السبت 13 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالرحمن منيف وروايته مدن الملح: بادية الظلمات (الحلقة الأخيرة)

عبدالرحمن منيف وروايته مدن الملح: بادية الظلمات (الحلقة الأخيرة)

بدأ الأمريكان بِالظُّهور، وَأخْذِ الصُّوَر في الشَّوَارع، وَالتَّجوُّل في الأسوَاق. قال المُسِنُّون في المَسَاجِد: «إذا زَادَ الفَسَاد، وَفَسقَ العِبَاد، وَاستَبدَّ الحُكَّام؛ فَلا بُدَّ عِندَئِذٍ من العِقَاب».

وقالوا: «إذا نَامَ الرَّاعِي أو جَار؛ خَرِبَتْ الدِّيَار». وَقَالوا: «مِنْ يوم جَاء؛ بَلَّشَتْ السَّبع العِجَاف»(1).. «أنا وخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي -وَأشَارُوا بطرف العين على هؤلاء الأجانب- عَلى الغَريب».. «وَأبشِرُوا يَا الدَّوَاحِس؛ والله لنخلي عَجَاجُكُم يِسبِق ضُراطُكُم، وتشوفون»(2).

الطَّائِرات التي تُحَلِّق فَوقَ الرُّؤوس تُثيرُ الرِّيبَةَ وَالخَوف.. هل هي لقادة المُعَسكَر، أم لِلدَّوَاحِس؟

بَدَأت المُنَاوَشَات في فَترات مُتَباعدة؛ مجموعة طَلقَات. أُذِيعَ بَيانٌ عَسكري عن بداية هُجُوم كَاسِح؛ شَارَكَت فيه القوات البَريَّة والجوية، وَأكَّدَ البَيان بلهجة حَازِمَة تَفيضُ بِالثِّقَة أنَّ الهُجومَ حَقَّقَ أغراضَهُ، وَأنَّ القوات المُظَفَّرَة للسلطنة تُواصِل الزَّحفَ، وَأنَّ العَدوَّ يَتراجع، وَيُخلِي مَواقِعَهُ وَقَتلاه وَجَرحَاه(3). وَكَانت افتتاحية يونس شاهين مَليئةً بالفَخر وَالزَّهو.

نُفِذَّ حُكمُ الإعدام على ثَمانيةَ عَشرَ رَجُلًا؛ حَكَمتْ عليهم المَحَاكمُ المُختصَّة؛ لقيامهم بالهجوم على «دار الإذاعة»، وبعض المؤسَّسَات الرَّسمِيَّة.

نُفِّذَ الحُكمُ في سِجنِ مُورَان المركزي، وَكَانَت الأحكام تُنَفَّذ أمامَ الجَوَامِع، وَعَقِبَ صَلاة الجُمعَة، وَكَانَ بَينَ المَعدُومين: برجس عمير، وصالح الرشدان، وَألقَى السُّلطَان خِطَابًا في مجلِس العُلَمَاء؛ أشارَ فِيهِ إلى الأحداث والعدوان الخَارجِي؛ مُؤكِّدًا أنَّ السُّلطَة تَبدأُ عَهدًا جَديدًا مِن أهَمِّ مُقَوِّمَاتهِ: الدَّستور(4).

إذاعة خَبر الإعدامات أثارَ مَوجةً من الحِقدِ المَمزُوج بِالقَرف. خَيَّمَ الصَّمتُ ثَقيلًا مُوجِعًا. أغلقَ النَّاسُ الجِهَاز الحَقِير. قَاطَعُوا خِطَابَ السُّلطَان.

كَلِمَة الدُّستُور الشَّيطانيَّة أخذت تقفز كَالجُندُبِ، وَسَخِرَ النَّاس مِنْ وَعدٍ سَمِعُوه عَقِبَ تنحية خزعل، وَلَم تَعنِ لَهُم شَيئًا(5).

طَالبٌ يُعِدُّ أطرُوحَةً جَامِعيَّة حَولَ طبيعة الفَرد في مُورَان. من الأمور التي تَسترعِي النَّظَر، وَتَتطلَّب الدِّرَاسَةَ أنَّ النَّاسَ أو معظمهم على الأقَلِّ لم يَسمعُوا بِالوَعْدِ الدُّستوري الذي أعلَنهُ السُّلطان. وَبَعدَ فَترة؛ حِينَ أصبَحَتْ كَلمةَ الدُّستور تَتردَّدُ كَثيرًا لم يُبدُوا اهتِمَامًا؛ حَتَّى بِالحُدُودِ الدُّنيَا بِهَذا الحَدَثِ الخَطِير، وَكَأنَّهُم رَاضُونَ بِالوَضعِ الحَالي، وَغيرَ مُتأكِّدينَ من جِدِّيةِ الوَعد(6).

