المناضل الوحش الذي أرعب الأعداء فقتله الأصدقاء؟ بين الحقيقة والروايات المتناقضة(3-1)

قبل نحو سبع سنوات، كتبت مقالًا عن الشهيد البطل محمد مهيوب، الذي عُرف بين الضباط والجنود المصريين بلقب «الوحش»، تقديرًا لشجاعته الاستثنائية وجرأته في اقتحام مواقع القوات الملكية خلال معارك الدفاع عن النظام الجمهوري وفك حصار صنعاء الذي استمر سبعين يومًا.
ولم يكن لقب «الوحش» اسمًا عائليًا، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض، وإنما لقب أطلقه عليه رفاق السلاح المصريون، لما عرفوا عنه من إقدام في مواجهة العدو، وطريقة جريئة في الاقتحام، وصرخة مدوية كان يطلقها أثناء الهجوم، فتربك الخصم وترفع معنويات المقاتلين في صفه. وقد غلب هذا اللقب على اسمه الحقيقي حتى كاد يطغى عليه، وأصبح كثيرون يعرفونه باسم «الوحش» أكثر مما يعرفونه باسم محمد مهيوب.
ولم يكن هذا اللقب مجرد تعبير عابر عن الشجاعة، بل ارتبط بسيرة رجل عاش مرحلة مضطربة من تاريخ اليمن، وشارك في الدفاع عن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وارتبط اسمه بمعارك الجمهورية في مواجهة القوات الملكية، وبالجهود العسكرية التي أسهمت في فك حصار صنعاء.
وقد حرصت عند كتابة مقالي السابق على تحري صحة ما أوردته من معلومات، من خلال الاستماع إلى عدد من المعاصرين، ومنهم العميد مجاهد أبو شوارب، واللواء محمد عبدالخالق، فضلًا عما جمعه شقيق الشهيد، الدكتور عبدالعزيز مهيوب، من شهادات رفاق الفقيد. كما استمعت شخصيًا إلى روايات شفوية من العميد مجاهد أبو شوارب والدكتور سيلان العبيدي، وغيرهما ممن كانت لهم صلة بتلك المرحلة.
غير أنني، قبل نحو أسبوعين من إعادة النظر في هذا الموضوع، تلقيت اتصالًا من الإسكندرية عبر «الماسنجر» من زميل الدراسة الجامعية في القاهرة، الصديق علي عبدالله سعيد القادري، المعروف بـ«الضالعي». وقد أخبرني أنه قرأ مقالي السابق، وأنه لا يختلف مع ما ورد فيه بشأن بطولات الوحش وشجاعته، لكنه يختلف اختلافًا جوهريًا مع الرواية التي تناولت ظروف مقتله وأسبابه ودوافعه.
وقد روى لي رواية مغايرة لما سبق أن نشرته، الأمر الذي دفعني إلى طلب إرسالها مكتوبة، حتى أتمكن من مناقشة الروايتين في مقال مستقل، التزامًا بما أراه واجبًا على الكاتب الذي يتناول أحداثًا تاريخية ما زال بعض شهودها على قيد الحياة.
ومن هنا، فإن الغرض من هذه السلسلة ليس الدفاع عن رواية لمجرد أنها وردت في مقالي السابق، ولا تبني الرواية الجديدة لمجرد أنها جاءت من صديق أو شاهد، وإنما وضع الروايتين أمام القارئ، ومقارنتهما بما توافر من معلومات، وبيان ما يظل ثابتًا وما يحتاج إلى مزيد من التحقيق.
محمد مهيوب «الوحش»... سيرة رجل من عامة الشعب
وُلد الشهيد محمد مهيوب القدسي في قرية الكدرة بمديرية المواسط، محافظة تعز، عام 1942، في أسرة فلاحية بسيطة. تلقى تعليمه الأولي في كتاب القرية، ثم انتقل في مراحل من حياته إلى السعودية وعدن، حيث واصل تعليمه، وعاش ظروفًا اقتصادية واجتماعية صعبة شكلت جانبًا من شخصيته الوطنية.
وكان والده قد شارك في حرب فلسطين عام 1948 ضمن المتطوعين اليمنيين الذين التحقوا بالقتال في إطار الجيش العربي السوري آنذاك، قبل أن يعود إلى اليمن، ثم يهاجر إلى السعودية، مصطحبًا ابنه محمد مهيوب للدراسة.
