شبام.. انهيار منزل طيني يعيد التحذير من مخاطر تهدد "مانهاتن الصحراء”
مدينة شبام ـ علاء عسكول
في الثالث عشر من يناير الماضي، انهار منزل طيني في مدينة شبام التاريخية بمحافظة حضرموت، في حادثة أعادت تسليط الضوء على هشاشة البنية العمرانية لواحدة من أبرز المدن الأثرية في اليمن، والمدرجة على قائمة التراث العالمي منذ ثمانينات القرن الماضي، قبل أن تُصنف مؤخراً ضمن قائمة المواقع المهددة بالخطر.
ورغم أن الحادثة لم تسفر عن خسائر بشرية، إلا أنها أثارت مخاوف جدية بشأن سلامة المدينة، التي تُعد نموذجاً فريداً للعمارة الطينية العمودية، حيث تضم أكثر من 465 مبنىً متلاصقاً، يتراوح ارتفاع معظمها بين خمسة وثمانية طوابق، ما أكسبها لقب "مانهاتن الصحراء".

خلل تحت الأرض
مصادر فنية ومحلية أكدت لـ«النداء» أن التحقيقات التي أعقبت الحادثة كشفت عن سبب غير ظاهر للعيان، تمثل في تسرب مياه من شبكة الشرب الممتدة تحت الأرض، أدى مع مرور الوقت إلى تشبع التربة بالرطوبة وظهور تشققات في الجدران، قبل أن تنهار أساسات المنزل بشكل كامل.
وبحسب المصادر، باشرت الفرق الهندسية التابعة للهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية، في الـ 17 من يناير الماضي، أعمال كشف ميداني شملت رفع أحجار الرصف في محيط المنزل، حيث تم تتبع مسار التسرب المائي الذي ظل لفترة دون معالجة، قبل أن يتسبب في الانهيار.

مدينة تنخرها التهديدات
لا تبدو هذه الحادثة معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من التحديات التي تواجه المدينة، حيث تتداخل عوامل طبيعية وبشرية في تهديد بنيتها الهشة، بدءاً من تغيرات المناخ وما تسببه من أمطار غزيرة ورطوبة، وصولاً إلى الإهمال في صيانة البنية التحتية، وتداعيات الحرب التي أثّرت على قدرات الحماية والترميم.
وخلال السنوات الـ15 الأخيرة، تعرضت المدينة لعدة انهيارات جزئية في منازلها وسورها التاريخي، ما دفع منظمة اليونسكو، في عام 2015، إلى إدراج شبام ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، مشيرة إلى أن النزاع في اليمن فاقم من التحديات التي تعيق جهود الحفاظ على هذا الموقع الفريد.
إجراءات إسعافية
عقب الانهيار، نفذت السلطات المحلية في مديرية شبام، بالتنسيق مع الهيئة العامة للمدن التاريخية، إجراءات عاجلة لتأمين الموقع، شملت إزالة الأجزاء المعلقة من المبنى المنهار، وفتح مساحات فاصلة بينه وبين المنازل المجاورة، لتقييم الأضرار ومنع أي انهيارات محتملة، خصوصاً أن الموقع يقع في شارع عام مكتظ بالحركة.

كما تم إعداد تقرير فني شامل يتضمن أسباب الانهيار وخطة المعالجة، بما في ذلك إعادة بناء المنزل وفق تقنيات البناء الطيني التقليدي، والتدخل لمعالجة الأضرار التي طالت مبنى مقابلاً. وجرى رفع التقرير إلى منظمة اليونسكو لطلب دعم عاجل، فيما لا تزال الجهات المحلية بانتظار الرد للشروع في أعمال الترميم.
وفي سياق استجلاء الموقف الرسمي، حاولت «النداء» التواصل مع سفير اليمن لدى منظمة اليونسكو الدكتور محمد جميح، للوقوف على طبيعة الإجراءات التي تم اتخاذها أو المزمع اتخاذها لحماية مدينة شبام، غير أن الصحيفة لم تتلقَّ أي رد حتى لحظة إعداد ونشر هذا التقرير.
دعوات لإنقاذ المدينة قبل فوات الأوان
في المقابل، يحذر سكان المدينة من تكرار مثل هذه الحوادث، مؤكدين أن المشكلة تتجاوز حادثة منزل واحد، لتطال منظومة متكاملة من الإهمال، خاصة في ما يتعلق بفحص وصيانة شبكات المياه والصرف الصحي المدفونة تحت الرصف الحجري.
ويطالب الأهالي ببرامج صيانة دورية، ومسح شامل للبنية التحتية، إلى جانب تدخل عاجل لحماية المدينة التي تتميز بتخطيط معماري فريد، يتجلى في تلاصق مبانيها ووجود بوابة رئيسية تاريخية كانت تستخدم للتحكم في الدخول والخروج.
تراث مهدد بالاندثار
تكشف حادثة انهيار المنزل في شبام عن خلل عميق في معادلة الحفاظ على التراث، حيث تتطلب المدينة توازناً دقيقاً بين صون طابعها المعماري التقليدي، وتحديث بنيتها التحتية بشكل يضمن استدامتها.
وفي ظل استمرار التهديدات الطبيعية والبشرية، تبدو "العالية" - كما يسميها سكانها - أمام اختبار حقيقي، فإما أن يتم انقاذها بتدخلات عاجلة ومدروسة، أو تواجه خطر فقدان جزء من هويتها التاريخية التي صمدت لقرون.