بالمقابل، فَقَد لُمِسَ -بِشَكلٍ وَاضح- أنَّ الناسَ شَديدُو الحِرص عَلى مَعرِفَةِ جَميعَ التَّفاصِيل التي رافقت عَمليةَ الإعدام. كَانُوا يتناقلونها بِكَثيرٍ من الاهتمام وَالدِّقَّة.

وَلا أبَالغ إذا ذكرت هُنَا أنَّ مُتعةً مِن نَوعٍ ما كانت تَظهر في عُيونِهِم أو عَلَى مَلامِحِهم؛ وَهُم يَنقلونَ أو هُم يَستمعونَ، وَكاَنوا يَتلذَّذونَ بالأحزان إلى دَرَجة أصبحَ مُتعةً لَهُم. لا يَعرِفُوَنَ الفَرَحَ، وَلا يَعتبرونهُ مُمكِنًا وَحَقيقيًّا.

في الأمر مَا يَستوجِبُ التَّوَقُّف.. نَتيجةُ اليَأس، أو لأنَّهُم لا يَجِدونَ شَيئًا آخرَ يَفعَلُونَه(7).

وَهُناك أسبابٌ لها عِلاقة بحرب «العَوَالي»، وَبِمَا حَصلَ في مدينة «سمحة». يَترفَّع السَّارِد الكَبير عن الإشارةِ إليها، وَلكنَّهَا مَوجُودَة (الكاتب).

وَأهل العَوَالي أكثرُ مَكرًا؛ نأوا بأنفسهم عن الحرب، وقالوا: «مَوت الَّله، وَلا مَوت العباد». أمَّا بَعدَ أن سمعوا حكم الإعدام؛ فَقَد سُمِعَت شَتائِمُ كَثيرة.

المُخبِرونَ لم يتجرؤوا على التَّطلُّع إلى الوجُوه؛ لِيَعرِفُوا الشَّتَّام، وَلَم يَقُل أحدٌ منهم لِرُؤسَائهِ شَيئًا. وَكَأنَّ المُخبِرينَ أكثرَ خَوفًا مِن الذينَ يَشتُمون.

لم ينتظر أهل العوالي، وقالوا: «دُقُّوا الحَديد؛ وهو حَامِي»، وَبَدؤوا في كِتَابة عَريضَةِ تَأييد مَشرُوع الدُّستور؛ بَدَأت من «حَيِّ الرفيعي»، وَالسُّوق التجاري؛ فالقلعة؛ فالأحياء الأخرى؛ فَالميناء؛ إلى مراكِبَ الصيادين، وَضَمَّت آلاف التوقيعات والأختام؛ وَكُلُّهَا تُعُلِنُ تأييدَهَا وَمُباركَتَها مِنْ أجلِ سَنِّ الدُّستُور(8).

راكان ومساعد استَاءَا مِنْ فِكرةِ الدُّستُور، وَمِنْ الإعدَامَات في السِّجنِ المَركَزي؛ وَكَانَا يريدانها أمَامَ المَسجِد، وَأمَامَ الجَميع؛ لِزرعِ الخَوف في النُّفُوس.

وَحِرصَ راكان على إيصال الاستياء لِلسُّلطَان عَبرَ الوَسَائِط، وَكَادَ راكان يَقُوم بالاعتقالات لِلمُوقِّعينَ عَلى العَريضةِ المُؤيِّدةِ لِلدُّستُور.

دَعَا السُّلطان إلى اجتمَاعٍ مُصَغَّر، وَبَدا فَرِحًا وَمُنبسِطًا؛ لِيَعرفَ مَا عِندَ الآخرينَ بِدُون تَحفُّظ أو خَشيَة.

مَارسَ الأسلوبَ يَومَ تَنحيةِ خزعل، وَاسترضَاء سَنَد، وَيُريد -كَمَا قَالَ يونس شاهين- مِنْ رَاكَان أن يَكشِفَ كُلَّ أورَاقِه.

«أنتَ اللي قُلت لَنَا: دُستورنا مَعرُوف، وما نقبل بغيره. وَأنتَ تِعرف لَغَاوِي أهل مُورَان، وَفِسقَ أهل العوالي.. وَهذول وهذوليك ما يعرفون غير السَّوَالف، وبمجالسهم يقولون: بَاكِر أكبر راس تَحتَ الدُّستُور، ويقولون -طَال عُمرَكْ-: وزير الداخلية مَا طَبَّق الدُّستُور.. وزير الداخلية خَالفَ الدُّستُور».

وَتَدخَّلَ مساعد؛ أنه -بحسب الدُّستُور- أنَّ السُّلطَان ما يحكم حسب عقله وضميره واللي يشوفه بصالح الناس، ويلزمه يسوي اللي يطلبون منه، وإذا خالف؛ يعزلونه.

وَتَدخَّلَ راكان: «ويقولون: قَالَ صالح: أنا بنفسي قريت بالجرايد أنَّ مسألة الدُّستُور كُلّهَا من راس سند. قال: أرغمنا مُورَان؛ فَأرغَمنَا السُّلطَان على تنفيذ مَطلب أسَاسي كَانَ الشَّعب دَومًا يطالب به».

