صنعاء 19C امطار خفيفة

شقيقان لدودان يتقاسمان الخراب

لا يحتاج الخراب إلى مقدمات طويلة، يكفي أن تلتقي يدان تبدوان متخاصمتين لتكتشف بقليل من التأمل أنهما تتبادلان الأدوار على الآلة نفسها. من بعيد تبدو تل أبيب وطهران كخصمين يتبادلان التهديد، ومن الداخل يظهر المشهد كحركة منتظمة لرحى واحدة تدور فوق الأرض العربية، تطحن المدن والناس والذاكرة دون أن تتوقف لالتقاط أنفاسها.

القراءة المتأنية للممارسات والجرائم المرتكبة ضد الشعوب العربية تكشف عن نمط بنيوي مشترك يتجاوز الشعارات الأيديولوجية المتصادمة، ويقود إلى استنتاج مفاده أن كلا الكيانين يعتمدان القتل والتهجير والتدمير أدوات أساسية لإعادة هندسة المنطقة وفق مصالحهما الخاصة، كأن المنطقة مختبر مفتوح لإعادة إنتاج الخراب بصيغ متعددة.
إسرائيل تمضي بطريقتها المعهودة، جيش واضح واحتلال مكشوف وطائرات تعرف طريقها إلى الخرائط قبل أن يعرفها السكان، دقة باردة لا تحتاج إلى كثير من التبرير. إيران اختارت طريقاً أكثر التفافاً، تدخل من الشقوق وتنسج نفوذها عبر الميليشيات والحروب بالوكالة وتغذية الانقسام الطائفي، وتترك خلفها خرائط ممزقة يصعب نسبها إلى فاعل واحد. وبين الطريقين تتشابه النتيجة حد التطابق، مدن مهدمة ومجتمعات تتآكل من الداخل وناس يتحولون إلى أرقام في نشرات الأخبار.
الأرقام لا تحتاج إلى بلاغة. أكثر من 150 ألف عربي سقطوا في الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ 1948، رقم ظل لسنوات عنواناً للمأساة. في المقابل تحولت سوريا خلال عقد واحد إلى مساحة مفتوحة للموت، حيث تجاوز عدد الضحايا نصف مليون إنسان في حرب شاركت فيها طهران بثقلها المباشر وعبر شبكة من الميليشيات. العراق بدوره دخل في دوامة مشابهة منذ 2003، مع نحو 98 ألف قتيل في سياق فوضى تشابكت فيها القوى المحلية مع النفوذ الإيراني. الأرقام لا تتطابق حسابياً لكنها تلتقي في المعنى حيث يصبح الإنسان العربي مادة مستهلكة في صراع لا يخصه بقدر ما يمر عبره.
في ملف التهجير تتجلى الحرفة بوضوح أكبر. بدأت إسرائيل الحكاية في النكبة حين صار الخروج قدراً مؤجلاً، واستمرت في تحديث الأسلوب كلما تغيرت الكاميرات. في الجهة الأخرى توسعت الفكرة ولم تتوقف عند قرية أو مدينة ولكنها طالت الجغرافيا ككل في سوريا والعراق واليمن كمساحات قابلة لإعادة الترتيب. مخيم اليرموك يقف شاهداً على هذا التقاطع. تعرض اللاجئون الفلسطينيون فيه للقتل والتهجير خلال الصراع، في مشهد أعاد إنتاج اللجوء بصورة أكثر قسوة.
يمتد أثر هذا التقاطع إلى تدمير البنى التحتية والحواضر العربية الكبرى. الحروب الإسرائيلية التي دمرت آلاف المباني في لبنان وغزة تقابلها حروب ايرانية في اليمن وسوريا والعراق خلفت دماراً واسعاً في الممتلكات والمنشآت الحيوية. هذا التوازي بين التوسع المباشر وتوسيع النفوذ خلق حالة مستمرة من عدم الاستقرار، مع انتهاكات متكررة لحقوق الإنسان.
تؤكد هذه المقارنة أن الفروق المعلنة بين السيطرة على الأرض وتوسيع النفوذ تذوب سريعاً عند أول اختبار واقعي، حيث ينتهي الأمر بطرفين يتقاسمان صناعة الخراب، كلٌ بطريقته، وكلاهما بدم بارد. ومع هذا التوازي يصبح المشهد أقل حاجة للتفسير، قوتان تتحدثان بلغتين مختلفتين وتكتبان النتيجة نفسها، دولة تتراجع إلى الهامش ومجتمع يتحول إلى مساحة مفتوحة للتشظي.

الكلمات الدلالية