من الميركانتيلية إلى الترامبية: جدلية الاقتصاد والقوة في دورات الهيمنة الرأسمالية
مستخلص:
لم تكن الرأسمالية، حتى في أكثر مراحلها إنتاجية وابتكارًا، نظامًا اقتصاديًا خالصًا محكومًا بقوانين السوق والتخصيص وحدها، بل ارتبطت تاريخيًا بعلاقة متغيرة بين نمطين متداخلين: رأسمالية مؤسسية تسود في فترات الاستقرار والهيمنة، حيث تُدار المنافسة عبر القواعد والمؤسسات والرضا النسبي. ورأسمالية قتالية: (نمط من إدارة التراكم الرأسمالي تلجأ فيه الدولة المهيمنة إلى أدوات الإكراه الاقتصادي والعسكري بصورة علنية ومباشرة عندما تصبح المؤسسات الدولية غير كافية لحماية موقعها في النظام العالمي) تظهر في لحظات الانتقال والأزمات، حين تعود أدوات القوة والإكراه إلى قلب عملية التراكم. ومن هذا التفاعل المتجدد، أعادت الرأسمالية إنتاج نفسها عبر التاريخ، فما يتغير ليس جوهر العلاقة بين الاقتصاد والقوة، بل درجة انكشافها. ففي مراحل الاستقرار، تتخفى الرأسمالية خلف المؤسسات والقواعد وفي لحظات التهديد والأنكشاف، تعود إلى أصلها الأول" الكولونيالي" "المقاتل للراسمالية". ومن هذا المنظور، لا تمثل الترامبية انحرافًا عن النظام الرأسمالي الليبرالي، بل تجلٍّ معاصر لمنطق الرأسمالية القتالية استجابةً لأزمة الهيمنة الأمريكية باعتبارها القطب المهيمن في النظام الرأسمالي العالمي وصعود المنافسة الدولية. ويسعى هذا المقال إلى تتبع هذا التذبذب التاريخي بين المؤسسية والإكراه عبر محطات مفصلية في تطور النظام الرأسمالي العالمي.
مقدمة:
مقدمة:
السردية الليبرالية تفصل بين "الاقتصاد" كمجال للتبادل الطوعي، و"الحرب" كمجال للقسر. تاريخ الرأسمالية يكذّب هذا الفصل. "فالرأسمالية وُلدت من رحم" ينتج الاحتكار بالقوة. ما يتغير تاريخياً هو نسبة المزج بين القواعد والقوة، وليس غياب إحداهما. لحظة ترامب تكشف هذه النسبة بوِضوح. و"النيوديل" لروزفلت لم تكن نهجًا اشتراكيا بل ضرورة لإنقاذ الرأسمالية من الانهيار في الثلاثينيات، ومثلها سياسة نيكسون- فرض الهيمنة المالية- وكذلك ريغان- فرض النيوليبرالية- تُعد سياسات ترامب الحالية ضرورة من وجهة نظر الدولة العميقة لإنقاذ الهيمنة الأمريكية من الصعود الصيني والتآكل الصناعي الداخلي، وضرورة إعادة تراكم رأس المال "وإعادة التوطين" تحمل شعار أمريكا أولأ.
أولًا: الميركانتيلية(1500-1800) التراكم مشروع جيو-عسكري:
لم تكن هيمنة الدولة العثمانية على طرق التجارة بين الشرق والغرب(1453) سبباً وحيداً، لكنها سرّعت تحولاً بنيوياً في أوروبا: فقد وجدت أوروبا نفسها أمام اختناق تجاري شمل سيطرة على الممرات، فائض تجاري لصالح الشرق، تبعية لوجستية. هذا الاختناق عجٌل صعود الدولة "الأمة" وفجّر صراعًا داخليًا في أوروبا بين: الإقطاع (المستوطنات الزراعية) والتجار (اقتصاد توسعي يبحث عن طرق بديلة). من هنا بدأت مراكز مثل جنوة والبندقية في توليد تراكم رأسمالي أولي، موّل رحلات كرستوفر كولمبس، وفاسكو دي جاما. لكن هذه الاكتشافات لم تكن "مغامرات جغرافية"، بل مشاريع ممولة من رأس المال التجاري الميركانتيلي ومحمية بالسلاح الملكي، ومشروعًا عسكريًا-اقتصاديًا لكسر الاحتكار التجاري بالقوة العسكرية.
