غُرباء في مَسرح الضَّباب: حِين يكتبُ القَدَر مَشاهد الخَلاص
ديباجة في فقه الصدفة والمعنى
يا لها من مفارقة موجعة! هذا الموقف يجسد ما يسميه البعض "سخرية القدر"، بينما يراه آخرون "تدخلاً غيبياً" يتدفق في اللحظة الأخيرة ليغير مجرى الأحداث. إن ظاهرة الصدف المستحيلة في مثل هذه الظروف ليست مجرد رقم بارد في علم الاحتمالات، بل هي تجربة إنسانية عميقة؛ تخلط في نفس البدوي أو الغريب بين شعورين متناقضين: الخزي الواخز بسبب الحالة المزرية التي باغتته عليها الصدفة، والشعور الغامر بالخلاص.
وإذا أردنا قراءة هذا النوع من "الصدف" عبر نظرة تحليلية تجمع بين الفلسفة العميقة والواقعية المعيشة، فسنرى تجلياتها في أبعاد أربعة:
1. صراع الاحتمالات ضد الواقع
من الناحية الرياضية الصرفة، لندن مدينة يموج فيها قرابة تسعة ملايين نسمة، وتستقبل ملايين السائحين عداهم. أن تتقاطع مساراتك ضيقاً واتساعاً مع شخص تعرفه حق المعرفة في زقاق منزوٍ أو محطة "مترو" أنفاق، وأنت في أقسى حالات انكسارك، هو احتمال رياضى يقترب من الصفر. لكن حين يحدث، فإنه يكسر منطق الأرقام الصارم ليفرض منطقاً أسمى: إنه "قانون الصدفة ذات المعنى" أو ما أسماه عالم النفس كارل يونغ بـ (التزامن - Synchronicity)؛ حيث تقع أحداث العالم الخارجي في توقيت كوني مذهل لتعكس حاجة داخلية ملحة وعميقة.
2. التوقيت "المستفز" والعدالة الكونية
لماذا الآن؟ لماذا في هذه اللحظة التي يطحنني فيها الجوع والتيه؟
منظور "قانون مورفي": يرى أن الأمور تزداد تعقيداً وسوءاً في أصعب الأوقات الممكنة، لتصل الذروة في التحدي.
المنظور الإيماني الروحي: ينظر إلى الأمر كـ "طوق نجاة" أُلقي إليك من الغيب في اللحظة التي بلغت فيها القلوب الحناجر. الصدفة هنا لا تعرف العبث، بل هي استجابة كونية لنداء صامت لم تسمعه سوى السماء.
3. ازدواجية "الخجل" و"الامتنان"
هذا التجلي المفاجئ يخلق بداخلنا صراعاً نفسياً ثنائياً:
الخوف من نظرة الآخر: وثيقة الصلة بالغريزة الإنسانية التي تدعونا للاختباء والتواري عندما نكون في حالة ضعف أو عوز، ترفعاً وكبرياءً، لا سيما أمام من يعرفوننا.
الراحة العميقة: فبرغم هذا الإحراج العابر، يظل هذا القادم فجأة هو "الجسر" الذي قد يعيدك إلى شاطئ الحياة، أو على الأقل، يوفر لك وجبة دافئة تطفئ بها غبش جوع دام يومين.
4. لندن كمسرح للدراما
لندن تحديداً، بضبابها الأسطوري، وزحامها الرتيب، وبرودتها الشتائية القارسة، تشعر الإنسان الغريب بتضاؤل ذاته، وتعمق فيه الإحساس بالضياع. وعندما يلوح وجه مألوف وسط هذا "البحر المتلاطم من الغرباء"، يتحول هذا الشخص فجأة من مجرد "معرفة عابرة" إلى "وطن صغير" دافئ يتجسد في ملامح إنسان.
خلاصة القول: إن هذه الصدف هي التي تجعلنا نوقن بأن هذا العالم، رغم شساعته وقسوته الوجودية، ليس مجرد ذرات صماء تتحرك بعشوائية في الفراغ. أحياناً، يكون الكون رؤوفاً بنا بطريقة درامية مباغتة تجعلنا نعيد النظر في كل قناعاتنا السابقة عن الحظ، والصدفة، والقدر.
دعوني أحكي لكم الحكاية من أولها، لتدركوا سر هذه الديباجة التي بدأتُ بها؛ ففي تفاصيلها يكمن التفسير.
