قصّت شعرها واستنجدت بالقبائل.. القصة الكاملة لـ“ميرا صدام حسين” في اليمن
في بلدٍ تتقاطع فيه السلطة بالقبيلة، وتتحول فيه القصص الغامضة إلى وقودٍ للسجال السياسي، خرجت امرأة مجهولة من قلب صنعاء لتشعل واحدة من أكثر الروايات إثارةً للجدل خلال السنوات الأخيرة. لم تحمل المرأة وثائق دامغة تقنع الجميع، ولا دعماً رسمياً يثبت روايتها، لكنها امتلكت شيئاً أكثر تأثيراً.. قصة مشبعة بالغموض، وأسماء ثقيلة، واتهامات تمس نافذين، ومشهداً درامياً هزّ الرأي العام حين ظهرت وهي تقصّ ضفائر شعرها مستنجدةً بقبائل اليمن.
تقول إنها “ميرا صدام حسين”، الابنة السرية للرئيس العراقي الراحل صدام حسبن. بينما تقول سلطات جماعة الحوثي في صنعاء إنها امرأة متهمة بالتزوير وانتحال الهوية. وبين الروايتين انفجرت عاصفة من الأسئلة، كيف وصلت هذه المرأة إلى اليمن؟ ومن منحها العقارات والأموال التي تتحدث عنها؟ وهل كانت ضحية صراع نفوذ داخل سلطة صنعاء، أم بطلة واحدة من أكثر قصص الانتحال غرابةً في المنطقة؟
خلال أشهر، تحولت “ميرا” البالغة من العمر 34 عاماً، من شخصية مغمورة إلى قضية رأي عام تجاوزت حدود اليمن. دخلت القبيلة على خط النزاع، وتبنّى مشايخ قضيتها، بينما تناقلتها قنوات عربية ومنصات التواصل بملايين المشاهدات، وسط اتهامات لوسائل إعلام بتغليب الخصومات السياسية على قواعد التحقق المهني.
من هي “ميرا”؟
لسنوات طويلة، عاشت المرأة المعروفة إعلامياً باسم “ميرا” بعيداً عن الأضواء، داخل دائرة ضيقة من العلاقات والنفوذ في صنعاء. لم يكن اسمها متداولاً في الإعلام، ولم تكن قصتها قد خرجت إلى العلن بعد. لكن ذلك تغيّر تدريجياً عندما بدأت تظهر بوثائق وهوية تحمل اسم “ميرا صدام حسين”، مقدّمة نفسها باعتبارها ابنة غير معلنة للرئيس العراقي الراحل.

وبحسب روايتها، فإن والدها أرسلها سراً إلى اليمن عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق، ومعها رسالة توصية إلى الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح، الذي وفر لها الحماية وهوية يمنية مستعارة، ومنحها عقارات وممتلكات في صنعاء تقديراً لعلاقتها بعائلة صدام حسين.
وتقول إن حياتها استمرت بصورة طبيعية لسنوات، قبل أن تدخل في صراع مع شخصيات نافذة داخل سلطة صنعاء عقب سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة، ثم مقتل الرئيس صالح أواخر عام 2017.
لكن الرواية المقابلة التي تتبناها السلطات القضائية في صنعاء تنسف هذه القصة بالكامل. إذ تؤكد أن المرأة، واسمها الحقيقي “سمية أحمد محمد الزبيري”، انتحلت هوية مزيفة واستخدمت وثائق مزورة للحصول على امتيازات وممتلكات، مستفيدة من حساسية اسم صدام حسين ومكانته الرمزية لدى بعض الأوساط العربية.
بلاغ فقدان يتحول إلى قضية جنائية
بدأت القضية تأخذ منحى علنياً في عام 2022، حين توجّهت “ميرا” - وفق ما تداولته مصادر أمنية وإعلامية - إلى قسم شرطة في صنعاء للإبلاغ عن فقدان بطائق ووثائق تحمل اسم “ميرا صدام حسين”. غير أن البلاغ نفسه فتح الباب أمام التحقيق في حقيقة هويتها.
وخلال التحقيقات، قالت السلطات إنها اكتشفت تناقضات في الوثائق المقدمة، لتتحول القضية سريعاً من بلاغ روتيني إلى ملف جنائي يتعلق بالتزوير وانتحال الشخصية.
لاحقاً، جرى توقيف المرأة وإيداعها السجن المركزي بصنعاء، حيث قضت قرابة تسعة أشهر رهن الاحتجاز، قبل صدور حكم قضائي باعتبار مدة سجنها كافية للعقوبة المحكوم بها.
لكن بالنسبة لها، لم يكن الأمر قضية تزوير، بل “عملية انتقام واستيلاء منظّم على ممتلكاتها”، كما تقول في تسجيلاتها المصورة التي تداولتها منصات التواصل الاجتماعي وعدد من القنوات التلفزيونية.
اتهامات لنافذين
مع تصاعد القضية، بدأت “ميرا” بكشف أسماء شخصيات نافذة تتهمها بالوقوف وراء ما حدث لها، وفي مقدمتهم فارس مناع، محافظ صعدة السابق وأحد أبرز الأسماء المرتبطة بتجارة السلاح والنفوذ القبلي والسياسي.

