من سفر وفاء المناضل البيض
عندما تعيّن المناضل الفقيد علي سالم البيض، أحد قادة الجبهة القومية لتحرير الجنوب، في إطار أول حكومة بعد إعلان الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م كوزيرٍ للدفاع، انتابته حيرة شديدة لعدم توفر ملابس وحذاء يوم اللقاء مع الرئيس المناضل قحطان الشعبي لأداء اليمين؛ إذ لم يكن يمتلك حذاءً (أعزكم الله)، ولا كانت لديه ملابس مناسبة.

وعندما علم المناضل التقدمي الكبير، عضو قيادة الجبهة القومية، الشهيد عبدالقادر سعيد أحمد طاهر بهذا الأمر — وهو الذي، بالمناسبة، كان قد رفض ورفاقه المناضلان سلطان أحمد عمر وعبدالله أحمد الوصابي حقيبتين وزاريتين — تحرّك للمساعدة.
كان والدي، رحمه الله، من أصدقائه ورفاقه. وقد طلب عبدالقادر من والدي التوجه إلى منزل المناضل البيض لتسليم رسالة وملابس مغلقة، وكان منزل البيض — إن لم تخنّي الذاكرة — في منطقة خور مكسر، بينما كان والدي في منطقة الخساف. وباعتباره مشغولًا بالدكان الذي يعمل به، كلّفني بإيصال رسالة المناضل عبدالقادر.
وصلت إليه في حدود الساعة السابعة والنصف مساءً، في تلك الليلة التي كان صباحها سيؤدي اليمين كوزير للدفاع. سلّمته الرسالة الخطية المكتوبة بسطور محدودة، فطار البيض من الفرح، وطلب مني الجلوس في الديوان بعد تسلّمه كيس الملابس والحذاء.
دخل بدوره إلى الغرفة الداخلية، وبدّل ملابسه، ثم خرج إلى المكان الذي كنت فيه، وقال: «ما رأيك يا ولد أحمد؟». قلت له: «اسمي ناشر، وأبي أحمد، لكنه مشغول بالدكان، وهو يعرفك ويبلغك السلام. لكن سبحان الله، عمي عبدالقادر كأنه اشترى الملابس والحذاء لك، وليس له».

كنت على عجل من أمري، وعلى وجل من التأخير بسبب تحذيرات والدي، لكنه أصرّ، وحلف عليّ أن أبقى للعشاء. وبالفعل، وصلت إلى والدي، رحمه الله، متأخرًا، فقلت له: «يا والدي، لا تخف، صرت شابًا ورجلًا شجاعًا وفدائيًا معروفًا».
في اليوم التالي، حصلنا على صور للبيض عند المناضل عبدالقادر سعيد، وهو في أجمل حلة. وعند المساء، التقينا به في منزل عبدالقادر، وكان منشرحًا ومرتاحًا لفعل المناضل عبدالقادر سعيد، الذي كان على عجلة من أمره ليتوجه مع مجموعة من الشباب الطلاب إلى صنعاء للتسجيل والمساهمة في المقاومة الشعبية.
أصرّ وزير الدفاع البيض على دعوته لليوم التالي، وطلب من عبدالقادر تحقيق رغبته، لكن المناضل عبدالقادر اعتذر؛ كونه قد رتّب مع الشباب التوجه إلى صنعاء في الغد.
وحين عاد عبدالقادر إلى عدن في العام 1969م، التقى بالبيض، وظلت علاقتهما تتزايد وتكبر. ولما عاد إلى تعز مع والده وعمه د/ قائد أحمد طاهر في مطلع السبعينيات، ظل التواصل بينهما قائمًا.
وفي عام 1974م، وتحديدًا في 18/5/1974م، ذهب المناضل عبدالقادر إلى مستشفى جبلة المعداني لتلقي العلاج إثر وعكة صحية ألمّت به. لكن المخابرات المركزية الأمريكية كانت مترصدة له؛ فبمجرد أن التقى بالطبيب — المخبر — الذي قام عنوة بشفط السوائل من جسده، لقي حتفه، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، رحمه الله.
ولما بلغ المناضل البيض خبر استشهاد الشهيد عبدالقادر سعيد، حزن حزنًا شديدًا، وخرج بنفسه لترتيب جنازة رمزية لرفيقه، وتقدم مسارها، حيث خرج معه معظم سكان عدن. وكانت جنازة كبيرة ومؤثرة، بحكم علاقة الشهيد الوطيدة بزملائه في الجبهة القومية وكثير من أبناء عدن، وما كان يتمتع به من تواضع وأخلاق رفيعة. وفي الوقت نفسه، كانت هناك جنازة حقيقية كبيرة في مدينة تعز.