الفصل الأول: من دفء "ليننغراد" إلى صقيع "لندن"
في إجازة الشتاء من العام 1977، وخلال سنوات دراستي الجامعية في مدينة "ليننغراد" السوفيتية البديعة بجمالها المعماري، كنت في ليلة من الليالي أجلس مع مجموعة من الزملاء في غرفة السكن الطلابي. كان العرف السائد هناك أن يقطن الغرفة أربعة طلاب: اثنان من الروس واثنان من الأجانب. ظاهرياً، كانت مهمة الطالبين الروسيين هي تسهيل تمكين الطلاب الأجانب من إتقان اللغة الروسية وممارستها، أما باطناً وضمنياً، فالأمر لا يعدو كونها عين السلطة لمراقبة سلوك الأجانب.
كان أحد الطالبين الروسيين - ساشا - في غرفتنا يدرس في كلية العمارة، وعلى نقيض زميله الأوكراني المتزمت، كان هذا المعماري منفتحاً ومتمرداً نوعاً ما، وإن كان يفعل ذلك بخلسة وحذر شديدين. ما ميزه حقاً هو عبقريته في دراسته وإبداعه الفريد في تصميم المشاريع الدراسية، وهي ميزة جعلت من غرفتنا قبلة ومزاراً لبقية الطلاب، وبالأخص الطالبات اللواتي كنّ يلتمسن مساعدته وتوجيهه المعماري.
نشأت بيني وبينه علاقة شفافة ومميزة للغاية قامت على الود والاحترام المتبادل. وفي أحد الأيام، دعاني لاستضافتي في مسكن أسرته الكائن في ضواحي المدينة، تحديداً في منطقة "بيترجوف" التاريخية. أمضيت معه هناك ثلاث ليالٍ رائعة؛ وهي من الضواحي القريبة التي لا يقتضي الذهاب إليها الحصول على إذن خاص من السلطات الأمنية، كونها تقع ضمن نطاق الثلاثين كيلومتراً المسموح للأجانب بالتحرك فيه بحرية.
خلال وجودي معه، أطلعني بفخر على عمل خاص يقوم به؛ إذ كان يدخل تعديلات جوهرية على دراجة نارية قديمة ورثها عن والده المتوفى. كانت الدراجة في أصلها روسية الصنع، جلفة المظهر وغليظة الهيكل، لكن الإضافات والتعديلات التي استحدثها عليها كانت مبهرة للغاية، حتى بدت وكأنها إحدى الدراجات الغربية الفاخرة الخاصة بالمحترفين والهواة. كان ذلك العمل شاهداً حياً على عبقريته كمعماري ملهم؛ شيء لا يكاد يصدقه عقل.
غير أن الهدف الحقيقي من دعوته لي ظهر حين طلب مني خدمة خاصة تمنى أن أحققها له. قال لي إنه في حال قررت السفر نحو الغرب الأوربي في إجازتي القادمة، فإنه يرجو مني أن أشتري له خوذة أمان خاصة بالدراجات، وبنطالين من "الجينز الأمريكي" الأصلي، متكفلاً في مقابل ذلك بتغطية قيمة تذكرة سفري وجزء من مصاريف جيبي. كنت في الواقع أخطط مسبقاً لقضاء إجازة الشتاء في لندن رفقة مجموعة من الزملاء السودانيين، فوافقت على طلبه دون تردد؛ فمن جهة أسدي له صنيعاً جميلاً أرد به ضيافته، ومن جهة أخرى أستمتع بمغامرة السفر.
بحسب المعلومات التي استقيتها من زملائي السودانيين حول تكاليف الإقامة والمعيشة هناك، فإن المال الذي بحوزتي لن يغطي سوى ستة أيام بالكاد، لكنها كانت كافية تماماً في نظري لخوض غمار هذه المغامرة التي تعد أول زيارة لي لمدينة الضباب. بيد أن معضلة كبرى واجهتنا أثناء استخراج تأشيرة الزيارة من القنصلية البريطانية؛ إذ كان من الشروط الصارمة أن يثبت المتقدم حيازته لألف دولار أمريكي، في حين لم يكن في جعبتي سوى ستمائة دولار فقط.