قال مساعد: «حِنَّا الآن أيدينا بِالنَّار، وَالحَرب ما ترحَم. فَإذا ظلينا بين راديو سَنَد، وَعَرايض العَوَالي، وَسَوالف مُورَان.. حِسبتَنَا وَاقفة ومخوطرة، ويجوز باكر واللي عقبه ما نقدر نواصل الحرب».

وَحَرِصَ السُّلطَان على دفع الجميع لِلحَديث، وَتَكلَّمَ السُّلطَان عن الألفَة التي تَسود لِلمَرَّة الأولى، وَتَعبير كَلَّ وَاحِد عن قَناعَاته.. يَعتذر عن التقصير في عَقدِ مِثلِ هَذهِ الاجتماعات، وَيَعدُ بالالتقاء..

«المخاطر والمتاعب تعرفونها».. وَيَدعو إلى عدم الانخداع بِمَا يُقَال. وَيَقرأ شَيئًا مَكتوبًا من كتاب «الأمير». ويدعو إلى قِراءةِ الكِتاب عن وظيفة الأمير. وَيَضرب مَثلًا بِقِصَّةِ الأسد، والثعلب؛ أي اللجوء إلى القُوَّة، وَالحِيلَة مَعًا».

«وها الحين إذا تركنا الِّليْ مَكتوب، ورجعنا لسَوالفنا؛ فشهني المَشَاكل؟ الدُّستُور اللي زَعَّل راكان ومساعد؟ الكلام اللي يسولفه النَّاس على المحاكمات؟ عريضة أهل العوالي؟».

«يلزم تعرف يا راكان، وأنت يا مساعد أنَّ مَا هُوْ كُلّ مَا يُقَال يصير.. زعلتم من كلمة قلناها من قبل، ونكررها نوبة ثانية ها الحين.. الدُّنيَا -منذ الحرب- قائمة قاعدة، وتخلوا عن النظام؛ لأنه لا يستحق الحماية.. لا يمتلك الحَدَّ الأدنى من الشُّرُوط.. لا يمتلك دُستور، ولا يعترف بِأيِّ حُقُوق للمواطنين.. هذه سَوالفهم في أمريكا، وفي أوروبا، وبِكُلّ مكان.. وحِنَّا ما يلزمنا ما نخاف.. تريدون دستور حَلَّت البَركَة؛ بس ها الحين نريد عونكم ومساعدتكم؛ نخلص الحرب، بعدها تتغيَّر الأمور».

«وَأنتم يا أهل مُورَان، وَأهل العَوَالي نريدكم معنا.. نريد عونكم بقلوبكم، وزنودكم؛ وإذا لكم مطالب -أي بالله- حِنَّا معكم. تريدون: فلان شي، وفلان شيء؛ ومنها الدُّستُور= ما يخالف؛ تستاهلون، واللي تريدونه؛ يصير، وَبَعدَ الحَرب، لِكُلّ حَادث حَديث».

التفت راكان بكل اتجاه بِثِقَة..

يضيف: «وما أريد أذكرك يا أبا منصور بقول جماعتنا: (نَشم البدوي، وخذ عباته)، وما أريد أخفي عليكم سِرّ بَعدَ الِّلي صَار بِالدَّوَاحِس؛ قال الأمريكان: وليش ما نجيب جماعة أفندية، ومعهم عسكر يحكمون السَّلطَنة؛ بدل هذول الشيوخ والأمراء، وبينهم كثير موظفين ومتحمسين؛ ولولا أني طرشت واحد ورا واحد، مع رسائل وتطمينات.. واللي تريدون يصير؛ وإلا السَّالفة اللي براس كم واحد منهم صارت، وحِنَّا الآن أثرًا بعد عين.. عرفتوا الآن ليش نقول: الدُّستُور، والدولة الحديثة وغيرها من السَّوَالف الجايفة».

وَيُبَرِّر الإعدامات دَاخِلَ السِّجن المركزي؛ لتخفيف الإثارة، وَرُدود الفِعْل. وَالتَّخويف حَاصِل؛ خُصُوصًا بإعدام وَاحِد مِنَّا: برجس- ابن خَالِي؛ سَيقول النَّاس: هؤلاء لا يرحمون أقرباءَهُم؛ فكيف بالآخرين؟(9).

بِسَببٍ مِنْ المَحَل وَطول الحرب؛ وَصَلَ الفقراء إلى حَالةٍ مِنْ البُؤس وَالشَّقَاء؛ لم يعودوا قادرين على تَحَمُّلِهَا.

زَارَ وَفدٌ راكان؛ قال لهم: لا يَحلُّ مَشَاكِلَهُم غَيرَ الجُنديَّة.

أسهَمَ السُّلطَان بِمَالٍ كثير؛ لِدعمِ المَجهُود الحربي، وَتَبعهُ إخوانُهُ، وَبَعضُ التُّجَّار. وَكَانَ اسم ابن العليان الثاني.