وعندما التقى البيض بالرئيس صالح في 30 نوفمبر 1989م، اتفق معه على أن يكون يوم إعادة تحقيق وحدة الوطن وقيام الجمهورية اليمنية في 18 مايو 1990م. وعند سؤاله عن أهمية هذا التاريخ تحديدًا، ذكر أنها ذكرى استشهاد المناضل الشهيد عبدالقادر سعيد أحمد طاهر، لكن وبفعل ضرورة استكمال الإجراءات الأمنية، تأخر الموعد إلى 22 مايو 1990م.
وخلال الفترة الواقعة بين 1974م و1989م، كان البيض قد منح الرفيق الشهيد عبدالقادر العديد من الأوسمة والجوائز والشهادات التقديرية.
وعند زيارتنا، مع العديد من الرفاق في الجبهة الوطنية والحزب الاشتراكي، إلى مقر البيض في صنعاء، ألقى كلمة ضافية في الحضور، تضمنت مواقف الشهيد عبدالقادر وجملة الخصائص التي كان يتحلى بها.
رحم الله المناضل علي سالم البيض، والرحمة تغشى الشهيد عبدالقادر سعيد، ولروحهما السلام والسكينة والاطمئنان في الجنة. تلك هي بعض من صفات وفاء الفقيد البيض لرفاقه.
أصرّ وزير الدفاع البيض على دعوته لليوم التالي، وطلب من عبدالقادر تحقيق رغبته، لكن المناضل عبدالقادر اعتذر؛ كونه قد رتّب مع الشباب التوجه إلى صنعاء في الغد.
وحين عاد عبدالقادر إلى عدن في العام 1969م، التقى بالبيض، وظلت علاقتهما تتزايد وتكبر. ولما عاد إلى تعز مع والده وعمه د/ قائد أحمد طاهر في مطلع السبعينيات، ظل التواصل بينهما قائمًا.
وفي عام 1974م، وتحديدًا في 18/5/1974م، ذهب المناضل عبدالقادر إلى مستشفى جبلة المعداني لتلقي العلاج إثر وعكة صحية ألمّت به. لكن المخابرات المركزية الأمريكية كانت مترصدة له؛ فبمجرد أن التقى بالطبيب — المخبر — الذي قام عنوة بشفط السوائل من جسده، لقي حتفه، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، رحمه الله.
ولما بلغ المناضل البيض خبر استشهاد الشهيد عبدالقادر سعيد، حزن حزنًا شديدًا، وخرج بنفسه لترتيب جنازة رمزية لرفيقه، وتقدم مسارها، حيث خرج معه معظم سكان عدن. وكانت جنازة كبيرة ومؤثرة، بحكم علاقة الشهيد الوطيدة بزملائه في الجبهة القومية وكثير من أبناء عدن، وما كان يتمتع به من تواضع وأخلاق رفيعة. وفي الوقت نفسه، كانت هناك جنازة حقيقية كبيرة في مدينة تعز.
وعندما التقى البيض بالرئيس صالح في 30 نوفمبر 1989م، اتفق معه على أن يكون يوم إعادة تحقيق وحدة الوطن وقيام الجمهورية اليمنية في 18 مايو 1990م. وعند سؤاله عن أهمية هذا التاريخ تحديدًا، ذكر أنها ذكرى استشهاد المناضل الشهيد عبدالقادر سعيد أحمد طاهر، لكن وبفعل ضرورة استكمال الإجراءات الأمنية، تأخر الموعد إلى 22 مايو 1990م.
وخلال الفترة الواقعة بين 1974م و1989م، كان البيض قد منح الرفيق الشهيد عبدالقادر العديد من الأوسمة والجوائز والشهادات التقديرية.
وعند زيارتنا، مع العديد من الرفاق في الجبهة الوطنية والحزب الاشتراكي، إلى مقر البيض في صنعاء، ألقى كلمة ضافية في الحضور، تضمنت مواقف الشهيد عبدالقادر وجملة الخصائص التي كان يتحلى بها.
رحم الله المناضل علي سالم البيض، والرحمة تغشى الشهيد عبدالقادر سعيد، ولروحهما السلام والسكينة والاطمئنان في الجنة. تلك هي بعض من صفات وفاء الفقيد البيض لرفاقه.