حين علم الزملاء السودانيون بوضعي المالي، قالوا لي بلهجة ملؤها الأخوة والجدعنة: "لا تبتئس، تعال معنا وسنتدبر الأمر معاً، فكلنا في الهوى سوى، وبعضنا أسوأ حالاً منك". كنا ستة طلاب نقف في طابور شباك التدقيق المالي لإثبات ملكية العملة الصعبة، قبل الانتقال إلى شباك ختم التأشيرة. وهناك، ابتكروا حيلة ذكية؛ قاموا بجمع ما نملك من نقود ليصبح المجموع ما بين ألفين وألف وخمسمائة دولار، وكان يتم تمرير هذه المبالغ سراً من الخلف ليد أولئك الذين لا تكفي نقودهم، وكنت أنا أحد هؤلاء الثلاثة الذين أنقذتهم الحيلة. وبفضل هذا التضامن، تمكنا جميعاً من تأمين تأشيرة الدخول لمدة شهر.
الفصل الثاني: ورطة في مدينة الضباب
عند وصولنا إلى لندن سالمين دون أي عوائق، توجهنا مباشرة بدلالة أحد الزملاء الذي كان ضليعاً بأماكن السكن الرخيصة ونظامها، فنزلنا في "بنسيون" متواضع في أحد أحياء لندن القريبة من المركز، تملكه امرأة مصرية. كان نزلاً بسيطاً للغاية تبلغ أجرته اليومية سبعة جنيهات إسترلينية. وحسب القوانين الصارمة للـ "بنسيون"، قمت بحجز خمسة أيام مدفوعة سلفاً لضمان الحصول على الغرفة.
في اليوم الثاني، انطلقت في جولة مكثفة ومجهدة بين الأسواق البسيطة، سعياً وراء اقتناص أقل الأسعار الممكنة، لتأمين المشتريات التي طلبها زميلي الروسي مبكراً قبل رحلة العودة. وخلال ثلاثة أيام من البحث والتدقيق، كنت قد أكملت عمليات الشراء كلها بنجاح، على أمل أن أنعم باليومين المتبقيين لي في جولات حرة أتنقل فيها بين معالم لندن الشهيرة، على أن يكون موعد سفري في صباح اليوم السادس.
صباح اليوم الخامس، توجهت بنوايا مطمئنة إلى مكتب الخطوط الجوية السوفيتية "إيروفلوت" لتأكيد حجز تذكرة العودة. لكن رد موظفة الحجز نزل علي كالصاعقة؛ إذ أفادتني ببرود: "لا يمكنك السفر بهذا النوع من التذاكر المخفضة إلا بعد مرور عشرة أيام من الآن!". هذا يعني باختصار أن علي البقاء في لندن لأربعة أو خمسة أيام أخرى إضافية.
تملكني الذعر.. ما العمل؟ لم يكن قد تبقى في جيبى سوى تسعة جنيهات إسترلينية فقط؛ وهي بالكاد تكفي لتغطية تكلفة المواصلات إلى المطار ووجبتي طعام خفيفتين. عدت إلى الـ "بنسيون" يجرني الهم، وعند مكتب الاستقبال كانت صاحبة الفندق تنظر إلي بنظرات متفحصة قائلة بلهجتها المصرية: "حاتواصل معانا يا بيه وإلا مغادر بكرة؟"، فأجبتها بمواربة محاولاً تماسك نفسي: "احتمال أتأخر قليلاً، سأخبرك الخبر اليقين في الغد"، فأردفت مذكرة: "أنت عارف النظام والشروط طبعاً"، فأجبتها: "عارف.. لا تقلقي".
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحاً حين صعدت إلى غرفتي لأرتاح قليلاً، ولأفكر في مخرج عاجل ينقذني من هذه الورطة المحدقة. وبعد نصف ساعة من التفكير العقيم، قررت اتخاذ خطوة إسعافية أولية: سأقوم بإعادة أحد بنطالي "الجينز" اللذين اشتريتهما بمبلغ خمسة وعشرين جنيهاً، وبذلك أتجنب إحراجات صاحبة السكن وأمنح نفسي متسعاً من الوقت لتدبر بقية الأمر.
توجهت إلى المتجر، لكن البائع وافق على استرداده مقابل خمسة عشر جنيهاً فقط! كان ذلك محبطاً ومؤلماً لروحي، فالإحباط ضاعف قسوة الموقف؛ كون المتجر يقع في سوق شبيه بالـ "بازار" الذي لا يخضع لشروط الاسترداد العادلة كما في المتاجر الراقية. غادرت المتجر وأنا في حالة نفسية ومادية مزرية؛ لم أذق طعم العشاء بالأمس، وحُرمت من وجبة الإفطار هذا الصباح، والوقت يزحف سريعاً نحو الثالثة عصراً. كان الشتاء الإنجليزي قارساً ينهش العظام، وأنا أمشي مثقلاً ببالطو روسي صوفى ثقيل الوزن والحمل، أهيم على وجهي في شوارع المدينة دون وعي، حتى قادتني خطاي إلى شارع واسع يبدو على مبانيه ومرتاديه الترف والرقي، أثقل كاهلي كيس بلاستيكي يحوي البنطال المسترد والجنيهات القليلة المخيبة للأمل.
