الخميس 30 أبريل 2026
  • الرئيسية
  • خمسون عاماً في عمر التجمع الوطني التقدمي الوحدوي

خمسون عاماً في عمر التجمع الوطني التقدمي الوحدوي

ارتبط إعلان المنابر الذي اتبعه الرئيس أنور السادات برغبته الجامحة في تهميش التيار القومي الناصري، واليساري بصورة عامة.

التجمع الوطني التقدمي الوحدوي 

في مسار الثورة القومية-ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 لم يكن السادات من دعاة الديمقراطية بمعنييها السياسي والاجتماعي، فهو محسوب على يوسف رشاد- رجل الملك، وقد اجتذبه الزعيم جمال عبدالناصر كمصدر معلومات وفهم سياسي.
استطاع السادات بمقدرة سياسية فائقة وبإعطاء الولاء للقوة ناصر ، وعامر تثبيت أقدامه، ولاشك ان هزيمة  1967 التي اهتزت فيها صورة الزعيم العربي جمال عبدالناصر ، وتراجع دور التيار القومي واليساري بعامة- قد خدمته، وقوت اليمين والإسلام السياسي.

جمال عبدالناصر

ادرك الرئيس أنور السادات مدى الاستياء من غياب الحريات السياسية التي لم يكن مؤمنا بها، ولا من أنصارها، وعبرت اجراءاته وعبارته الشهيرة للديمقراطية أنياب، عن عداوته للديمقراطية.

وأكدت اعتقالات سبتمبر 1980 والتي طالت الطيف السياسي والمجتمعي أن ديمقراطيته لعبة سياسية ضد حكم هو قطب من أقطابه، وقد استخدمها بدءاً كسلاح ضد الناصريين والماركسيين والتيار الديمقراطي، وفي الأخير ضد الجميع.

أطلق الإخوان المسلمين من السجون، وحرضهم على تصفية التيار الناصري في الجامعة والشارع السياسي، كما أشعل الصراعات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، وصفى القطاع العام، وعمل على التراجع عن الإصلاح الزراعي أهم منجزات ومكاسب ثورة 1952 القومية.
وفي حمى الصراع مع اليسار أعلن المنابر في خطاب شهير، وحدد ثلاث اتجاهات للمنابر،  يمين، ووسط، ويسار.

المفكر والمحلل السياسي الصحفي محمد سيد أحمد في كتابه ( مستقبل النظام الحزبي في مصر ) ، يدرس تجربة المنابر، ولعبة السادات خصوصاً في مايتعلق بمنبر حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي ( اليسار).

مستقبل النظام الحزبي في مصر

يتساءل المفكر السياسي والصحفي الكبير محمد سيد أحمد أن صيغة التجمع الوطني التقدمي الوحدوي: هل هي تكتيكية، ام استراتيجية؟
ويجيب:  من المعروف أن حزب التجمع يجمع ناصريين وماركسيين وعناصر قومية واشتراكيين  ديمقراطيين وشيوعيين وعناصر دينية مستنيرة من المسلمين والاقباط معاً، وهؤلاء على اختلاف منطلقاتهم الفكرية والعقائدية جمعهم الانتساب الى اليسار بالمعنى العريض للكلمة.  فهل من الممكن أن يكون هذا الجمع مستقراً ثابتاً متسماً بصفة الاستراتيجية الطويلة الأمد، أم هو جمع لابد أن يكون عارضاً محكوماً بظروف طارئة فقط، أم يتسم بصفة التكتيك؟

