صنعاء 19C امطار خفيفة

المولوية.. الدوران الطويل لأن الوقوف مؤلم

يُقال إن كل الطرق الصوفية تؤدي إلى الله، لكن المولوية تؤدي إليه عبر دوران سريع قد ينتهي بالدوار. في زقاق بمدينة قونية وسط الأناضول قبل سبعة قرون. توقف رجلان عن المشي أحدهما كان يجر عباءة بالية وله لحية لم تُمشط منذ أيام، والآخر يرتدي عمامة خضراء ويحمل كتاباً تحت إبطه.

الأول كان شمس التبريزي، والآخر جلال الدين الرومي. لم يتصافحا ولم يتساءلا عن الطقس ولم يتبادلا أحاديث التعارف. نظر شمس إلى الرومي وقال: أنت تحفظ القرآن كله ولا تحفظ نفسك. نظر الرومي إلى الأرض ثم رفع رأسه وقال: علّمني. فكانت الكلمة مفتاحاً لأطول دوامة عرفها التاريخ الصوفي.

قال شمس الدين للرومي: أنت تعرف الله باسمه، وأنا أعرفه بلمسه. فخلع الرومي عمامته وتابعه أربعين يوماً. لم يخلع عمامته فوراً، لكنه أخذ يخلعها شيئاً فشيئاً. ترك المنبر وترك الفتوى وترك التلاميذ الذين كانوا يملؤون حلقته، وألّف رقصة لا تشبه الصلاة ولا تشبه العبث.

الطريقة المولوية

قالوا إنه أُصيب بالجنون، وقال هو إنه أُصيب بالعافية. في بيته صار يدور حول نفسه. سأله جيرانه: ماذا تفعل؟ قال: أبحث عن الله في مركز الدوران. قالوا: ولماذا لا تسجد؟ قال: السجود يثبتني في مكاني والله لا يقيم في مكان ثابت.

لم يبق شمس طويلاً. اختفى بعد ثلاث سنوات كما يختفي من يحمل سراً ثقيلاً. قيل إن أيدي الغيرة قتلته، وقيل إنه هرب إلى دمشق خوفاً من الشهرة، بينما تقول روايات أخرى إنه غادر قونية سراً إلى خوي (في إيران حالياً) حيث يوجد قبر يحمل اسمه هناك.

بكى الرومي حتى جفت دموعه، ثم صار يبكي بناي لا يخرج منه صوت. أمسك قصبة مجوفة ونفخ فيها، فخرج منها أنين كأنين روح عالقة بين جسدين. قال لمن حوله: هذا هو شمس، صار ناياً أنفخ فيه أنا. وهكذا وُلد "المثنوي" ستة وعشرون ألف بيت شعري، كلها تعليق على جملة واحدة قالها شمس في زقاق: لماذا تبحث عن الماء وأنت غارق في البحر؟

المولوية التي انبثقت من هذه القصة لم تكن طريقة صوفية بالمعنى التقليدي. ليس فيها أوراد محددة ولا أذكار محسوبة ولا شيخ يصف للمريد أيام الأسبوع. فيها فقط دوران. دراويش يرتدون الصوف الأبيض ككفن، والقبعة الطويلة كشاهد قبر. يرفعون يدهم اليمنى للسماء، واليسرى للأرض، كأنهم قنطرة بين عالمين، أو كأنهم يشيرون: هذا الذي فوق وهذا الذي تحت، وأنا في المنتصف أدور. كل دورة تخفف وزناً، وكل رقصة تمحو اسماً، حتى يصير الدرويش لا أحد، وحين يصير لا أحد يصير كل شيء. هكذا قال شمس، وهكذا صدّقه الرومي.

حركة  الدرويش ـ منصات

الطقوس المولوية دقيقة كدقة الساعة. الاجتماع يسمى سماع، وفيه آلات طرب يسميها الفقهاء محرمات والدراويش يسمونها عبادة. يدخلون وهم يجرون أذيالهم على الأرض، يسلمون على شيخهم، ثم يبدأون بالدوران حول أنفسهم وحول بعضهم. ببطء أولاً، ثم بسرعة، ثم بسرعة لا تحتمل. يفقدون الوعي أحياناً، يسقطون على الأرض أحياناً، يصرخون أحياناً. يقولون إنهم في هذه اللحظة يلتقون مع الله. يقول آخرون إنهم يلتقون مع دوار شديد يحتاج إلى طبيب.

على مدى سبعة قرون، صارت المولوية من أكثر الطرق الصوفية حضوراً في الأناضول. السلاجقة والعثمانيون أيدوهم، وبنوا لهم تكايا في كل مدينة، وخصصوا لهم الأوقاف والهبات. وفي قونية بنوا ضريحاً للرومي لا يزال يقصده الزوار من كل مكان. على قبره كتبوا: "لا تبحث عن قبرنا في الأرض، قبرنا في قلوب العارفين". مع أن القبر موجود ومكتوب عليه اسمه وتاريخ ميلاده ووفاته.

الفقهاء لم يسكتوا عنهم. قال بعضهم إن الرقص في المساجد بدعة، وإن آلات الطرب حرام، وإن تعظيم الشيخ شرك. ابن تيمية وصفهم بأنهم من أضل أهل الأرض.

حمى السلاطين العثمانيون المولوية لأنهم كانوا يحتاجون إلى من يهدئ ثورات الفقراء، ومن يعلّم الجنود كيف يموتون بضحكة. شمس علّم الرومي كيف يفقد عقله، والرومي علّم الدراويش كيف يفقدون أوزانهم، والسلطان علّم الجميع كيف يُبقون على كرسيه.

أحب العثمانيون المولوية لأنها تقدم بديلاً للفقهاء الذين كانوا يضايقونهم بالأسئلة. بنوا لهم التكايا، وأوقفوا عليها الأموال، وجعلوا شيخ المولوية يجلس إلى جانب الوزير في المناسبات. في المقابل كانت المولوية تنتج خطاباً يبرر السلطة ويحث على الطاعة. درويش يدور لا يهدد العرش، ودرويش يرقص لا يكتب بيانات سياسية. كفّرهم الفقهاء وحماهم السلاطين. لعبة توازنات استمرت خمسة قرون.

اليوم، لا تزال قونية تستقبل زواراً في ديسمبر من كل عام. يأتون من كل مكان لمشاهدة الدراويش وهم يدورون في متحف تحولت إليه التكية. يدفعون ثمن التذكرة، ويجلسون في مقاعد مريحة، ويصوّرون بالمحمول. بعد انتهاء العرض يصفقون ثم يذهبون إلى مطعم قريب لتناول الغداء.

الدراويش الحقيقيون ماتوا أو اختبأوا أو صاروا مؤدين بأجر. الرومي نفسه تحوّل من صوفي ثائر إلى شاعر رومانسي تُباع كتبه في المطارات. الناي الذي كان يبكي فراق الشام صار الآن آلة تصوير.

وفي مكان ما، شمس التبريزي يضحك. كان يعرف أن كل ثورة دينية تنتهي هدية تذكارية. قال للرومي ذات ليلة: لا تصنع مني طقساً، فسوف يتحول الطقس إلى فولكلور، والفولكلور إلى تجارة، والتجارة إلى صفقة. الرومي لم يسمعه، أو سمعه لكنه نسي. كان مشغولاً بالدوران.

الكلمات الدلالية