وفي منتصف الخمسينيات تقريبًا، عاد محمد مهيوب إلى قريته، لكنه غادرها لاحقًا متجهًا إلى عدن بحثًا عن العمل ومواصلة الدراسة. وهناك، في أجواء الحركة الوطنية التي كانت تشهد نشاطًا متزايدًا في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، ارتبط بالحركة القومية العربية، وفق ما ورد في الشهادات التي نقلها شقيقه وبعض المعاصرين.
وعندما اندلعت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، ترك العمل والدراسة في عدن، واتجه إلى تعز ثم صنعاء، حيث كان من أوائل المتطوعين الذين التحقوا بالدفاع عن الثورة والنظام الجمهوري، ضمن الحرس الوطني الذي تشكل من المتطوعين القادمين من مختلف المناطق اليمنية المؤيدة للجمهورية.
ولم يكن التحاقه بالثورة مجرد موقف عاطفي عابر، بل تحول إلى مسار عسكري ارتبط بالتدريب والتخصص والمشاركة في المعارك، حتى أصبح أحد الأسماء المعروفة في قوات المظلات، التي تلقت تدريبها على يد القوات المصرية التي وصلت إلى اليمن للمشاركة في الدفاع عن الجمهورية الوليدة.
وتشير الروايات المتداولة إلى أن محمد مهيوب كان أول يمني يقفز من الطائرة بمظلته في أول استعراض لقوات المظلات اليمنية في فبراير 1963، وأنه أدى التحية العسكرية للرئيس المشير عبدالله السلال بعد هبوطه. كما تنسب إليه روايات تأسيس أول فرقة انتحارية في سلاح المظلات آنذاك، ومشاركته في معارك مهمة، من بينها معارك جبل الطويل خلال حصار السبعين.
وهذه التفاصيل، على أهميتها، تستحق أن تُراجع في سجلات القوات المسلحة وشهادات المشاركين المباشرين، حتى تتكامل صورة الرجل بعيدًا عن المبالغة التي قد ترافق أحيانًا سير الأبطال في الذاكرة الشعبية.
الوحش في معارك الدفاع عن الجمهورية
كانت سنوات حصار صنعاء من أكثر المراحل قسوة في تاريخ الجمهورية اليمنية الناشئة. فقد تعرضت العاصمة لهجوم واسع، واضطر المدافعون عنها إلى مواجهة ظروف عسكرية وإنسانية شديدة الصعوبة.
وفي تلك المرحلة، برزت أسماء عدد من الضباط والجنود الذين ارتبطوا بالدفاع عن العاصمة، ومن بينهم محمد مهيوب الوحش، الذي تروي الشهادات أنه كان يتقدم في الهجوم على المواقع المعادية، ويستخدم صرخته الشهيرة لإرباك الخصم ورفع معنويات رفاقه.
وقد وصفه العميد الشهيد مجاهد أبو شوارب، في شهادة سمعتها منه شخصيًا في مقيل اللواء درهم أبو لحوم، وبحضور عدد من المعاصرين، بأنه من أبرز الأبطال الذين شاهدهم خلال المعارك. ومما قاله: «لقد خضت معارك كثيرة وشاهدت أبطالًا ومقاتلين أبلوا بلاءً حسنًا، وسمعت عن أخبار أبطال كثيرين، إلا أنني لم أشاهد بطلًا كالوحش، البطل الأسطوري. فقد كان لا يهاب الموت، يرعب العدو ويرفع معنويات المقاتلين في صفه، وكم كنت أخاف عليه حين يتقدم وسط إطلاق النيران، يلقي بالقنبلة الواحدة تلو الأخرى صوب العدو، فيجبره على التراجع والانسحاب».
ثم ختم شهادته بالقول إن الأثر الذي يقول: «لكل امرئ من اسمه نصيب» ينطبق على محمد مهيوب، في إشارة إلى اللقب الذي اشتهر به.