وَأرسَلَ غزوان بَرقيًّا بتبرُّع، وَتبرَّعَ أميران باسم الأمراء الصغار. مُتَبرِّعُونَ -كَمَا قال يونس شاهين-: أصَرُّوا على عَدمِ ذِكرِ أسمَائِهم، وَتَبرَّعَ بَعضُهُم بأغنام، وَآخرونَ بملابس.

السُّلطَان الذي لم يَهدأ ولم يتوقف عن حَشد جَميع الإمكانيات؛ مِنْ أجلِ المعركة= كَانَ -بِاستمرار- يُرَدِّد على مَسَامِع مساعد وإخوته جُملة بذاتها مِنْ كتاب «الأمير»: «إنه لا يُفَكِّر ولا يدرس شَيئًا سِوَى الحَرب؛ إذ أنَّ الحرب هي الفن الوحيد الذي يحتاج إليه كُلَّ مَنْ يَتولَّى القيادة»(10).

الأمير فارس؛ مِن الجيل الأصغر، قال: «الحَرب مَسأَلة حَياة أو موت؛ إذا ربحناها؛ ربحنا كُلَّ شَيء، وَإذَا خَسِرنَاهَا؛ خَسرنَا كُلَّ شَيءّ». وَرُبَّمَا نُقِلَ عن السَّلطان(11).

للحرب مظاهر غَير عَادِيَّة: أخبار التَمرُّد في الطَرَف الآخر، صُعوبَات الحَيَاة، وَالفَقر، تَرفيعات استثنائية لبعض الضُّبَّاط، مَنح بعض الشيوخ رُتَب عسكرية، وعمليات الإعدام للخونة والمتخاذلين؛ وَبِصُورة سِرِيَّة، اتساع نطاق الاعتقالات من الأقرباء المُعدَمِين أو أصدقائهم، وَمُصَادرة الأموال، وَسَحب كُلّ مظاهر الحُرِّيَّة، وتحريض الخصوم أيضًا(12).

كَانَ السُّلطَان كَثيرًا مَا يُردِّد: «بوقت الحرب مَا يُقال يصير، وما يصير؛ هَذَا أبدًا مَا مَسموح به»(13). وَقَتلى الحَرب في ازدياد.

لا يدري أحد كَيفَ وَصَلَ بيلي ادلر إلى موران؛ نَمسَاوي المولد؛ يحمل جواز سفر أرجنتيني.

يُحِبُّ المغامرة والبدو والموسيقى. كَانَ في الحرب الثانية مُهتمًا بالتجهيزات الطِّبيَّة؛ خَاصةً مستشفيات الميدان.

وهنا أخبار عديدة حَولَ وُصُولهِ إلى راكان.. قَدَّمَ عَرضًا لراكان ببناء خمس مستشفيات ميدان، وثلاث مستشفيات أخرى في المُدُن الرئيسية..

«المُدُن بحاجة إلى الخِدْمَات الطِّبيَّة؛ خَاصَّةً؛ وقد زَادَت الإصَابات». (صفاء مترجم الأمير).

طَلبَ مساعد سُرعةَ وُصُول المُسعِفَات، وَطلبَ راكان صفاء في سَاعَة مُتأخِّرَة؛ لِيُترجمَ بينه وصحيفة هولندية.

أراد راكان أن يعرف إذا كان صفاء أبلغ شركته بعرض أدلر.

أكَّدَ صَفَاء عَدمَ الإبلاغ.

قال راكان: «ادلر لا يريد أن يعرف أحد بعرضه. سيقوم بتوريد المستشفيات الخمس الميدانية، ويبني المستشفيات الثلاث».

عَرَضَ على صفاء أن يُقَسِّمَ عائدات المستشفيات ثَلاثةَ أقسام أو أكوام؛ حسب تعبيره: «كوم لك وحدك؛ وما أريد أبَدْ الشَّرِكة تعرف. والثاني: لخوينا، والثالث: تُحطَّهْ لي بالحساب»(14).

«اتفقنا يا طويل العمر. وَحَتَّى لا أحَد يعتبر نفسه مغبون: لك خمس وعشرين؛ ولخوينا خمس وعشرين بالمائة؛ فشنو قَولك؟».

تَمَّ الاتفاق أن تُودَعَ حِصَّة الأمير؛ وهي خمسون مليون دولار في حِسَاب مُؤقَّت؛ لأنَّ التحويل سيكون باسم صفاء، ثُمَّ يَتمّ تَرحيله إلى الحِسَاب الرئيس للأمير(15).

كان شرط صفاء الوحيد أن يحصل على إجازة طويلة من غزوان؛ وقد تَعهَّدَ الأمير أن يُقنِعَ غزون بمنحه إجازة.

تَمَّت الأمور بِسُرعَة وبِسِريَّة(16). سَافَرَ صفاء قبل مجيء غزوان بثلاثة أيام.. حَمَلَ معه مَبَالغَ كَبيرة؛ لإيداعها في حساب الأمير.

