الحـ ـ وثية وآليات إنتاج المعنى
تعمل الجماعات الأيديولوجية داخل المجتمعات لا من منطق احتكار القوة والسلطة فحسب، ولا عبر ربط الولاءات الجماعية بالمصالح المادية وحدها، بل من خلال الاشتغال داخل الحقول الرمزية والمعنوية للمجتمع والسعي إلى إعادة تنظيمها واحتكارها. فهي لا تكتفي بإنتاج الخطاب السياسي، بل تعمل على بناء منظومات رمزية تُنتج "المعنى" لدى الأفراد، وتعيد تعريف مفاهيم مثل الكرامة والانتماء والاعتراف، بحيث تصبح مرتبطة بإطارها هي.
فالإنسان في هذا السياق لا يتحرك بدافع الحاجة المادية المباشرة فقط، بل يبحث أيضًا عن معنى لوجوده، وعن اعتراف بقيمته، وعن انتماء إلى سردية جماعية تمنحه موقعًا.
ومن هنا تمثل الحاجة إلى الكرامة والاعتزاز والاعتراف والانتماء إحدى أكثر الحاجات تأثيرًا في تشكيل السلوك الفردي والجمعي. إذ لا يمكن النظر إلى الجماعات الأيديولوجية بوصفها مجرد فاعل سياسي يسعى إلى السلطة أو النفوذ، بل بوصفها بنى تعمل على إنتاج المعنى وإدارة الحاجات المعنوية وإعادة توزيع الاعتراف داخل المجتمع والاعتراف هنا يُقصد به العملية الاجتماعية الرمزية التي يتم من خلالها منح الفرد الشرعية لوجوده داخل المجتمع.
في هذا الإطار يمكن مقاربة الجماعات الأيديولوجية السياسية لا بوصفها جماعات سياسية أو عسكرية فحسب، بل بوصفها منظومة تعمل على تقديم نفسها كمصدر للقيم العليا. فهي تعيد إنتاج نفسها بوصفها إطارًا لإنتاج المعنى وإدارة الاعتراف الرمزي داخل المجال المجتمعي، بحيث لا تُطرح هذه القيم بوصفها قيمًا عامة، بل بوصفها قيمًا تتجسد وتكتسب معناها داخل إطار الانتماء للجماعة، وهكذا يتحول الاعتراف والمعنى والرمز إلى مورد يُعاد توزيعه عبر بوابة الانتماء إلى هذه الجماعات.
إن مقاربة جماعة الحوثيين وفق هذا الإطار يقوم على اعتبارها جماعة إيديولوجية لا تعمل على تعزيز قدراتها في امتلاك أدوات الإكراه، بل في قدرتها أيضًا على احتكار مصادر الاعتزاز والكرامة والانتماء، وربطها بمنظومتها الرمزية عبر سرديات وقيم تقوم على المقاومة والصبر والتضحية، بحيث تتحول هذه القيم إلى معانٍ لا تُكتسب إلا داخل إطارها الخاص.
ولا تعمل الجماعة فقط على تعبئة الحاجات المعنوية القائمة، بل تسهم أيضًا في إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية نفسها بحيث تصبح هذه الحاجات أكثر إلحاحًا وأكثر اعتمادًا على الموارد الرمزية التي تحتكرها هي. أي إن الهيمنة هنا لا تتجلى في إنتاج المعنى فحسب، بل في إعادة تنظيم شروط الحاجة إليه، بحيث تتقلص البدائل الرمزية المستقلة ويزداد الاعتماد على مصدر واحد للاعتراف والكرامة، وهو ما يتجلى في إنتاج صورة المجال العام بوصفه مجالًا مهزومًا محليًا، مقابل خطاب انتصار رمزي على المستوى الخارجي والإقليمي.
تعمل الجماعة داخل مجال عام هش يتسم بتراجع فاعلية القوى السياسية وتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية واتساع دوائر الفقر والبطالة وضعف الإنتاج المعرفي. وفي مثل هذا السياق تتنامى لدى قطاعات واسعة من المجتمع، الفئات الشابة بشكل أخص الحاجة إلى مصادر بديلة للمعنى والاعتراف والانتماء. ومع تراجع قدرة المؤسسات السياسية والاجتماعية التقليدية على تمثيل هذه الحاجات، تتقدم الجماعة بخطاب تعبوي قادر على تقديم إجابات جاهزة عن أسئلة الهوية والكرامة والغاية، مستفيدة من غياب المشاريع القادرة على إنتاج معنى جمعي بديل.
