السبت 7 نوفمبر 2026

حين تصبح الهوية أقوى من الحقيقة

متى تكون كلمة "لا" موقفًا مبدئيًا، ومتى تتحول إلى مجرد تعبير عن انتماءاتنا وأحكامنا المسبقة؟

من السهل أن نرفض رأيًا حين يصدر عن شخص يختلف عنا في المنطقة أو المذهب أو الدين أو التوجه السياسي. ومن السهل أيضًا أن نُخضع كلامه للتدقيق والتمحيص، وأن نفتش عن ثغراته، ونشكك في دوافعه، وربما نرفضه قبل أن نمنحه فرصة عادلة للفهم.

لكن السؤال الأصعب هو: هل نملك الشجاعة نفسها عندما يأتي الرأي من شخص يشبهنا، وينتمي إلى مدينتنا أو منطقتنا أو جماعتنا أو إيماننا الديني؟

هل نُخضع كلامه للمقياس نفسه؟ هل نطالبه بالأدلة ذاتها؟ وهل نستطيع أن نقول له "لا" بالوضوح نفسه الذي نقولها به للمختلف عنا؟

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للإنصاف.

في مجتمعنا اليمني، حيث تتداخل الانتماءات المناطقية والقبلية والمذهبية والسياسية والدينية في تفاصيل حياتنا اليومية، كثيرًا ما تتحول هوية المتحدث إلى جزء من تقييمنا لما يقوله. وقد نذهب أبعد من ذلك، فنمنح بعض الأشخاص ثقتنا قبل أن نسمع حججهم، بينما نطالب آخرين بإثبات حسن نواياهم حتى قبل أن نناقش أفكارهم.

وهكذا، قد تصبح الفكرة الواحدة مقبولة عندما يقولها شخص "منا"، ومرفوضة عندما يطرحها شخص "منهم".

وحين يحدث ذلك، لا نعود نبحث عن الحقيقة بقدر ما نبحث عما يؤكد انحيازاتنا.

لنتخيل أن مسؤولًا من منطقتنا اتخذ قرارًا أضر بمصالح الناس. هل سننتقده بالوضوح نفسه الذي ننتقد به مسؤولًا من منطقة أخرى؟ أم سنبحث له عن المبررات، ونستحضر الظروف، ونطالب الآخرين بالصبر والتفهم؟

ولو صدر القرار نفسه عن شخص لا يشاركنا انتماءنا، فهل سنمنحه المساحة ذاتها من التفهم؟

وفي المقابل، إذا طرح شخص يختلف معنا دينيًا فكرة جيدة لإصلاح التعليم، أو تحسين الخدمات، أو مواجهة الفساد، فهل سنناقشها بإنصاف؟ أم سننشغل بالسؤال عن أصله وانتمائه الديني، ونترك قيمة ما يقترحه جانبًا؟

هذه ليست مجرد أسئلة أخلاقية، بل أسئلة تمس قدرتنا على بناء مجتمع يتسع للجميع.

فالإنصاف لا يعني أن نتخلى عن انتماءاتنا، ولا أن ننكر خصوصياتنا الثقافية والاجتماعية والعقائدية. من الطبيعي أن نعتز بمدننا ومناطقنا وتقاليدنا وقناعاتنا الشخصية والدينية. لكن التحدي يبدأ عندما يتحول هذا الاعتزاز إلى معيار للحقيقة، أو إلى حصانة تمنعنا من رؤية أخطاء من ينتمون إلينا.

ليس المطلوب أن نتوقف عن الانتماء، بل أن نتوقف عن جعل الانتماء بديلًا عن التفكير.

إن من أصعب أشكال الشجاعة أن ننتقد الخطأ حين يصدر عمن نحب، وأن نعترف بالصواب حين يأتي ممن نختلف معهم.

فالموقف العادل لا يُقاس بقوة اعتراضنا على الآخرين وحدهم، بل بقدرتنا على تطبيق المبادئ نفسها على أنفسنا ومن نعتبرهم أقرب إلينا.

وهذا لا يعني أن كل الآراء متساوية في صحتها، أو أن علينا قبول كل ما يُطرح باسم التسامح. فمن حقنا، بل من مسؤوليتنا، أن نناقش ونشكك ونرفض عندما نجد ما يستدعي الرفض. لكن ينبغي أن يكون السؤال: ما الدليل؟ ما أثر هذه الفكرة على الناس؟ هل تحقق مصلحة عامة أم تخدم مصلحة ضيقة؟ وليس: من أي منطقة جاء صاحبها؟ وإلى أي جماعة ينتمي؟

وعلينا أيضًا أن نفرق بين نقد الفكرة والحكم على الإنسان. فقد نختلف مع شخص اختلافًا جذريًا دون أن نسلبه حقه في أن يُسمع، وقد نتفق مع شخص في قضايا كثيرة دون أن نمنحه حقًا دائمًا في أن يكون على صواب.

إن المجتمعات لا تنمو بتشابه أبنائها في الآراء، بل بقدرتهم على إدارة اختلافاتهم دون أن يفقدوا احترامهم المتبادل، ودون أن يتنازلوا عن حقهم في التفكير المستقل.

ولعل اليمن، بما يحمله من تنوع اجتماعي وثقافي وتجارب مؤلمة مع الانقسام، أحوج ما يكون إلى هذا النوع من المراجعة الذاتية. فالكثير من الانقسامات لا تتغذى على اختلاف المواقف وحده، بل على ازدواجية المعايير التي تجعل خطأ القريب مقبولًا، وصواب البعيد موضع شك.

ولا يمكننا أن نطالب بمجتمع أكثر عدلًا بينما نمارس الإنصاف بصورة انتقائية. فالعدل الذي نريده لأنفسنا ينبغي أن نريده للآخرين، والحق الذي نطالب به لجماعتنا لا يفقد قيمته عندما يطالب به من يختلفون عنا.

ربما لا نستطيع التخلص من جميع أحكامنا المسبقة دفعة واحدة، لكن يمكننا أن نبدأ بعادة بسيطة: أن نتوقف لحظة قبل أن نوافق أو نرفض، وأن نسأل أنفسنا بصدق:

لو قال الكلام نفسه شخص من مدينتي أو منطقتي أو مذهبي أو ديني، هل سيكون موقفي هو ذاته؟

وإذا كانت الإجابة "لا"، فربما تكون المشكلة ليست في الفكرة التي نناقشها، بل في المعيار الذي نحاكمها به.

نحتاج في اليمن إلى أن نتعلم قول "لا" للخطأ، حتى عندما يأتي من أقرب الناس إلينا، وأن نمتلك الشجاعة لقول "نعم" للصواب، حتى عندما يأتي ممن نختلف معهم.

فالحقيقة لا تكتسب قيمتها من هوية قائلها، والعدل لا يصبح عدلًا إلا حين يتسع للجميع.

وربما يبدأ التغيير الحقيقي في مجتمعنا يوم تصبح كلمة "لا" تعبيرًا عن مبدأ، لا عن خصومة، وتصبح كلمة "نعم" اعترافًا بالحقيقة، لا إعلانًا عن الولاء.