الفصل الثالث: الـمِحراب والـمُنقذ
وفجأة، وسط ذلك التيه، رفعت رأسي لألمح رجلاً في غاية الأناقة يفيض هندامه ثراءً ووجاهة، ويمشي بجانبه رجلان مفتولا البنية، فارعا الطول، يظهر من ملامحهما وحركتهما الحذرة أنهما حارسان شخصيان. وحين اقتربت الخطى أكثر، انقدحت شرارة في ذهني واستيقظت ذاكرتي بسرعة فائقة؛ قلت لنفسي مذهولاً: يا إلهي! إنه شاهر عبد الحق! المليونير اليمني الشهير، الرجل العبسي الذي كان من أعز معارف أخي الراحل، الروائي محمد عبد الولي.

دون تفكير أو تردد، ولدت في داخلي شجاعة الملهوف، فاندفعت نحوه بخطوات متسارعة. وفور اقترابي منه بمسافة خطوتين، استشعر الحارسان الخطر فاندفعا أمامه بحركة احترافية سريعة حتى توارى تماماً خلف ظهريهما الضخمين. صرخت بصوت عالٍ وجهوري ليخترق حاجز الحراسة: "أنا عباس عبد الولي!.. أخو محمد عبد الولي.. ابن الفقيه أحمد!".
ما إن سمع الاسم حتى تغيرت ملامحه، وبحركة من يده دفع بالحارسين جانباً ليفسحا لي الطريق، ورحب بي ترحيباً حاراً تظهر عليه علامات المفاجأة. لكنه استطرد قائلاً وعيناه تدوران حول المكان: "أنا على عجل من أمري الآن يا عباس، مر علي صباح الغد في هذا العنوان". أخرج قلماً من جيبه، وبسبب عدم وجود أوراق، كتب عنوانه بخط يده مباشرة على سطح الكيس البلاستيكي الذي كنت أحمله، ثم وادعني ومضى.
عدت إلى الـ "بنسيون" وكأنني ولدت من جديد. وعند الاستقبال، وجدت صاحبة المكان بانتظاري، فبادرتها بثقة مصطنعة قبل أن تنطق بسؤالها: "أنا باقٍ لعدة أيام أخرى، وغداً صباحاً سأسدد لك كل المبالغ المستحقة". نظرت إلي وقالت: "ولماذا لا تسدد الآن؟"، فأجبتها بملامح وقورة وصوت هادئ: "لا يمكنني ذلك الآن، علي الذهاب غداً إلى البنك لاستلام حوالة مالية منتظرة". تركتها مأخوذة بملامح الواثق الذي لا يهتز، بينما كان في داخلي رعب مبطن من المجهول، وجوع كافر يعصر أحشائي عصراً.
الفصل الرابع: وجبة غالية وخلاص غير متوقع
في صباح اليوم السادس، تأنقت بما أملك وتوجهت مسرعاً نحو الفندق المكتوب عنوانه على الكيس. ومن فرط الرغبة في إثبات الأناقة والالتزام، استأجرت سيارة تاكسي كلفتني أربعة جنيهات كاملة من تسعة جنيات؛ وهي مغامرة مالية غير محسوبة الصرف كادت تودي بما تبقى معي.
كان الفندق يقع في أرقى أحياء العاصمة لندن؛ مبنى أثري فاخر للغاية ينضح بالفخامة الملكية. دلفت إلى البهو الفسيح متوجهاً نحو طاولة الاستقبال، وكنت أشعر بأنني الكائن الشاذ الوحيد وسط ذلك الحشد من النبلاء والأثرياء؛ نظراً لثيابى وبساطة ملامحي وسمة البالطو الروسي الثقيل الذي يمنحني مظهراً ينتمي إلى الطبقة العاملة الكادحة.
سألت موظف الاستقبال بإنجليزية هادئة عن اسم النزيل شاهر عبد الحق. وبعد أن راجع السجلات بدقة، رفع رأسه وقال: "نعم، إنه يقيم في الجناح الفلاني". هممت بالتوجه فوراً نحو المصاعد، فاستوقفني الموظف بصوت قلق ونبرة حازمة: "انتظر يا سيدي.. لا يمكنك الصعود مباشرة، علينا أن نستأذنه هاتفياً أولاً". وحين جاء الرد من الجناح بالإيجاب والموافقة، أشار إلي بالصعود بصحبة موظف آخر يرشدني؛ وهي إجراءات بروتوكولية استثنائية لمواجهة ضيف غريب الأطوار ومريب الملامح مثلي.