ثانيًا: الكولونيالية: (العنف نظامًا اقتصاديًا)
يصف هذه المرحلة د. رمزي رمزي بقوله؛ "ما تلا ذلك لم يكن توسعًا تجاريًا بريئًا، بل نظامًا متكاملًا شمل نهب الذهب والموارد، استعباد السكان وتجارة الرقيق، احتكار الطرق والأسواق". نشاء صراع بين البرتغال (أفريقيا والشرق)، واسبانيا (الأمريكيتان) تم احتوائه دينيًا عبر الكنيسة، لكنه كان اقتصاديًا في جوهره. لم يدم، فقد خرج المقاتل عن الأطر التنظيمية والاخلاقية وإن كان تحت قبة الكنيسة ليقول؛ المال لا مذهب له ولا دين، ذلك الصراع، إلى جانب عوامل ضعف أخرى، أدى لاحقًا، إلى صعود قوى كولونيالية جديدة (المملكة المتحدة، فرنسا، وهولندا) لتعيد توزيع النفوذ بعد تراجع إسبانيا والبرتغال، لكن بصورة أكثر ضراوة وشراسة وعبر شركات الهند الشرقية وأساطيلها العابرة للقارات.
هنا يتجسد ما أشار إليه الاقتصادي (Clive Day) في كتابه "تاريخ التجارة" (A History of Commerce)" أن الجائزة أو المغنم في التجارة البعيدة لم يحظ بها أفضل المنتجين والتجار، بل أفضل المقاتلين. فلا الحجم ولا الموارد هما اللذان كانا يحددان مسألة التجاح، وإنما المقدرة على التنظيم والاستعداد للمجازفة خلال المنازعات، معتبرا أن النجاح لم يكن للأكفأ اقتصاديًا، بل للأقدر على القتال والتنظيم واحتكار المسارات.
ثالثاً: الإمبريالية الكلاسيكية 1870-1914:(تصدير رأس المال بالمدافع)
مع الثورة الصناعية، انتقلت المنافسة من "احتكار الطرق والممرات" إلى "احتكار المواد الخام والأسواق"مؤتمر برلين 1884" قسّم أفريقيا بالمسطرة. لينين وصفها بدقة: "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" حيث يندمج رأس المال المالي مع الدولة. القوة والعنف لم تكن خلف الاقتصاد، بل في قلبه: سكة حديد بغداد، قناة السويس، حروب الأفيون.
رابعًأ: الحرب العالمية الأولى 1914م: عندما تنفجر الرأسمالية القتالية :
إذا كانت سكة بغداد وقناة السويس وحروب الأفيون هي "الدبلوماسية الإمبريالية"، فإن 1914 هي لحظة تحولها إلى "حرب إمبريالية". السبب البنيوي لم يكن اغتيال ولي عهد النمسا، بل وصول التنافس على الممرات والأسواق والمواد الخام إلى نقطة صفرية. كل قوة عظمى بنت إمبراطوريتها على احتكار مسار، وعندما تقاطعت المسارات، كان الصدام حتمياً. الترامبية اليوم تعيد إنتاج نفس المنطق: الصراع على جرينلاند للمعادن، وعلى بنما للرسوم، وطلب أمتيازات من عبور قناة السويس، وعلى تايوان للرقائق... الفرق اليوم أن الردع النووي استبدل الخنادق بالعقوبات، لكن الهدف؛ واحد من يملك الممر يملك الريع، ومن يخسره يخسر الهيمنة.