يمكن فهم آليات إنتاج المعنى وإدارة الحاجات المعنوية للجماعة من خلال آلية الاشتغال الجمعي على مستويين متداخلين محلي وإقليمي فعلى المستوى المحلي، تعمل الجماعة على ربط قيم الاعتزاز والكرامة والمقاومة والصمود بذاتها، بحيث تصبح هي الوسيط الذي يمر عبره المعنى والاعتراف. وكلما ضعفت مصادر الاعتزاز المستقلة خارجها، ازدادت قدرتها على احتكار هذا الدور، ليس فقط عبر الخطاب، بل عبر إعادة تنظيم المجال الرمزي بحيث تُعاد صياغة هذه القيم داخل إطارها بوصفها المصدر الأكثر حضورًا وفاعلية في تمثيلها.
أما على المستوى الإقليمي، فيمكن ملاحظة آلية بنيوية مشابهة تتخذ شكلًا أوسع وأكثر تجريدًا. فغياب مشروع عربي جامع قادر على إنتاج سردية كبرى وحالة قومية للتمسك بها أو للاعتزاز والفاعلية التاريخية خلق فراغًا في المجال الرمزي العربي، وهو فراغ لا يقتصر على البعد السياسي بل يمتد إلى مستوى التمثيل المعنوي للذات الجمعية، وفي هذا السياق، تتقدم قوى إقليمية أخرى "إيران نموذجًا" بتقديم نفسها بوصفها حاملًا لقيم المقاومة والمواجهة والكرامة، بغض النظر عن طبيعة مشاريعها الفعلية أو حدود أهدافها السياسية، وهو ما يعكس إعادة توزيع أوسع لمصادر إنتاج المعنى في الفضاء الإقليمي، ويكشف اسباب تنامي الخطابات العربية المؤيدة للمشاريع الكبرى البديلة حتى وإن كانت قادمة من خارج بيئته الأصلية.
وتقوم العلاقة بين الحوثية والمشروع الإيراني على مستوى موازٍ من الاشتغال الرمزي، لا يقتصر على البعد السياسي أو الأيديولوجي، بل يمتد إلى بنية إدارة الحاجات المعنوية ذاتها. فالأولى تسعى إلى احتكار الاعتراف داخل المجال المحلي، بينما يسعى الثاني إلى اكتساب الشرعية والتمثيل داخل المجال العربي والإسلامي الأوسع عبر تقديم نفسه مصدرًا للمعنى والاعتزاز الجمعي. وفي هذا السياق لا تبدو العلاقة بينهما علاقة تبعية مباشرة بقدر ما هي تقاطع وظيفي في آليات إنتاج المعنى وتوزيع الاعتراف، حيث تتكامل مستويات الاشتغال بين المحلي والإقليمي ضمن بنية أوسع لإعادة تشكيل المجال الرمزي العربي والإسلامي، بحيث يُعاد تعريف مفاهيم مثل المقاومة والكرامة والفاعلية التاريخية داخل شبكات مختلفة من التمثيل الرمزي، تتباين في نطاقها لكنها تتقاطع في منطقها البنيوي القائم على احتكار مصادر المعنى وإعادة توجيهها.
ومن خلال هذه المقاربة، لا تقتصر الدراسة على تحليل الحالة الحوثية المحلية، بل تسعى إلى فهم آليات أوسع تتعلق بكيفية تشكل الهيمنة الرمزية، وكيف تنجح بعض المشاريع الأيديولوجية في ملء الفراغات المعنوية التي تتركها المؤسسات الوطنية أو المشاريع الجامعة عندما تعجز عن إنتاج معنى مشترك وقادر على الاستمرار.
ولا تقتصر فاعلية الجماعة على استثمار حالة الانهيار الاجتماعي والاقتصادي فحسب، بل تتجلى كذلك في قدرتها على تحويل هذه الحالة إلى بيئة مواتية لإعادة تنظيم الحاجات المعنوية داخل المجتمع. فكلما اتسعت مشاعر العجز والتهميش وفقدان الفاعلية، ازدادت قابلية الأفراد للبحث عن مصادر بديلة للاعتراف والكرامة، وهنا تتقدم الجماعة لتقديم نفسها بوصفها الحامل الأبرز لقيم البطولة والصمود والمقاومة والانتماء.
إن فهم آليات عمل الجماعات الأيديولوجية لا يقتصر على تحليل أدوات القوة أو الإكراه، بل يتطلب تحليل بنية أعمق تتعلق بكيفية إنتاج الحاجة ذاتها، وإعادة تشكيل شروط تحققها داخل المجتمع وتوجيهها.
ــــــــــــــــــــ
- مفهوم الاعتراف إلى أكسل هونيث في تصوره للصراع الاجتماعي بوصفه صراعًا من أجل الاعتراف، كما طوّره في أدبيات النظرية النقدية المعاصرة (انظر: مذكرة ماستر حول الاعتراف، جامعة قالمة: - أما مفهوم الهيمنة أو السلطة الرمزية فيتأسس عند بيير بورديو بوصفه قدرة البنى الرمزية على فرض المعنى وإعادة إنتاج علاقات القوة بصورة غير مرئية، انظر: دراسة حول السلطة الرمزية وفرض الهيمنة عند بورديو ()