راكان لم يعرف حجم هذه المبالغ أبدًا؛ لأنَّ أحدًا لم يستطع أن يَتَأكَّد؛ وَقِيلَ أيضًا: إنَّهُ استطاعَ أن يَصِلَ، وَبِطريقة غَامضة إلى مَجمُوعة كَبيرة مِن القِطَع الأثرية والنقود القديمة؛ إضَافةً إلى عَددٍ من المَخطُوطات؛ كَانت جَميعُهَا مُودَعةً لَدَى خادمة المستر هاملتون. وَقِيلَ: إنَّهُ حَصلَ على سِمَات دخول لِعِدَّة بلدان، وَلِعِدَّة سفارات. أمَّا السيارة الأمريكية الكاديلاك؛ فقد باعها(17).

سَافَر إلى سويسرا.. قال للأمير راكان: إنَّهُ سيغيب شَهرًا، وَسَيتَّصلَ به، واتفق على بعض الإشَارات: إلى استلام المبلغ، والعنوان، ورقم الهاتف؛ وَأنَّهُ قد يَضطَّرَ لِلسَّفَر إلى عِدِّة أمَاكِن.

مَضَى شَهر، وَلم يَتلقَّ الأمير أيَّ إشَارة. والأمير، رغم المَشَاكِل الكبيرة، والأسفار القصيرة، والاجتماعات، وأخبار الجبهة= ظَلَّ قَلِقًا.

وَمَضَى الشَّهرَ الثَّاني دُونَ وُصُول أيِّ خبر. وَلَيسَ لَدَى غزوان أيَّ خَبرٍ عَنه، وَلَم تُورَّد أيُّ مَبالغ جَديدة باسم الأمير في البنك السويسري، والأمراء لا يَعرفونَ شَيئًا عن صفاء.

لَم يَقضِ في جنيف سِوى يَوم وَاحِد، ولم يُعرَف أين غَادر. وَعِندمَا سَألَ مساعد عن غياب صفاء؛ وقد عَرَفَ عن مستشفيات الميدان، أجاب بِسُخريَّة: «الغايب عذره معاه»(18).

هَرَبُ صفاء بالأموال فَجَّرَ مَوجَات مِنْ السَّخَط وَالسُّخرِيَّة وَحَتَّى التَّشفِي.

شَكَّلَ مساعد فِرقًا للاقتحام والتنفيذ: اثنتان في حالة سفر في أوروبا، والثالثة بحالة الإنذار القصوى.

وَأصِيبَ راكان بحالة من النَّزَق؛ تَحَوَّلَتْ إلى غَضَب وإدمان، وَأصبحَ يَشُكُّ في أقربِ النَّاس إليه. وَمُجرَّد تَذكُّر صفاء؛ يدفعه للشتيمة.

بَلَّغ راكان السُّلطَان بالأمر؛ وَكَانَ قَد عَرَفَ بَاكِرًا، وبعد توقيع العقد؛ رُبَّمَا مِنْ خِلالَ العَامِلين مَعَ رَاكان.

وَكَانَ خَوف السُّلطَان أن يَكونَ صفاء مِنْ «الدَّواحِس»، وَحَملَ إلى هُناكَ أسرارَ التَّسليح، وَانتقدَ السُّلطَان الِّلجَان التي شَكَّلهَا مساعد، وَعَابَ عليه أنه لم يَقرأَ كَتابَ «الأمير».

سَافرَ راكان إلى جنيف ليومين؛ لإلغاء التوكيلات السَّابِقَة، وَنَقلَ أمواله إلى حساب واحد.

وَمُورَان التي انتظرت المَطرَ، وَالخَلاص من الحَرب، عَرَفَت أنَّ الأموالَ المَسرُوقَة لا تأكلها النيران.. رزق المهابيل على المجانين.

وَغزوان طَلبَ إلى السُّلطَان عَودةَ أبيه المريض إلى مُورَان، وَسَمحَ السُّلطَان بَعدَ تَردُّد. قال لغزوان: «بَسّ أنتَ الضَّامِن»(19).

تَتوَالى على مُورَان مَآسِي الحَرب وَالقَحط والمجاعة وَالظُّلم الفَادح والأوبئة الفَتَّاكَة وأمراض الصَّفراء.

يَموت عَددٌ كثير من الفقراء والبدو والآتون من الأرياف المصابة بِالجَفَاف. التُّجَّار يَدفعونَ الزَّكاةَ للمجهود الحربي؛ هَكَذا يَقُولون للفقراء.

يَنظرُ البَدو إلى الوَبَاء بأنَّهُ غَضب السَّمَاء؛ فَيهربونَ مِنهُ إلى الرِّيف.

وَصَلَ الحكيم إلى مُورَان مَخبولًا، وَيَتصرَّف بِدون وَعي؛ وَكَأنَّهُ فارس يمتطي فَرسًا خَشبيًّا لِسَاعات، وَيُقَاتِل الأعداء.

