السبت 20 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • رحل الأستاذ الذي علّمني فكفكة الرياضيات

رحل الأستاذ الذي علّمني فكفكة الرياضيات

رحل الأستاذ الذي علّمني فكفكة الرياضيات

رحل الأستاذ الذي علّمني فكفكة الرياضيات، قبل خمسين عاماً، يوم كنّا نقف احتراماً للأستاذ عند دخول الفصل وعند المغادرة. قبل خمسين عاماً كان للتعليم قيمة، وللأستاذ مهابة وعلو.

الأستاذ سابقاً، الطبيب الإنسان لاحقاً، الدكتور ، يوم كان أستاذاً كنّا لا نخافه؛ لأننا نحبه ونحترمه. كان أخاً كبيراً. قبل خمسين عاماً، ولم أنسَ أثر تلك اللحظة يوم حصلت على درجة 14 من عشرين في الاختبار الشهري في الصف السادس، ذهبت إليه معترضاً من أخ صغير يشكو لأخيه الكبير بلا خوف. قلت له: أنا أستحق أكثر من هذه الدرجة. أخذ ورقتي وشرح لي كل مسألة بالتفصيل. بعدها لم أكن أخجل أن أسأله أي سؤال.

كانت ابتسامته تكسر حاجز الخوف والتلعثم، ابتسامته فيها مهابة وعطف أخ كبير. وكانت نصائحه تكسر حالة الرهاب والفوبيا من الرياضيات. لم تكن هذه اللحظة إلا أثراً جميلاً رافقني طيلة مسيرة دراستي. كنت أجد في الرياضيات متعة، فكانت درجتي في الثانوية العامة 198 من 200، وفي الجامعة ظل هذا الأثر يلازمني.

التفاصيل الصغيرة، مع الوقت والتقادم، تكبر وتتضخم، وتصبح غزيرة التأثير كثيفة المعنى؛ ولذلك أجدها الآن، في هذه اللحظة، تجرّني جرّاً وتشدّني شدّاً بعيداً إلى الخلف. لذا تجدني، في هذه اللحظة، أشتاق كثيراً لأستاذي الجليل ، الذي علّمني هو الآخر صياغة العبارة، ورصّ الأحرف، وجمال التعبير. فأثره هو الآخر ظل يرافقني طول مسيرتي. تعلّمت منه كيف أكتب المقالة، وكيف أكتب القصة القصيرة. أثره ألمسه الآن، في هذه اللحظة، مع كل حرف أكتبه، وكل عبارة أصوغها. أسأل الله تعالى له كل الصحة، وكل العافية.

بعض الناس، إن غابوا، بقي أثرهم، وبقيت روحهم حاضرة في الذاكرة، تأبى المغادرة. أثر لا يُنسى ولا يُمحى. الدكتور محمد أحمد نعمان من الناس الذين تركوا جميل الأثر، فرحيله المفاجئ كان فاجعة وصدمة.

فهناك لحظات لا تُقاس بالوقت، بل بما تقتطعه من القلب دفعة واحدة. اليوم رحل الطبيب الإنسان محمد أحمد نعمان، لكنه كان عنواناً للنبل الإنساني أستاذاً وطبيباً، يعرف ذلك كل من عرفه.

نعم، رحل، وعلينا أن نؤمن بقضاء الله وقدره. رحل، لكنه ترك أثراً جميلاً لا يُمحى ولا يُنسى.

وفي عزّ الوجع والمحنة، يتوجب علينا أن نقول: إن كان في الفقد نار، ففي الإيمان ماء، وإن كان في الرحيل كسر، ففي الوعد جبر. أيها الراحل النبيل، ستصلك دعوات مرضاك، ودعوات كل من عرفك، حتى للحظات؛ فقد كنت من الناس الذين يملؤون المكان من اللحظة الأولى. ففي حضورك شفاء، وسيبقى غيابك فراغاً لا يُملأ لديّ ولكل من عرفك.

السلام والسكينة لروحك الطاهرة، نسأل الله تعالى لك الرحمة والمغفرة والجنة.

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ {الفجر}