خامساً: الليبرالية المؤسسية( 1945-1971): إعادة تغليف القوة
بعد الحروب الكبرى، خاصة الحرب العالمية الثانية، لم تختفِ القوة، بل أعيد تنظيمها وصياغتها عبر مؤسسات: بريتون وودز: الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية. الولايات المتحدة قدمت الحماية العسكرية، واستوعبت ذهب الحلفاء، وفرضت الدولار كعملة مركزية، وتنازلت أوروبا واليابان تدريجيًا عن: سيادتها النقدية، سياساتها الحمائية، مقابل احتواء السوفييت. لكن هذا لم يكن "تعاونًا متكافئًا"، بل مقايضة: الأمن مقابل التبعية الاقتصادية، بنفس الكيفية التي فرضها الانجليز والإسترليني سابقًا، ويفرضها الأمريكيون والدولار اليوم.
سادسًا: لحظة الانكشاف: من نيكسون إلى الترامبية:
عندما أعلن رتشارد نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب (1971)، وكان رصيد أمريكا (21,775) طن يساوي 70% من أحتياطي الذهب العالمي عام 1949، لم يكن ذلك مجرد قرار نقدي، بل تحرير للقوة المالية من أي قيد مادي مع زهو الانتصار والهيمنة. ويحضرني هنا أصدق الكلمات التي أدلى بها الاقتصادي الأمريكي "جيمس توبن" في شهادته أمام لجنة من لجان الكونجرس الأمريكي عام 1963، حينما قال: "في ظل نظام العملة الاحتياطية، عندما يعمل بطريقة سليمة، يكون المستفيد الأول من أي زيادة في المقدار المتاح من النقد الدولي هو بوضوح العملة الاحتياطية ذاتها. ومن دواعي السرور أن يكون لدينا في فنائنا الخلفي دار لسك النقود أو مطبعة للعملة الورقية... وقد استطعنا أن نواجه عجزا في ميزان مدفوعاتنا لمدة عشر سنوات، لأن صكوك مديونيتنا تقبل عادة كنقود.
من هنا بدأت مرحلة ثنائية القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية وتوسع الرأسمالية المالية: هيمنة الدولار، ديون الخزينة، شبكة SWIFT. الرأسمالية القتالية اليوم لا تكتفي بالممرات المائية، بل تمتد إلى "ممرات البيانات" والكابلات البحرية والذكاء الاصطناعين ورأسمالية المنصات". فالقوة العسكرية تحمي الممرات، والقوة المالية تفرض العقوبات. لكن مع صعود قوى منافسة، خاصة الصين التي تمثل 18.5% من الناتج العالمي 2024 وزيادة نفوذها وطموحها التوسعي، بدأت هذه المنظومة تهتز وتستدعي فلسفة التراكم الراسمالي بثوب المقاتل الكولونيالي: ترامب.
سابعًا: الترامبية -عودة المقاتل في ثوب اقتصادي:
مع دونالد ترامب، لم تعد الولايات المتحدة تلتزم بقواعد النظام الذي أنشأته، بل بدأت في تفكيكه بأدوات "المقاتل الجديد:" العقوبات على إيران، فنزويلا، كوبا، الحروب التجارية ضد الصين، التعريفات الجمركية، الابتزاز الجيوسياسي لأوكرانيا، فنزويلا، دول الخليج، الناتو، أوروبا، التفكير التوسعي جرينلاند، كندا. هذه السياسات تجاه دول العالم النامي، وحتى الشركاء التاريخيين كا المملكة المتحدة وأروبان المنقسمة علة نفسها، تعكس انتقالًا واضحًا من اقتصاد تحكمه القواعد إلى اقتصاد تحكمه القوة، من الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد الحرب الدولي.
ثامنًا: أوروبا:( الشريك التابع القلق)
أوروبا اليوم لم تعد ندًا للولايات المتحدة، بل تعتمد أمنيًا على واشنطن وتخشى اقتصاديًا من سياساتها، لذلك تقبل (شروطًا تجارية غير متكافئة، ضغوطًا نقدية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، ليس عن اقتناع، بل خوفًا من الانكشاف دون مظلة الحماية الأمريكية. فأوروبا الصناعية"ألمانيا" متضررة من فك الارتباط مع الصين وروسيا، وتبحث عن "استقلال استراتيجي، وأوروبا الماكرونية "فرنسا" تحاول قيادة قطب ثالث، وأوروبا الأطلسية -بولندا ودول البلطيق- تريد مزيداً من الحماية الأمريكية. القاسم الأوربي المشترك: لا أحد يستطيع الاستغناء عن المظلة الأمنية الأمريكية بعد، لكن الكل يدفع ثمنها اقتصادياً.
