الثلاثاء 21 يوليو 2026

دخول محراب التاريخ

دخول محراب التاريخ وتعاطي الكتابة فيه ليس بالأمر الهين، فالتاريخ يعني حياةً ومعارك وصراعات جرت لفترات خلت لشعوب تركت بصماتها. وليس من السهل لغير ذوي الشأن والمختصين الولوج إليه والبحث فيه، ومن ثم إعداد وثائق تعيد سرد ما حدث، تأكيدًا أو نفيًا.

التاريخ ليس مهمة يكتبها المنتصرون، ولا من على شاكلتهم ممن خسروا الحرب؛ فهنا ستبدو كتابة التاريخ متحيزة، لا يُعتد بها كشهادة تشكل مرجعًا موثوقًا. إن كتابة التاريخ أبعد وأعمق، ومن يجرؤ على اقتحامها لا بد له من امتلاك خلفية منهجية ذات طابع موضوعي، وأرضية خصبة مليئة بالمعلومات المؤكدة التي لا يطالها الشك.

فحين يغامر مؤرخ مشهود له، لا منتحل لصفة لا يمتلكها، لينجز عملاً يتسم بالرصانة والموضوعية والتوثيق المدقق، فإن تلك هي المغامرة التي تنتظر من يقتحم محراب التاريخ ليأتي بجديد يضيفه.

أقول هذا الكلام وأنا أتصفح بعناية ومسؤولية كتاب السيدة الفاضلة، الأخت الدكتورة أستاذة التاريخ سعاد عقلان العلس. حين أهدتني كتابها الحامل عنوان «نساء عدن: تنوير وتحرير»، أدركت جسامة الإهداء وما يترتب عليه؛ لذا حرصت على التصفح المتأني لمحتويات الكتاب.

وقد وقفت، وأنا أتابع تفاصيل أجزاء الكتاب، على مدى الجهد المبذول والطموح لإنجاز يضيف جديدًا، وهي إشارة وردت في تقييم من كتب مقدمة الكتاب، الدكتور عبد الحسين شعبان، حيث أكد قائلاً: «حسب علمي فإن الكتاب أول بحث شامل وجاد لتاريخ الحركة النسائية بفسيفسائها الاجتماعية وموزاييكها الثقافي ومصادرها المتنوعة».

وهي شهادة من موقع ورمز ثقافي وعلمي يمتلك ناصية أن يقرر أمرًا كهذا. وذلك يؤكد أن مهمة الأخت سعاد لم تكن سهلة، ويتوجب توجيه الشكر لها على هذا الإنجاز، خاصة وقد اختارت لكتابها عنوانًا بديعًا: «نساء عدن: من التنوير إلى التحرير».

كانت، بعمقها الفكري، متأكدة بأن مهمة التحرير بحاجة إلى مقدمة ودفع قوي للانطلاق؛ لذا كان التنوير أولًا سبيلًا للتحرير.

الكتاب من القطع الكبير، ويتكون من مفتتح يحمل عنوان الإهداء التالي:

«الإهداء إلى وطني، ذاك القائم بقلبي ثابتًا أبدًا، لا يميل المائل عليه بانحراف كل الزوايا».

وهو إهداء بليغ له صلة بالمهمة المغامرة التي أقدمت عليها دكتورتنا العزيزة. هذه المغامرة التي أثنى عليها أستاذ جليل مقتدر ومتمكن هو الدكتور عبد الحسين شعبان، أستاذ ومفكر عراقي، من خلال فقرات مقدمته الرائعة؛ إذ رأى أن الكتاب تحصيل جهد ومثابرة، لم تسلك كاتبته الطريق السهل، بل اجتازت مغامرة غادرت من خلالها واحة المعتاد، وحفرت في أخاديد معترك البحث لكشف كل ما هو غير ظاهر أو معلوم، بلغة راقية وقلم يسيل منه حبر الأديب.

كما أشار الدكتور شعبان، وهو ما وقفت عليه وأنا أتابع وأقلب الفصول تباعًا. وكما قالت الباحثة الدكتورة سعاد، فقد قررت الخوض في طريق الصعاب، لتطلق سهامًا حادة صوب أعماق جدران الزمن، باحثة عما لم يُكتب من قبل أو لم تُسلَّط عليه الأضواء كما ينبغي.

يتكون الكتاب من ستة فصول، إضافة إلى إهداء الكاتبة المذكور أعلاه، ثم مقدمة رائعة للمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان من العراق الشقيق.

وقد أضافت الأستاذة سعاد، في مفتتح الكتاب، فقرة كان لا بد منها للتعريف بمكانة وتاريخ مدينة عدن، مستقاة بعناية من مرجعية تاريخية موثوق بها، هي المؤرخ الراحل الأستاذ عبدالله محيرز.

ويأتي الكتاب والتعليق عليه تزامنًا مع ما تشهده هذه المدينة من أحداث، وما يعتمل فيها من تفاعلات سياسية تعيد إلى الواجهة جوهر دور هذه المدينة التي تحملت عبء أزمان متعاقبة، دافعة أثمانًا باهظة لتؤكد، ويؤكد التاريخ معها، مكانة ودور هذه المدينة التي كانت وما تزال رائدة للتنوير، رغم ما أصيبت به من نكسات دامية.

يتبع...