وهذه الشهادة، وإن كانت شهادة تقدير وشجاعة من أحد المعاصرين، فإنها تضيء جانبًا مهمًا من شخصية الوحش في الميدان، وتؤكد أن صورته لدى عدد من رفاقه لم تكن صورة جندي عادي، بل صورة مقاتل ترك أثرًا في ذاكرة من عاصروه.
من البطولة إلى الصراع داخل المؤسسة العسكرية
لكن تاريخ الأبطال لا ينتهي بانتهاء المعارك، ولا تتوقف أسئلته عند لحظة الانتصار العسكري. فقد شهدت الجمهورية اليمنية، بعد انتهاء حصار صنعاء، صراعات داخل المؤسسة العسكرية والسياسية، وتداخلت فيها الخلافات حول القيادة والصلاحيات وإعادة ترتيب الوحدات العسكرية.
وفي هذا السياق، ظهرت توترات بين ضباط وجنود كانوا قد شاركوا في الدفاع عن الجمهورية، وبين قيادات عسكرية عادت إلى مواقعها بعد انتهاء الحصار. كما شهدت المرحلة إعادة توزيع للمناصب، وضم أفراد من تشكيلات عسكرية مختلفة إلى وحدات الصاعقة والمظلات، وهو ما أصبح لاحقًا محورًا أساسيًا في الروايات المتباينة حول مقتل الوحش.
ومن الضروري هنا عدم اختزال تلك المرحلة في صراع حزبي واحد، أو افتراض أن جميع الضباط والجنود كانوا ينتمون إلى اتجاه سياسي محدد. فقد كانت المؤسسة العسكرية تضم اتجاهات وطنية وقومية ويسارية، فضلًا عن اختلاف المواقف الفردية من القيادات والقرارات العسكرية.
غير أن الصراع السياسي الذي شهدته اليمن في تلك الفترة كان حاضرًا في خلفية الأحداث، وهو ما يستدعي دراسة دقيقة لتأثيره على القرارات العسكرية وعلى العلاقات بين الضباط.
أولًا: رواية الصديق علي عبدالله الضالعي
أرسل إليّ الصديق علي عبدالله الضالعي رواية مكتوبة، أكد في بدايتها أنه يتفق مع ما أوردته عن شجاعة الوحش ودوره في معارك تثبيت النظام الجمهوري وفك حصار السبعين، لكنه يختلف مع ما ورد في مقالي بشأن مقتله.
وفي ما يلي أعرض جوهر روايته، مع الحفاظ على مضمونها، على أن تظل مسؤولية إثبات الوقائع الواردة فيها مرتبطة بمصادرها وشهاداتها:
يرى الضالعي أن شهادة الدكتور عبدالعزيز مهيوب، شقيق الشهيد، تحتاج إلى التعامل معها بحذر، بسبب صلة القرابة الأسرية، كما يذكر أن انتماءه السياسي قد يكون مؤثرًا في تفسيره لبعض الأحداث.
ويقول إن قرار ضم عدد من ضباط وجنود جيش التحرير إلى وحدتي المظلات والصاعقة، بعد فك حصار السبعين، أثار توترات بين بعض العناصر العسكرية ذات الاتجاهات السياسية المختلفة.
ويضيف أن محمد مهيوب الوحش كان من العناصر المرتبطة بالحزب الديمقراطي الثوري، وأنه أظهر، بحسب روايته، عداءً تجاه بعض المنتمين إلى جبهة التحرير، التي يصف أفرادها بأنهم ذوو ميول ناصرية.
ثم يورد الضالعي روايتين عن حادثتين قال إنهما سبقتا مقتل الوحش، ويتهمه فيهما بالاعتداء على أفراد من جبهة التحرير.
وبحسب روايته، فقد وقعت الحادثة الأولى في بوفية بميدان التحرير، حين أمر الوحش الملازم أول صالح مثنى الرفاعي بالخروج من المكان، ثم اتهمه الضالعي بأنه أمر مرافقيه بتقييد الرفاعي وخنقه بحبل، قبل أن يُترك جثمانه بالقرب من المقهى.
أما الحادثة الثانية، فيروي الضالعي أنها وقعت في بوفية التحرير أيضًا، حين وصل الوحش ومعه عدد من الجنود، وتوجه إلى جنديين من قوات الصاعقة، هما همام العزيق وجمال العدني، وحدثت مشادة كلامية بينهم.
