ويعاند العالم وكأن الوجود خُلق ليدور حوله. ولا يدرك أنّه، مهما تعاظم في عينيه، ليس سوى حصاةٍ صغيرة في نهر الزمن الجارف؛ يمرّ فوقها تيار الحياة دون أن يتوقّف كثيرًا، ثم تتحوّل مع الوقت إلى جزءٍ من الممر الذي يعبره الجميع وينسونه.
وفي المقابل، هناك من أدرك هشاشته مبكرًا، وفهم ضآلة حجمه أمام هذا الكون الهائل، فخلع عن روحه ثقل الغرور، وارتدى اللطف كما لو أنّه الحكمة الأخيرة. ابتسم، لا لأن الحياة كانت سهلة، بل لأنه فهم أن العبور أخفّ على القلب حين لا نحمل معنا الكراهية والقسوة. هؤلاء لا يحاولون أن يهزموا النهر، بل يتعلّمون كيف ينسابون معه بسلام، ويمدّون أيديهم للآخرين كي لا يغرقوا وحدهم.
فربما ليست عظمة الإنسان في أن يترك أثرًا صاخبًا، بل في أن يكون مرورُه خفيفًا رحيمًا، كضوءٍ عابر منح دفئًا لمن حوله قبل أن يمضي. وبعضهم لا يملك من العظمة إلا ضجيجها، فيتدثّر بالصياح، ويتزيّن بالمبالغة، وينفش ريش حضوره ليبدو في أعين الآخرين أكبر ممّا هو عليه. يظنّ أن ارتفاع الصوت هيبة، وأن لفت الانتباه قيمة، وأن الاستعراض يصنع مقامًا لا تمنحه الروح ولا الأفعال.
لكن الحقيقة لا تحتاج وقتًا طويلًا كي تظهر؛ فقط رشفة ماءٍ من امتحان، أو لحظة صدقٍ عابرة، كفيلة بأن تُسقط ذلك القناع اللامع، فينكمش كل ذلك الصخب فجأة، ويبان الإنسان على حقيقته كما هو؛ هشًّا، عاديًّا، خائفًا من أن يُرى بلا زينة الادّعاء.
فالعمق لا يصرخ، والقوة الحقيقية لا تحتاج استعراضًا، وكل ما يبالغ في إثبات نفسه للناس يحمل في داخله خوفًا خفيًّا من ألّا يكون شيئًا أصلًا. أما العظماء حقًّا، فغالبًا ما يشبهون البحر؛ هادئون من السطح، لكن في أعماقهم ما لا تستطيع الضوضاء أن تبلغه.
