سؤال: ما العيد فلسفيًّا؟(دجاجة.. دجاجتان)
قد يأخذ هذا السؤال وضعًا استنكاريًّا، وفي أحسن الأحوال وعيًا لا مباليًا؛ لسببين:
الأول: تكاسل الوعي العربي اللامبالي، من خلال تلقفه الجاهز واليقين، بعيدًا عن انشغال البال والفكر، وعن محاولة التدبر الفكري في مسائل البحث في قضايا تهمه على صعيد المفاهيم والإعمال الفكري فيها، إلا في فترة تاريخية استثنائية، هي فترة ازدهار الحضارة العربية الإسلامية والترجمة؛ لمحاولة الإجابة على أسئلة التلامس الحضاري في داخل الحضارة الإسلامية، لتدعيم اليقين من خلال المقابل والناشئ الطارئ الجديد، بفتحه المعاكس للأسئلة على المشروع الحضاري الإسلامي، كشرط للولوج وتجنبًا للحرب أو خيارات أخرى.
أما الوضع الاستنكاري والساخر في آن واحد، فطبيعته تتضمن بُعدين:
الموقف من الفلسفة، حيث قد تم استغراقها بالوعي السطحي العام على أنها حالة هذيان وفراغ ومضيعة للوقت، وهو للأسف موقف عدائي من التنظير وإعادة الاشتغال بالمفاهيم التي هي ضرورية لتنظيم حياتنا في اتخاذ مواقف واعية من كثير من الظواهر السلبية التي أتت بمآلات عجز العقل المتكاسل عن حلها. وحيث جاء ابتداءً بعدم الجدية من السؤال، والذي هو بطياته موقف استسلامي وهروبي من الفلسفة. وثالث للبعدين السابقين يجعلهما بعلاقة مثلثية مع الأول.
والثاني: فمصدره الواقع العياني المعاش في تردي الأوضاع الاقتصادية، فمن خلال التوجه بالإجابة على السؤال: ما العيد؟ سيعبر بطريقة سريعة انفعالية، ومتشربة بلغة السوق في موقفها من العلم والفلسفة، الذي اعتاده الجميع في الرد، وهو:
(دعك... بلا فلسفة)
(العيد حاجات ونفقات)
(وآخر مقابل العيد عيد العافية)
وهو هنا يصدر كلاهما، وهم ببراجماتيته العملية النفعية، دون مبدأ، وبمبدأ مكابر دون ملك وإشباع، في واقع أصلًا ينهش الكل سلطويًّا واستغلالًا، بما يجعلهما مرتهنين للحظة العيدية دون جوهرها الحقيقي والقيمي. لا يستطيع أحدهما القيام بإشباع حاجته عند الحدود الدنيا، مع أفق ضياع بانعدام الحرية، التي هي في جوهرها ومضمونها تعاني أسباب غياب السؤال على المستوى المفاهيمي والحوار، من حجب الفلسفي والرأي بالسؤال.

بخط الكاتب
والإجابة التي سأقطع بها دابر السخرية عن طبيعة السؤال: ما العيد فلسفيًّا؟ هي ذكر هذه النكتة الساخرة، بقصة قصيرة فكاهية تشبع وهم الساخر من الفلسفة، التي تلبي عملية نفعية مباشرة.
دجاجة.. دجاجتان
ذات مرة كان هناك فلاح مهتمًّا بولده كي يصبح طبيبًا، وفي لغة العامة: دكتورًا = طبيبًا. فبعث به لروسيا، فسافر الولد للدراسة وظل هناك طيلة سنوات الدراسة، ولم يكن يعلم الأب الفلاح بأن ولده قد غيّر تخصصه من الطب للفلسفة. ظل الأب يدعم ابنه ببيع مواشيه ومحصوله حتى طال به المقام، وأتى حاملًا إليه دكتوراه في الفلسفة.
وكان الوالد الفلاح فخورًا بوصوله أمام أفراد أسرته، وغير راضٍ بأن يذهب لمشفى لعلاج نفسه إلا على يد ولده الدكتور.
وحين وصل، استبشر به وذبح له دجاجة، وأثناء الغداء سأله ولده عن حاله، فقال له: والله يا ابني مريض، وأنتظر قدومك القريب لعلاجي.
فضحك ضحكة بها شيء من الاستغفال، وقال له: يا والدي، أنا دكتور فلسفة.
فقال له: ما هي هذه (الفقسسة)؟
قال له: باستطاعتي أن أفسر لك بأن هذه الدجاجة ليست دجاجة، بل دجاجتان؟!
فأصاب القول الوالدَ بالذهول واليأس، وبينما الابن يلتفت يمينًا وشمالًا، إذ بالأب بسرعة خاطفة بيده إلى الدجاجة، فمد الولد يده للمائدة فلم يجدها.
سأل أباه: أين الدجاجة؟
فقال له: تلك الدجاجة حقي، والثانية التي قلت عنها هي لك.
يبدو للواقع بأن الأب على حق، ولكن... هناك ما سيقوله الفيلسوف، ذات أبعاد أخرى، ليس هنا بهذه الاستهلالة للموضوع التي تمثل توطئة للإجابة عن السؤال: ما العيد فلسفيًّا؟ وليس بصدد الإجابة كيف سيجيب على والده.
فما العيد فلسفيًّا؟
