صنعاء 19C امطار خفيفة

عود على بدء: مشاقر على خدودهن كأنها شهقة الفجر!!

عود على بدء: مشاقر على خدودهن كأنها شهقة الفجر!!

لماذا المشاقر؟

كتبت أروى عثمان تقول:

حتى لا نتحول إلى دود حيات أُخر، وحتى لا نصير عورات متناسلة، حتى لا يتواصل مسلسل الكتمة بلا نهاية، وحتى لا تختفي ألواننا، ولا تنعدم روائحنا، وتتسيد سماواتنا وأرضنا رائحة العورات.

مشاقر: آلهات الخصب، من نبات وماء وهواء وشمس وطين، آلهات من حماحم الريحان، الأُزًاب والأثلان، الفل والكاذي، الزبودة، والوالة، الشذاب، والمشموم والورود (المطابق). هذه هي المشاقر، الاحتفاء بخصب الألوان والرائحة والأوداج والخدود، تورد الوجوه.
"مشاقر" لوحة لا يستقيم الوجود إلا بها، بتشكلاتها اللونية، بروائحها المختلفة العابرة للمكان والزمان. فاللون الواحد للحطب والأشواك لا يخلف إلا الدم والحرق والرماد…
وهذا ما لا تعرفه المشاقر.
قالت الشاعرة إليزابيث باريت: "اجعل حبك أكبر لتكبر قيمتي". وقيمتنا، رجل وامرأة، أن نحب لتكبر قيمتنا معًا، ولبعضنا البعض. هكذا تقول المشاقر…
لماذا المشاقر؟
كانت الفكرة - الحلم الذي حاولت بعناء وكد التوفر على بوابة لتنفيذه، منذ عقد من الزمان، قبل أن يتأسس بيت الموروث الشعبي بكثير، أي منذ أن بدأت ألعب كاميرا. كانت كاميرتي الصغيرة البدائية للغاية تلتقط الوجوه في الريف والمدينة.
ومن يومها وحتى اليوم لم أعثر على إجابة:
كيف تأسرني الوجوه بعيونها، طفولتها، تجاعيدها، بخط واشتعال الشيب فيها؟ عندما كانت عدستي تلتقط وجوه الشاقر، تنتابني هواجس عارمة تتنامى حد الخوف في داخلي، الذي يكبر يومًا بعد يوم.. لماذا؟
لأن المشاقر التي رأيتها في حينا ب"سوق الصميل - " تعز، لم تعد هناك، ولم تعد تزين خدود ووجوه وجباه النساء، وتوارت عن النظر جل الوجوه والجباه: المشاقر.
واللواتي ممن تشقرن - تُزَيَّن بالمشاقر، ترى أين ذهبن؟
أين تلك الأوداج التي طالما فاحت فيها رائحة الحبق؟
واعترتني حمى التقاط ما تبقى، تحت ضغط يصل حد الهلع، الإحساس المؤلم والفاجع أني سوف ألتقط اليوم وجهها، وغدًا لن أراه، وإن لمحته وغامرت بتوجيه المتواضعة لالتقاطه، فمن يضمن ألا تنهمر على وجهي ورأسي الشتائم والرمي بالحجارة، لأن الصورة أصبحت "حرام" بعد أن كانت مثيرة للهوس، وكنّ المشقرات يتسابقن عليها.
ويغص في النفس والحلق حين تتلطف إحداهن وتوافق على التصوير، تشترط أن أعمل شخطًا على رقبتها، كعلامة أني قمت بذبحها حتى لا تكون صورة ناطقة، وحتى لا تتحول إلى صنم، لأن الصورة حرام.
وتعاظم خوفي؛ لأن دائرة التحريم لم تستأصل الصورة فحسب، وإنما استأصلت حياتنا.
ولست في وارد الإعلان عن اكتشاف فاجع إن قلت إن حجب وإقصاء واستئصال المشاقر وتمويتها كان وما زال، بمثابة إعلان الموت علينا وفينا، وحذف اللوحة والرائحة.
تتذكر عدستي - أنا - من ابتسمت في وجهي: الكاميرا ذات يوم، ومن ألحت على أن أصورها بأحلى مشقر، وهن كثر، هي اليوم، أكانت في الريف أو المدينة، تنتفض في وجهك وتقول: لا، حرام، عيب، سندخل النار!
النار والحرام، والعيب، والدنس، لا تعرفها مشاقر بلادي في الأمس القريب.
اليوم، وبعد أن صارت المشاقر "حرام"، ومعها الفرح، المرح والجمال والحياة، وكل محمولات "المشقر"، وبعد أن أصبحنا مذعورين من أن نصحو ذات يوم والبلاد بلا مشاقر، وليس فقط في سوق الصميل.
واليوم، لكل ما سلف، كانت تظاهرة المشاقر "الأنوثة المنتهكة في التراث الشعبي اليمني"، الذي يعد جزءًا من الانتهاك والإقصاء للمرأة العربية والإسلامية.
مشاقرنا، خصوبتنا، حياتنا، الوجود، الكون الذي لا يستقيم إلا بهذه الباقة المشكلة منها.
ولذا، أول ما تلقينا دعم الصندوق العالمي للمرأة، ألغينا الكثير من خطط بيت الموروث الشعبي، لنسارع بتفعيل تظاهرة المشاقر، محاولة لأن نحد من تناسل العورات التي تلتهم مشاقرنا باسم المقدس.
أسجل شكري لهذه المنظمة الفاعلة التي أخرجت المشاقر، لتعطر الحياة في أحلى تجليات البهجة.

بيت الموروث الشعبي

يونيو 2008

-----------------

زرت مكتبتي، وقع نظري على كتابها، مددت يدي، مسحت الغبار من على المشاقر، ورحت أبحث عن بيت الموروث الشعبي، وجدته وقد سقط إلى الأرض لِقِدمه، وأن محتوياته الثرية تتوزع أركان ثمة مخزن في بيت قصي يسكن منطقة بيت بوس من العاصمة.
عدت إلى كتابها أتصفح المشاقر، وجدت الأنوثة المنتهية في التراث الشعبي.
وجدت مطهر الإرياني وخطر غصن القنا،
وجدت فاطمة العشبي في للطيور فضاء،
وجدت:
والله العظيم لأغني وأشل صوتي
لو يسبروا مزمار بعد موتي
ذهبت إلى هدى أبلان في جبل ربي،
وهناك ميسون الإرياني:
سأنزع الضباب عن كفي
والتقي كلودي فايان
ونادية الكوكباني:
ترى متى أنام دون أن يلفظني سريري مرات ومرات؟
متى أنام دون أن توقظ ارتعاشات جسدي غطائي مذعورًا؟
ومحيي الدين جرمة يحتفل في الزبيري بالمشاقر:
ثمة امرأة في الزبيري
تحلم كالناس بالخبز والماء
لا أواصل رحلتي مع نزيه العظم ورحلته في "العربية السعيدة"،
لأقف عند "أوليج جيراسيموف ويو. ماشين" في جبال العربية السعيدة،
وتلك الحكايات الشعبية التي لا تنتهي.
لنسمع أهزوجة الأطفال مرحبة بالمشاقر،
لترسم آمنة النصيري ما يحلو لها من الوجوه والعيون وووووو.
رحلة تمتد بين بيت الموروث الذي تهدم، ومخزن بيت بوس الذي ترقد فيه، تحت الغبار، بقاياه.
أعدت كتابها إلى حيث يحتل مكانه في خانة مكتبتي، وقلت لأهمس في أسماعكم:
أعيدوا قراءة كتابها أروى عثمان "المشاقر".

الكلمات الدلالية