فتحت أبواب الجناح الفاخر ودخلت. ورغم أن الوقت كان مبكراً بعض الشيء، إلا أن السيد شاهر عبد الحق كان في كامل أناقته واستعداده الخارجي. رحب بي بحرارة بالغة أنستني وحشة المكان، وجلس يسألني باهتمام حقيقي عن أحوالي وما أفعله هنا في بريطانيا، وعن أخبار زوجة المرحوم أخي "بريجيتا" وبناته، وهل ما زلت على تواصل معهن، إلى غير ذلك من الأسئلة الحميمية التي تنم عن وفاء وحرص شديدين. ثم سألني عن الرسالة التي زعمتُ بالأمس -كديباجة للمقابلة- أنني أرغب في إرسالها إلى الوالد عبره. فأجبته موارياً: "سأقوم بإعدادها وصياغتها لاحقاً وأتركها لك في مكتب الاستقبال، فقد كان كل همي اليوم هو التيقن من صحة العنوان والاطمئنان عليك".
في هذه الأثناء، رن جرس الباب، وحين فتحه، دلف الجرسون دافعاً أمامه طاولة طعام فاخرة تفوح منها روائح زكية تأخذ بالألباب. نظر إلي السيد شاهر وسألني بلطف: "هل تناولت إفطارك يا عباس؟"، فأجبت بعزة نفس مكابرة: "نعم.. الحمد لله، لقد أفطرت قبل المجيء"، بينما كنت في الحقيقة أتضور جوعاً وتكاد أحشائي تتقطع لعدم تذوق الطعام منذ يوم كامل.
توجه بعد ذلك إلى غرفة النوم المفتوحة على صدر الجناح الفاخر، وأشار إلي بيده أن اتبعه نحوه إلى الغرفة. وهناك، دون أن ينطق بكلمة واحدة، وبحركة سريعة ومحترمة، دس شيئاً ما في جيب بالطوي الروسي الثقيل. مرت بضع دقائق أخرى، ثم استأذنته بالانصراف شاكراً له طيب الاستقبال وكرم الضيافة، وفي داخلي فضول مجنون وشغف عارم لاستكشاف ماهية الشيء الذي استقر في أعماق جيبي.
ما إن وطئت قدماي رصيف الشارع بعيداً عن أبواب الفندق، حتى أدخلت يدي بلهفة، ليتيقن لِمسي وتكتحل عيناي برؤية مئتي جنيه إسترليني كاملة! تملكتني الدهشة الذهول؛ أهذا حلم يقظة أم حقيقة؟ مئتا جنيه عداً ونقداً!
لم أفكر في تلك اللحظة بأي شيء في العالم سوى العثور على مطعم يطفئ النيران المشتعلة في معدتي. ولم تمر سوى دقيقة حتى وجدت نفسي أمام مطعم باكستاني تفوح منه روائح البهارات الدافئة. دلفت إليه وطلبت على عجل بعض الأطباق الدسمة المخصصة للإفطار، وبدأت ألتهم اللقيمات بنهم وشراهة وجوع كافر. لكن المفارقة الصحية كانت قاسية؛ فبمجرد استقرار بضع لقيمات في معدتي الخاوية منذ أيام، داهمتني آلام مبرحة وتقلصات حادة تفوق في قسوتها وجع الجوع نفسه! لم أتمكن من الصمود أو الاحتمال، فاندفعت فوراً نحو دورة المياه لأفرغ كل ما أكلته، ثم غادرت المطعم حزيناً دون أن أتمكن من إكمال وجبتي الفاخرة.
عدت إلى الـ "بنسيون" وأنا أسير بخطى وئيدة، وفي جيبي مئتا جنيه إسترليني كاملة. وإذا علمتم أن الميزانية الأصلية الكلية التي خصصتها لهذه الرحلة بأكملها كانت ستين جنيهاً فقط، فستدركون حجم التحول؛ الآن بات بإمكاني قضاء الأيام العشرة المتبقية بكل أريحية، وشراء ملابس جديدة تليق بي، وتناول وجبات منتظمة متزنة في مطاعم راقية، والاستمتاع بسياحة استثنائية في مدينة الضباب لم أكن لأحلم بها في نظام الاحتمالات العادية.