وفي الليل يُعلِّق على الدَّفاتر الكاثرة التي لا تحمل إلا كَلمةً وَاحِدة، وَتُصاب الزَّوجَة بأمراض المِعدَة، وَتَتأذَّى مِنْ وجُود الحكيم.

طَالَت الحَرب وَتَشعَبَّت وَدَخَلت في الدِّهليز المَجهُول.. تنشط حِينًا بمعركة طارئة، ثُمَّ تَخمد وَتَنام. تَحَوَّلَت إلى نَزيف وَعِلَّة؛ لا تشتد؛ فَتُحسَم، وَلا تَنتهي؛ فَتُدفَن(20).

الذين كانوا مُتَحَمِّسِينَ في البداية، وتوقعوا نِهايةً سَريعة وَنَصرًا= فَقَدوا حَمَاسَهُم؛ وَهُم يَرونَ الحَربَ تَمتدَّ وتطول دُونَ جَدوى، وَالذينَ كانوا خَائفينَ من تطوراتها ونتائجها وأبدوا تحفظهم أوَّلَ الأمر= ضَاقَت صُدُورُهُم، وَأصبَحُوا أكثرَ جُرأةً وَحِدَّةً؛ وَهُم يُعلِنونَ رَأيهم؛ ثُمَّ وَهُم يَشتُمُون(21).

اكتَشفَ السُّلطَان الذي كَانَ أكثرَ حَماسًا لِلحَرب أنَّ حَربَهُ مختلفة عن كُلِّ مَا قَرَأ، وَسَمِعَ، وَأنَّ رِجَالهُ يَختلفونَ عن الآخَرين، وَاكتشفَ البدوُ كَذِبَ شُيُوخُهُم الذين قالوا لَهُم: غارة، وغارتين؛ وينتهي كُلُّ شَيء؛ وَالجيش النِّظَامِي الذي تَغرق مُعدَّاتُهُ في الرِّمَال لا يَعرِفُ مَنْ يُحَارِب.

الطَّيَّارُون الذينَ يَقع عَليهم العِبءَ الأكبرَ لَم يَعُدْ يَسمَع دَوِيَّ طَائراتِهِم؛ بَعدَ أنْ سَقَطَتْ عِدَّة طَائِرات بظروف غَامِضَة؛ وَبَعدَ أن تَوقَّفَ وُصولُ المُسعِفَات؛ بِسَبب صِرَاعَات الطَّيارين أنفسهم؛ وَتَوقُّف الشَّرِكَة العَالمِيَّة عن الإرسَال، وَغِياب صفاء الشَّلَبي.

وَسَادَ جَوٌ مِنْ الشُّكُوك في الجَمَاعَة المُحِيطَة بِالسُّلطَان، وَتَسرُّب أخبار إلى الدَّوَاحِس، وَتَراجعَ مَواقفَ الدُّول الدَّاعِمَة لِلحَرب، وَبَرمُ السُّلطَان، وَضِيق صَدرِهِ، وَعَدم القُّدرَة على التَّحمُّل وَالصَّبر.

تَحَوَّلَ مَجلس الحَلَّ وَالرَّبط إلى «الرَّبعْ»؛ كَمَا كَانَ يُطلِق عَليهِ خريبط، وَأصبَحُوا نَمطًا مُختلفًا؛ كَمَا يُحِسُّه السُّلطَان؛ لذا لم يَعُدْ يَدعُو للاجتماع الشَّهري، وَبَدأَ يُدركُ أنَّ الأمراءَ مَشغولونَ بِمَصَالِحِهم الخَاصَّة.

لَم يَعُدْ النَّاس قَادِرينَ عَلى التَّحمُّل: الحرب، والتيفوس، وقيام راكان بِالزَّج بالآلاف في سُجُون الصَّحرَاء.

فُوجِئَ راكان بِالشَّتَائِم ضِدَّه، وَوَصَلت مَعلومات أنَّ البدوَ يَتسلَّحُونَ؛ مُنتظرِينَ الوقتَ المُنَاسِب.

خَشِيَ السُّلطَان مِنْ رُدُودِ الفِعْل؛ فَأمَرَ بِالإفراج عَن الكَثيرين، وَلكنَّ الاحتفالات زَادَت وَامتدَّتْ إلى مُعظَم المَنَاطِق..

لَم يُطلِقْ راكان المعتقلين بمناسبة يوم العرش؛ حَسَبَ التَّوجِيه، وَلَمْ يُقَدِّم تَقرِيرًا مُفصَّلًا كَمَا وَعَد.

قَالَ السُّلطَان لمساعد: «قُلْ لراكان: السُّلطَان فنر مَا هُو وَاحِد غيره. وإذا كَانَت الماي سَرَحَتْ تحت رجلين خزعل، وَمَا دَرَى؛ فَيلزمه مَا يِغتر، ويلزمه يعرف: تجيني علوم الصغيرة والكبيرة. فإذا سَكَتّ ما هو لأني ما أدري، أو عاجز؛ وَإنَّمَا لأنَّ كُل شيء بوقته زين؛ ويلزمه توقي غضبة الحليم؛ لأنها تخرب الأول والتالي؛ وأعذر من أنذر»(22).