تاسعًاا: الخلاصة: هل عاد “المقاتل الرأسمالي؟
المقاتل الرأسمالي لم يعد… لأنه لم يختفِ أصلًا، بل يبدّل سلاحه. ما يحدث هو: عند الصعود والاستقرار يأخذ رداء (رأسمالية مؤسسية)، وعند التهديد يرتدي درع المقاتل "رأسمالية قتالية"، والتحول بينهما تحكمه معادلة بسيطة: كلما ارتفعت المنافسة والتهديد، تراجعت القواعد وارتفع منسوب العنف الاقتصادي. وهذا يذكرنا بتاريخ مراحل الانتقال وزمن الوحوش. لكن وحش اليوم يرتدي ربطة عنق حمراء ويغرّد عن التعريفات والممرات والامن الدولي وأمريكا أولاً.
من الطبيعي أن تثير هذه الدورات التاريخية أسئلة جوهرية: كيف ولماذا يحدث التحول من المؤسية إلى القتالية؟ ومن يقوده داخل الدولة المهيمنة؟ وتحت أي شروط اقتصادية وسياسية يصبح التحول حتمياً؟ هذه الأسئلة تتجاوز نطاق هذا المقال الذي يقتصر على تتبع النمط التاريخي وتوثيق آلياته. الإجابة عليها تتطلب مقاربة نظرية أعمق تدمج بين نظرية أزمة الهيمنة عند غيلبن 1981، ودورات التراكم عند أريجي 1994، وتحليل الصراع داخل النخبة الحاكمة. هذا ما سأتناوله في دراسة لاحقة.
خاتمة
ما نشهده اليوم ليس شذوذًا في سلوك ترامب، بل تعبيرًا مكثفًا عن منطق عميق في الرأسمالية: حين تعجز آليات السوق في ضمان التفوق، تستدعي الرأسمالية أدواتها البدائية: القوة، الاحتكار، والإقصاء. وبهذا المعنى، فإن الترامبية ليست خروجًا عن النظام، بل لحظة صدق تاريخي تكشف أن السوق لم تكن يومًا منفصلة عن الحرب، بل كانت أحد وجوهها.
رسالتي للدول العربية:
في دورات "الرأسمالية القتالية" لا بقاء للحياد الأعزل ولا للتنمية غير المسلحة. دروس خمسة قرون من الرأسمالية تقول بوضوح: من لا يملك صندوقاً سيادياً يحصّن ريعه، وممراً تحميه تحالفاته، وسوقاً يحميه تكتله، سيُفرض عليه منطق المقاتل قسراً. "أمريكا أولاً" شعار قابل للتطبيق في واشنطن لأنها تستند إلى ثلاثية: الدولار كسلاح مالي، وحاملات الطائرات كسلاح عسكري، والتكنولوجيا كسلاح إنتاجي. أما "مصر أولاً" أو "خليج أولاً" بلا صناديق سيادية حقيقية، وبلا تكتل اقتصادي فاعل، وبلا ردع تكنولوجي، فستتحول إلى "مصر وخليج أخيراً".
معادلة العقد القادم واضحة لا تحتمل التأويل: إما أن نؤسس "رأسمالية مؤسسية عربية" مرتكزة على صناديق تحمي الثروة، وتكتلات تحمي السوق، وتحالفات تحصّن الممرات، أو سنصبح موضوعاً لـ"رأسمالية قتالية" غيرنا، ودرساً قاسياً لأجيالنا القادمة.التاريخ لا يمنح جائزة ترضية لمن يخطئ قراءة ساعته.
