المؤتمر بين الواقع ومسؤولية الحفاظ على المجتمع
في خضم النقاشات الدائرة حول وضع المؤتمر الشعبي العام ودوره في هذه المرحلة الدقيقة، يذهب البعض إلى القول إن المؤتمر بات مختطفًا أو فاقدًا لإرادته السياسية، رغم ما يتقدمه من قامات وطنية تدرك حجم التحديات وتعقيدات المشهد. غير أن القراءة الأكثر هدوءًا وواقعية قد تقود إلى توصيف مختلف؛ فالمؤتمر، بحكم تاريخه وتركيبته الاجتماعية والسياسية، أكبر من أن يُختزل في حالة اختطاف أو ابتلاع، لكنه بلا شك يعمل في بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها موازين القوة مع معادلات الحرب والسلم، والسيادة والارتهان، وتفرض فيها الوقائع المسلحة شمالا وجنوبا قيودًا ثقيلة على العمل السياسي والمدني.
فحين تكون السلطة الفعلية بيد من يمتلك السلاح، ويتحكم بمفاصل الدولة والوظيفة العامة وقرار الحرب والسلام، يصبح هامش الحركة أمام أي حزب مدني محدودًا، مهما كان حجمه أو امتداده الشعبي. ومن هنا يمكن تفهم حالة التريث والحذر التي يتعامل بها المؤتمر، ليس بوصفها عجزًا أو استسلامًا، بل باعتبارها محاولة لتجنب انزلاق اليمن إلى مزيد من التشظي والانقسام، في ظل غياب حاضن وطني حقيقي واضح وموحد.
فأي تحرك غير محسوب في هذا الظرف الحساس قد يؤدي إلى هزّ ما تبقى من توازنات هشة، في وقت تتشكل فيه على الأرض جبهات ومشاريع صغيرة تسعى، بصورة أو بأخرى، إلى اقتطاع أوطان داخل الوطن الواحد، وفق حسابات ضيقة لا تخدم مستقبل اليمن ولا وحدته الوطنية.
كما أن أي مغامرة سياسية أو تصعيد غير مدروس، في وقت يرزح فيه الشعب تحت وطأة الجوع والفقر والمرض، لن يجعل الاستهداف لهذا الحزب المدني مقتصرًا على سلطة الأمر الواقع فحسب، بل قد يسبقه استهداف من قوى متحكمة صادرت قرار «الشرعية»، وأعادت تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤى ومصالح خاصة، حتى باتت الشرعية نفسها محل جدل واسع لدى كثير من اليمنيين. ولهذا تبدو الحكمة السياسية اليوم ضرورة وطنية، حتى يعود العقل ويتقدم المنطق، بعيدًا عن دفع المجتمع نحو صدامات جديدة أو مغامرات غير مضمونة النتائج، قد تزيد من معاناة الناس وتوسع دائرة الانقسام.
ومن يراقب أداء المؤتمر في هذه المرحلة يلحظ أن تركيزه الأكبر يتجه نحو العمل المجتمعي والالتصاق بقضايا الناس وهمومهم، من خلال انخراط قياداته في حل مشكلاتهم، والدفاع عن الحقوق العامة، والمساهمة في الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وتعزيز قيم التعاون والتكافل في زمن الانقسام، إضافة إلى التوعية المجتمعية في مواجهة خطاب الكراهية والعنصرية والعصبية والتجهيل والاستقطاب الحاد. وهي أدوار قد تبدو أقل صخبًا سياسيًا، لكنها في واقع الأمر تمثل صمام أمان وطنيًا في مرحلة تتآكل فيها مؤسسات الدولة وتتراجع فيها مساحات الثقة بين اليمنيين.
إن اليمن اليوم بحاجة إلى خطاب عقلاني يغلّب المصلحة الوطنية على حسابات الغلبة، ويؤمن بأن لا منتصر حقيقيًا في حرب أنهكت الوطن والمواطن. كما أن إخراج البلاد من هذا النفق المظلم لن يتحقق عبر مزيد من التصعيد أو الرهان على الحسم، بل عبر حوار يمني–يمني صادق يعيد الاعتبار للدولة الجامعة والشراكة الوطنية، ويتجاوز منطق الإقصاء والثأر السياسي.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز أهمية الحوار اليمني–السعودي بوصفه ضرورة استراتيجية تمليها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة. فاليمن والمملكة العربية السعودية يرتبطان بوحدة مصير وأمن واستقرار لا يمكن فصلهما، خصوصًا في ظل وتيرة صراع إقليمي ودولي متسارع يعيد تشكيل المنطقة بأكملها. ومن هنا فإن بناء علاقة متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون والتنمية المشتركة يمثل مصلحة للطرفين، وخطوة ضرورية لإعادة الاستقرار إلى اليمن والمنطقة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحروب مهما طالت لا تصنع أوطانًا مستقرة، وأن المجتمعات لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالتفاهم والعدالة والشراكة. واليمن، بتاريخ شعبه وحكمته، ما يزال قادرًا على النهوض متى ما توفرت الإرادة الصادقة لتقديم الوطن على ما سواه.
برلماني وسفير سابق
