صنعاء 19C امطار خفيفة

بين الردع والتهدئة: ماذا يعني وصول القوة الجوية الباكستانية إلى السعودية للملف اليمني؟

إعلان وزارة الدفاع السعودية عن وصول قوة جوية باكستانية إلى قاعدة الملك عبدالعزيز في المنطقة الشرقية، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإقليمي، وتحديدًا تطورات الملف اليمني، الذي لايزال يشكّل إحدى أبرز بؤر التوتر في المنطقة رغم المساعي المستمرة للتهدئة.

فعلى مدى الأشهر الماضية، شهدت الساحة اليمنية حالة من "اللاحرب واللاسلم"، إذ تراجعت وتيرة العمليات العسكرية المباشرة مقابل تصاعد التهديدات غير التقليدية. وفي هذا السياق، يشير مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، في أكثر من إحاطة، إلى أن "اليمن لايزال يعيش هدنة هشة مع خطر دائم بالانزلاق إلى التصعيد في أية لحظة"، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة الحالية كمرحلة إدارة صراع أكثر من كونها حلًا نهائيًا له.
وفي هذا الإطار، يأتي تعزيز التعاون العسكري بين السعودية وباكستان كجزء من إعادة ترتيب أدوات الردع، وليس بالضرورة تمهيدًا لتصعيد عسكري واسع. فوفق تقارير فريق الخبراء المعني باليمن، فإن "تطور قدرات الجماعات المسلحة في استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى غيّر من طبيعة التهديدات في اليمن والمنطقة"، وهو ما يفسر توجه السعودية نحو رفع كفاءة منظوماتها الدفاعية.
من زاوية يمنية، يمكن فهم هذه الخطوة باعتبارها رسالة مزدوجة. فمن جهة هي رسالة ردع موجهة إلى جماعة الحوثيين، مفادها أن السعودية لاتزال قادرة على تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية. ومن جهة أخرى، هي رسالة غير مباشرة تدعم المسار التفاوضي، عبر رفع سقف الضغط العسكري بشكل محسوب. وفي هذا السياق، يؤكد مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، أن "استدامة التهدئة تتطلب بيئة أمنية مستقرة وإجراءات لبناء الثقة"، وهو ما قد يشمل تعزيز القدرات الدفاعية كجزء من معادلة الردع.
كما أن إدخال طرف مثل باكستان في معادلة التعاون العسكري يعكس تحولًا في مقاربة السعودية للملف اليمني. وهذا التحول يتقاطع مع ما أشار إليه تقرير هيومن رايتس ووتش، الذي أكد أن "استمرار النزاع في اليمن مرتبط بتشابك العوامل المحلية والإقليمية، ما يجعل أي تحرك عسكري جزءًا من سياق أوسع من التوازنات السياسية".
في المقابل، لا يمكن إغفال أن هذه الخطوة قد تُقرأ من قبل الحوثيين وحلفائهم كتصعيد غير مباشر، ما قد يدفع إلى إعادة تفعيل أدوات الضغط، خصوصًا في البحر الأحمر. وهو ما يتسق مع تحذيرات برنامج الغذاء العالمي، الذي أشار إلى أن "أي تصعيد جديد في اليمن أو محيطه الإقليمي ستكون له تداعيات إنسانية فورية على ملايين اليمنيين".
ومع ذلك، يبدو أن السعودية تسير في مسار مزدوج: الحفاظ على قنوات التهدئة مفتوحة، وفي الوقت ذاته تعزيز موقعها التفاوضي عبر رفع مستوى الجاهزية العسكرية. هذا التوازن يعكس إدراكًا متزايدًا، كما تشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن "الحل في اليمن لن يكون عسكريًا، بل عبر تسوية سياسية مدعومة بتوازنات ردع تمنع الانهيار".
في المحصلة، فإن وصول القوة الجوية الباكستانية لا يمثل مجرد خطوة عسكرية تقنية، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة في إدارة الملف اليمني، عنوانها: "تعزيز الردع دون الانزلاق إلى الحرب". وهي معادلة دقيقة، ستظل نتائجها مرهونة بقدرة الأطراف على موازنة القوة مع فرص التسوية، في واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيدًا.

الكلمات الدلالية