وتقول إن مناع استولى على منزلها في منطقة حدة بصنعاء، إضافة إلى سيارات وأموال ومجوهرات. كما تتهم قيادات حوثية أخرى بالاستيلاء على وثائقها الرسمية، بينها جواز سفر عراقي، وأوراق قالت إنها تثبت نسبها إلى صدام حسين، مشيرة إلى تدخلات من ضباط في البحث الجنائي لتغيير مسار القضية.
وفي المقابل، لم تصدر ردود تفصيلية علنية من الشخصيات التي اتهمتها، بينما استندت السلطات القضائية إلى شهادات “والدها اليمني”، الذي أكد أمام المحكمة أنها ابنته البيولوجية، وهو ما اعتبرته المحكمة دليلاً أساسياً في إدانتها.
جدل لا يتوقف
في عام 2023، أصدرت محكمة شمال الأمانة الابتدائية حكماً بإدانة “سمية الزبيري” بتهمة تزوير محررات رسمية، شملت - بحسب منطوق الحكم - جواز سفر عراقي ووثائق أخرى.
ونص الحكم على الحبس تسعة أشهر وإتلاف الوثائق المضبوطة، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف الحكم في أبريل 2025، رافضة طلبها بإجراء فحص حمض نووي داخل اليمن لإثبات نسبها.
كما رفضت المحكمة اعتماد نتائج فحص DNA قالت “ميرا” إنها أجرته في مصر، معتبرة أن الوثائق المقدمة لا تغيّر من الوقائع المثبتة في القضية.
والأهم من ذلك أن المحكمة اعتبرت العقارات والممتلكات التي حصلت عليها “ميرا” قائمة على وثائق وبيانات مزورة، وهو ما اعتبرته السلطات مبرراً قانونياً لسحبها منها.
ورغم أن الحكم بدا، من الناحية القانونية، نهاية للقضية، فإن ما حدث بعد ذلك أعادها إلى الواجهة بصورة أكبر.
قبائل دهم تدخل على الخط
في السابع من مايو 2026، ظهرت “ميرا” في مقطع فيديو بدا أقرب إلى مشهد درامي مكتمل العناصر. كانت تتحدث بلهجة عراقية متداخلة مع مفردات شامية، وتناشد قبائل اليمن التدخل لإنصافها، قبل أن تقدم على قصّ ضفائر شعرها أمام الكاميرا.

وفي الأعراف القبلية اليمنية والعربية القديمة، يُعد قصّ المرأة لشعرها أمام الناس إعلان استغاثة واستنجاد. سلمت المرأة شعرها للشيخ حمد بن راشد الحزمي، أحد مشايخ قبائل دهم في محافظة الجوف، الذي استجاب لمناشدتها، وأعلن منحها “الوجه والجاه”، أي الحماية القبلية الكاملة.
وقال الحزمي إن القضية بالنسبة له لا تتعلق بإثبات نسبها لصدام حسين بقدر ما تتعلق بما وصفه بـ“رفع الظلم عن امرأة مستضعفة”، معتبراً أن أي خلاف حول الهوية لا يبرر مصادرة الحقوق بالقوة.
كما أعلن دعمه لمطلبها بإجراء فحص DNA “لحسم الجدل”، في خطوة نقلت القضية من النزاع القانوني إلى ساحة الصراع القبلي والاجتماعي.
الإعلام يدخل المعركة
التحول الأكبر في القضية جاء بعد تبني بعض وسائل اعلام ومنصات اجتماعية لرواية “ميرا”. ففي ديسمبر 2025 بثت قنوات فضائية يمنية وعربية مقطع فيديو للفتاة تحت عنوان يشير إلى أنها “ابنة صدام حسين” وتتعرض للتنكيل من قبل جماعة الحوثي في صنعاء.
وخلال فترة قصيرة، حصدت مقاطع الفيديو المتعلقة بالقضية ملايين المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول القصة إلى مادة للسجال السياسي والإعلامي.
لكن هذا التناول الإعلامي أثار أيضاً انتقادات واسعة، إذ رأى متابعون أن بعض الوسائل الإعلامية تعاملت مع القضية بوصفها فرصة للهجوم السياسي أكثر من كونها ملفاً يحتاج إلى تحقق مهني متوازن، خصوصاً مع غياب أدلة قاطعة تقنع الرأي العام بالكامل بأي من الروايتين.
رغد صدام تنفي
وسط هذا الجدل، خرجت رغد صدام حسين، الابنة المعروفة للرئيس العراقي الراحل، لتنفي بشكل قاطع صحة الرواية المتداولة.

وقالت في منشور عبر منصة “إكس” بتاريخ 6 فبراير 2025 إن الحديث عن وجود “ابنة سرية” لصدام حسين ليس سوى “قصص خيالية” سبق تداولها أكثر من مرة، مؤكدة أن العائلة نفت هذه الادعاءات سابقاً في مقابلات وتصريحات متعددة.
أين وصلت القضية الآن؟
حتى اليوم، لا تزال “ميرا” متمسكة بروايتها، وتقول إنها ضحية نفوذ وصراع مصالح، بينما تتمسك السلطات القضائية والأمنية في صنعاء بالأحكام الصادرة ضدها باعتبارها قضية تزوير.
وبين هاتين الروايتين، بقيت القضية معلقة في المنطقة الرمادية بين الحقيقة والتلفيق، لتتحول إلى واحدة من أكثر القصص غرابةً في اليمن خلال السنوات الأخيرة؛ قصة تبدأ بادعاء نسب لرئيس عربي راحل، ثم تمر عبر المحاكم والسجون والقبائل والإعلام، دون إجابة نهائية تقنع الجميع.