رَدَّ راكان بقسوة على السُّلطَان الذي تغير.. «يجرب سلاحه براكان.. وراكان لحمه يابس ومر».

شَكَا السُّلطَان لغزوان من موقف الأمريكان؛ «وكل يوم برأي.. كَانُوا في أول الحَرب مَعَنا، وَالآنَ تغير موقفهم».

تقرير السَّفير الأمريكي أنَّ «السُّلطَان أصبحَ مُتعبًا لا يَقبل الحَديث إلا عن الحَرب، وَلا يَقبل وجهة النَّظَر المختلفة.

رؤيته للسياسة الأمريكية إزَاءَ المَنطِقَة تُثير الانتباه؛ لا أقول: عِدَائِيَّة، وَلَكِنَّهَا تَفتقر إلى الوُدّ وَالتَّفهُم، وَأيّ صِلة بِالطَّرَف الآخَر يَعتبرها ضِدَّه..

يَتخوَّف مِنْ تَواصُلِنَا مَعَ بَعض الأخوة ومستشاريه؛ وَيَستغَني عَنهُم»؛ وَيَنسب ذلك للطبيعة البَدوِيَّة لِلسُّلطَان(23).

يُثني السُّلطَان على نهج أبيه، وَيُشَكِّك في إخوته، وَيَذكُر قِصَّةَ أبناء يعقوب، وَقِصَّةَ مُوسَى وَهَارُون؛ عَندَمَا غَابَ وَتَركَهُ فَترةً، لِيعودَ وبني إسرائيل يَعبُدونَ العِجل.

غزوان يَتَشكَّك في سَلامة تَفكير السُّلطان، ونقده للأمريكان. وَتغضب اليانور مِنْ غزوان؛ لانتقادِهِ سِياسَةَ السَّلطَنة؛ فَهِيَ تَخاف عَلى مَشَاريعِهَا.

هُنَاكَ اتفق ابن العليان والورداني على إقامة مَشَاريعَ جَديدة. عَرضَ نَفسهُ وآلياته منذ الأيام الأولى للحرب.

«وَابن العليان والورداني يُكَمِّلان بَعضًا».. هذا ما قاله مساعد لابن العليان؛ حِينَ بَدَأ التَّنَافُس مع راكان.. «رايدكم تتفقون؛ ومني عهد بكل المشاريع تنحال عليكم»(24).

قَالَ ابن البخيت لعليان؛ عِندمَا قَال: إنَّ الأوضاعَ تَغيَّرَتْ وَالسُّوق تَحرَّك= قَالَ له: «نعم كُلّ شيء تغير، وَمَا ظَلَّ إلا تهيلون التراب على النَّاس، وتدفنوهم أحياء. قالوا للذيب: يسرحوك في الغنم؛ قَام عَيَّط. قالوا: ذا شي تحبه؛ قال: خايف يكون الخَبَر كذِب»(25).

وَمِثلَمَا بَدَأتْ الحَرب مُفاجئة، انتَهَت دُونَ أنْ يَحُسَ بِهَا أغلبُ النَّاس.. رُبَّمَا انتَهَت نَتيجةَ التَّعَب أو اليَأس؛ وَرُبَّمَا جَاءَ مَنْ قَال لِلطَّرفَين: «انهوا الحَرب أيُّهَا المَجَانين؛ لأنَّهَا لَمْ تَعُدْ ضَروريَّة؛ وَلا تُفِيد أحدًا».

لَكن الحَرب قَبلَ أنْ تَنتهي قَضَتْ عَلى الكَثيرين؛ لأنَّهَا ترافقت مع الوَبَاء وَالجُوع، ثُمَّ جَاء القَحْط أيضًا؛ سِنينَ مُتوَالية؛ لِتُصبحَ مُورَان مَقبرةً كًبيرة(26).

كَتبَ أحد الدَّارسِين لآثَار الحَرب عَلى السَّلطَنَة: «مِنْ المُلفِت للنَّظَر أنَّ مِنْ جُملة نَتائج الحَرب: غِياب جِيل مِنْ الرِّجَال؛ أعمارهم بين العشرين والأربعين؛ فهم إمَّا مُجَنَّدُون، أو مُهَاجِرون، أو أنَّهُم في حَالة تبَعث عَلى الأسَى؛ نَتيجةَ الإصابات والعاهات. هذا عدا عن الجُنُون أو الخَبَل الذي يُمَيِّز عَددًا كَبيرًا.

أمَّا النِّسوَة؛ فَقد غَرِقنَ في حَالة مِنْ الحُزن الشَّديد، وَأصبحنَ أقربَ إلى التَّصوُّف. وَالمُسِنُّونَ في حَالة مِن الغِياب الكَامِل وَالذُّهول؛ رغم وُجُودهم الكَثيف في كُلِّ مَكانَ»(27).