أنور السادات

يضيف:  الأمر المؤكد أن السادات أراد من منبر اليسار في الاتحاد الاشتراكي الذي سرعان ما اتحول إلى حزب اليسار بعد تسليمه بأن المنابر هي في حقيقتها أحزاب . أراد منه أن يكون صيغة تكتيكية فقط، بل أراد من حزب اليسار أن يكون حزباً ماركسياً وظيفته تختلف تماما عن الوظيفة التي أرادها عبد الناصر للماركسيين، كعنصر إثراء وتصحيح.
( العبارة شهيرة للرئيس جمال عبدالناصر في تقييم دور الماركسيين كقوى إثراء وتصحيح) الكاتب. ويشير الأستاذ محمد سيد أحمد إلى كتابات موسى صبري، وهو الخصم اللدود لليسار الماركسي وللناصريين أيضاً في مقالاته عن  مولد التجمع، وهي تبرزه بوصفه حزباً ماركسياً وقائده خالد محيي الدين ( الصاغ الأحمر ).
ووصف الزعيم الديمقراطي عضو مجلس قيادة الثورة خالد محيي الدين بالصاغ الأحمر ليس من عنديات موسى صبري، وإنما هو الوصف اللذي أطلقه عليه السادات عندما  ترأس صحيفة الجمهورية، ولكن الرئيس عبدالناصر أوقف السادات عن الكتابة ضد خالد محيي الدين إبان خلافه مع رفاقه في مجلس قيادة الثورة.
خمسون عاماً مرت على إعلان حزب التجمع كحزب وطني تقدمي ديمقراطي، وكان رئيسه منذ البداية الزعيم التقدمي خالد محيي الدين، وقد دار خلاف حول الموقف من الأحزاب وطبيعة الإجراءات الثورية.

أنجزت الثورة القومية إنجازات عظيمة في مختلف المجالات في الداخل الوطني:  السد العالي، ومجمع الحديد والصلب، ونشر مدارس التعليم الحديث في مصر كلها، وبناء المؤسسات التعليمية الحديثة في أعلى المستويات ونشر مئات وٱلاف كتب التراث وبناء اقتصاد وطني متين و مجتمع جديد.
ودار خلاف من حول الأولوية: هل الديمقراطية السياسية أم الاجتماعية؟ وكان الخلاف طبيعياً ومبرراً.

وقفت الثورة القومية إلى جانب الوحدة العربية، وساندت تحرير الجزائر واليمن واستقلال الخليج، ودعمت التحرر في القارات الثلاث.
ضعف الاحزاب السياسية القديمة وعجزها عن تحقيق الاستقلال أو المواجهة مع الملك، كان يقوي خطاب الديمقراطية الثورية في مواجهة المستعمر البريطاني والانحطاط، وأحزاب الأقلية، بينما عسكرة الحياة والاستبداد والتضييق على حرية الرأي والتعبير كان يقوي مطلب الديمقراطية السياسية.

كان الزعيم الديمقراطي خالد محيي الدين عميق الربط بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، وكان قائد الثورة البطل القومي جمال عبدالناصر أكثر انحياز للثورة الاجتماعية، ولكن مراكز القوى المعادية للثورة ركبوا الموجة.
هزيمة 1967 كشفت الخلل في البنيان العسكري، وفضحت مراكز القوى التي كانت تتأمر ضد الثورة القومية وزعيمها الخالد جمال عبدالناصر وضد الأمه كلها.
هزيمة 1967 أكدت أن مراكز القوى كانت قد بسطت نفوذها على الجيش والأمن والدولة، وأثبتت عدائها للديمقراطية بمعنييها، وفرضت دكتاتوريتها على الشعب المصري والأمة العربية.

تٱمرت ضد الثورة اليمنية، وأججت الصراعات بين أبناء الثورة اليمنية، واعتقلت الزعماء اليمنيين، وفرضت الدمج القسري على الجبهة القومية في الجنوب..
كانت مراكز القوى  تتواطأ لتخريب الثورة القومية.
سقطت مراكز القوى، وبرز الوجه الحقيقي للسادات في زيارته للقدس عام 1977 ، وتوقيع اتفاقات كام ديڤيد، 1978، وتصدي التجمع الوطني الوحدوي التقدمي والإحزاب الناصرية: الكرامة، والحزب العربي الناصري، وتيارات أخرى كلها تتصدى حتى اليوم لنهج الحكم وسياساته الخاطئة.

يمثل التجمع الوطني والناصريون سواء داخل التجمع أو عبر أحزابهم صوت المعارضة الديمقراطية، ويؤسسون لنهج مغاير ومختلف لنهج الحكم الشمولي، ويقفان ضد التطبيع مع إسرائيل وإلى جانب القضية الفلسطينية والأمة العربية.