ويقول إن الوحش أطلق النار على الجندي همام العزيق، فأرداه قتيلًا، وإن جمال العدني أطلق النار على الوحش، الذي سقط من على الطقم أمام عمارة الغراسي، ثم فر العدني من المكان، وفارق الوحش الحياة قبل وصوله إلى المستشفى.
ويخلص الضالعي إلى أن مقتل الوحش لم يكن نتيجة مؤامرة أو عملية اغتيال منظمة، بل جاء، بحسب روايته، في سياق مواجهة مسلحة أعقبت اعتداءات سابقة.
وهذه رواية خطيرة في مضمونها، لأنها لا تقتصر على تفسير ظروف مقتل الوحش، بل تتضمن اتهامات جنائية محددة، من بينها القتل العمد والاعتداء على أفراد من الجيش. ولذلك فإن نشرها يقتضي التعامل معها بوصفها رواية منسوبة إلى صاحبها، تحتاج إلى أدلة مستقلة وشهادات مباشرة، ولا يصح اعتمادها وحدها لإدانة شخص متوفى أو حسم واقعة تاريخية.
ثانيًا: الرواية التي تضمنها مقالي السابق
أما الرواية التي سبق أن نشرتها في مقالي القديم، فقد استندت إلى شهادات شفوية من معاصرين، وإلى معلومات نقلها شقيق الشهيد الدكتور عبدالعزيز مهيوب، وإلى ما سمعته من بعض الشهود.
وبحسب هذه الرواية، فإن محمد مهيوب الوحش غادر صنعاء فجر الثلاثاء 30 أكتوبر 1968، متوجهًا إلى معسكر الحديدة، ثم عاد إلى صنعاء يوم الخميس 1 نوفمبر، وتعرض أثناء عودته لإطلاق نار، نجا منه من محاولة اغتيال.
وعند وصوله إلى ميدان التحرير نحو الساعة الرابعة والنصف عصرًا، جلس مع رفاقه في بوفية التحرير، حيث التقى جنديًا يدعى جمال العدني، كان قد غادر المعسكر حاملًا سلاحه.
وتذكر الرواية أن الوحش طلب من العدني العودة إلى المعسكر، لكنه اعتذر، فتركه الوحش ورفاقه وصعدوا إلى السيارة التي كانت تحمل رشاشًا من عيار 12.7، إضافة إلى الأسلحة الشخصية.
ثم تقول الرواية إن العدني خرج من البوفية وأطلق عبارة «اليوم يومك يا وحش»، فطلب الوحش من اثنين من مرافقيه، أمين فيصل وعلي محمد قايد الشيحان، ملاحقته. وتضيف أن الجندي دخل ممرًا بالقرب من مطعم التيسير، وأن مرافقي الوحش تبعاه، قبل أن تتحرك السيارة باتجاه الممر.
وبحسب الرواية، فقد اكتشف الوحش ورفاقه وجود مسلحين يطلقون النار من أسطح مبانٍ مجاورة، وأن إطلاق النار جاء من اتجاهات متعددة، ثم انسحب بعض الموجودين في المكان.
وتضيف الرواية أن الوحش أصيب برصاصة في مؤخرة الرأس، وأن رفاقه انسحبوا إلى معسكر المظلات لإحضار تعزيزات، ثم عادوا ليجدوا المدرعات والدبابات منتشرة في المنطقة.
وتذكر الرواية أن الشيخ عبدالله دارس، أحد أبطال الحصار، تولى إسعاف الوحش إلى المستشفى الجمهوري، وأنه فارق الحياة عند الساعة العاشرة مساءً.
وفي اليوم التالي، 2 نوفمبر 1968، شُيّع جثمانه في مسيرة جنائزية امتدت من ميدان التحرير إلى مقبرة الشهداء اليمنيين في باب اليمن، وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة وداع.
هذه الرواية تختلف جذريًا عن رواية الضالعي، فهي تصف الواقعة باعتبارها عملية اغتيال أو كمينًا مسلحًا، بينما تقدم الرواية الأخرى صورة مواجهة فردية أعقبت حادثتي قتل.
وهنا تبدأ ضرورة المقارنة، لا الاكتفاء بعرض الروايتين.