أمَّا الصَّحفي البلجيكي، فَرَأى أنَّ مُورَان تَفتَقر إلى الشَّبَاب؛ فَهِيَ مدينة جَديدة؛ يَسكُنُهَا المُسِنُّونَ وَالأطفال فَقَط. ويشير أنَّ عَددَ المجانين والمعتوهين كبير(28).

مَا كَادَت الحَرب تنتهي؛ حَتَّى أصبح أكثر الأمراء في حَالةٍ مِن الغِنَى لم يتوقعوها، وَلا تَخطُر بِبال.

أصبَحُوا وَحدَهُم يَملكونَ الأموال في مُورَان، وفي الخَارج، وَيَملكونَ الشَّركَات، وَالمقاولات، والاستيراد، وَلَم يَعودُوا يَتَحَرَّجُون مِنْ ظُهُور أسمَائِهِم كَمَالِكين لهذه الممتلكات؛ وَهُم لا يَقُومون بالأعمال بِأنفسهم؛ وَإنَّمَا مِنْ خِلال وُكَلائِهِم بَعدَ أخذ الضَّمَانات الكَافية؛ حَتَّى لا تَتكرر قِصَّة صفاء الشَّلَبي(29).

وَالمعرُوف أنَّ الخَير يَعُمّ، وَلَكنَّهُ في مُورَان اقتصر على الأمراء والأقارب والحاشية، وعدد محدود مِنْ التُّجَّار، إضَافةً إلى الوُكَلاء.

عِنَاد الرَّشِيد- طَالب الدِّرَاسَات العُليَا، وكانت دراسته حَولَ الأسُس المِعيَاريَّة في بِناءِ الشَّخصيَّة= كَتبَ في أوراقه الخَاصَّة مَا يَلي: «الصَّحرَاء هِيَ البِيئَة. وَالبِيئَة لَيسَت مُجَرَّد مَكَان؛ إنَّهَا عَقْل وَسُلُوك. وَرغم أنَّ العَقلَ ابن المَكَان؛ أي البِيئة، إلا أنَّ التأثيرات المُتَبادَلَة؛ وَضِمن سَقف مِن المُتغَيِّرَات المُتَحَرِّكَة وَالمُتَبدِّلَة؛ خَاصةً في العَصر الذي نَعيشُه؛ يَجعل المَكانَ -وَحْدَهُ- كبيئة منعزلة ومحصورة= لَيسَ كَافيًا في تفسير الشَّخصيَّة. أي أنَّ الجُغرَافيَا؛ والتي يُصِرّ عَليهَا بَعض العُلمَاء وَيَجعَلهَا أسَاسًا في بِناء الشَّخصِيَّة؛ وَمِنْ ثم تَفسِير سُلُوكهَا، وَرُدُودَ فِعلَهَا= لا تَكفي في فَهمِ شَخصِيَّة الفَرد؛ وَبِالتَّالِي في فَهمِ شَخصِيَّة المُجتَمَع.

أمَّا مَاهِي العَوَامِل الأخرى المُضَافَة المُتَغيِّرَة وَالثَّابِتَة؛ فَإنَّ هُناكَ مَجموعةً مِنْ الفَرضِيَّات؛ يُمكِن أن تُسَاعِد في إعادة تحليل وتجزيئي، ثُمَّ تَركِيب جَدِيد؛ وَحَسب أنسَاق؛ لِكي نَصِلَ أولِيًّات قد تُسَاعِد في فَهمِ الشَّخصِيَّة»(30).

قال فَيَّاض الفريح- مُختار «حي سبع»، لِلسُّلطَان:

- «أنتَ أب للجميع؛ وَالأب صَدره وَاسِع، ويلزم يعرف كُل شَيء».

- «هَات اللي عندك».

- «مُورَان ضَاقَت روحها؛ وناسها صَارُوا ناسين: أغنياء فَوقَ الرِّيح، وفقراء ينامون جَوعَانين. وَإذَا كَانَ الرِّزق مِنْ الَّله؛ فَالعَدل من الإنسان. وَبَعدمَا انتهت الحَرب؛ يلزَمْ الخَير يَصل النَّاس».

رَدَّ السُّلطَان: «النَّاس يَا فيَّاض من يوم ما خلق الله الدُّنيَا مَا أحد يرضيهم. أكلهم الحَسَد؛ يحبون السَّوَالِف، وَكُلّ وَاحِد يتلبَّد للثاني. وَالواحِد بعقله؛ رضي برزقه؛ ما رضي. ورضا النَّاس مَا ينال، وأنت مُختَار وتدري الِّلي أدريه».

- «يا طويل العمر إنَّ النَّاس يريدون الإنصاف وَالسِّتر وَالسَّلامَة؛ وهَذي الأمُور وَلا أسهَل مِنهَ