اليمن تاريخ وحضارة
أيُّ الدول اليمنية كانت الأعظم في التاريخ الوسيط؟ قراءة في ميزان الدولة والعلم والإنسان.
حين نسأل عن أعظم دولة في تاريخ اليمن الوسيط، فإننا لا نبحث بالضرورة عن الدولة التي اتسعت حدودها، أو طال عمرها، أو كثرت انتصاراتها العسكرية؛ بل عن التجربة التي استطاعت أن تجمع، بدرجة معتبرة، بين بناء الدولة، وازدهار العلم، ورعاية العمران، وتنشيط الاقتصاد، وخدمة المجتمع.
فالتاريخ لا يُقرأ بمساحة الأرض وحدها، ولا بعدد المعارك التي انتصر فيها الحكام، ولا بما خلّفوه من قصور وحصون؛ وإنما يُقرأ أيضًا بما أنشؤوه من مؤسسات، وما أتاحوه من فرص للعلم، وما أسهموا به في تشكيل الحياة الاجتماعية والثقافية، وما تركوه من أثر في مسيرة الإنسان.
ومن هنا، ينبغي أن نميَّز بين الدولة الأقوى عسكريًا، والأوسع نفوذًا سياسيًا، والأكثر ازدهارًا اقتصاديًا، والأغنى إنتاجًا علميًا وحضاريًا؛ فهذه المعايير قد تجتمع في تجربة واحدة، وقد تتوزَّع بين دول متعددة، تبعًا لاختلاف الأزمنة والظروف والأولويات.
وفي تاريخ اليمن الوسيط، تبرز دولتان تستحقان دراسة خاصة في هذا السياق:
الدولة الرسولية بوصفها تجربة بارزة في بناء المؤسسات والازدهار العلمي والعمراني، والدولة الصليحية بوصفها تجربة سياسية وثقافية لافتة، ولا سيما في عهد الملكة أروى بنت أحمد الصليحي.
فأيهما كانت الأعظم؟ وما المعيار الذي ينبغي أن نحتكم إليه في المفاضلة بينهما؟
أولًا: اليمن الوسيط.. تعدد التجارب السياسية والحضارية.
لم تكن اليمن، في مراحل ضعف الخلافة العباسية وما تلاها، مجرد أطراف تتنازعها الأسر الحاكمة، بل كانت ميدانًا لتجارب سياسية وحضارية متعاقبة، أسهمت في تشكيل تاريخها الوسيط، من الزياديين والصليحيين إلى الأيوبيين والرسوليين والطاهريين، فضلًا عن الدول الزيدية وغيرها.
وقد اختلفت هذه التجارب في أصولها السياسية، ومرجعياتها المذهبية، وامتداد نفوذها، وقدرتها على ضبط البلاد، ومقدار ما أولته للعلم والعمران والإدارة والاقتصاد.
ولذلك فإن المقارنة التاريخية المنصفة لا تضع هذه الدول في ميزان واحد من دون تمييز، ولا تختزل تاريخها في انتصارات الحكام أو إخفاقاتهم، بل تدرس كل تجربة في سياقها، وتبحث فيما أنجزته، وما عجزت عنه، وما تركته من آثار في حياة الناس.
وإذا أردنا اختيار تجربة تبرز فيها، على نحو لافت، عناصر الدولة المنظمة، والمؤسسات العلمية، والنشاط الاقتصادي، والإنتاج المعرفي، فإن الدولة الرسولية تتقدَّم إلى واجهة المقارنة.
ثانيًا: الدولة الرسولية.. حين أصبحت تعز حاضرة للعلم والعمران.
قامت الدولة الرسولية سنة 626هـ/1229م، واستمر حكمها إلى سنة 858هـ/1454م، فكانت من أطول الدول المستقلة حكمًا في تاريخ اليمن الوسيط، ومن أبرز التجارب السياسية والحضارية التي عرفتها البلاد في تلك المرحلة.
وقد اتخذ الرسوليّون من تعز مركزًا رئيسيًا لحكمهم، وأصبحت المدينة في عصور ازدهارهم حاضرة سياسية وعلمية وعمرانية بارزة، فيما أدَّت زبيد دورًا مهمًا في الحياة العلمية، وأسهمت عدن، بموقعها البحري والتجاري، في دعم النشاط الاقتصادي للدولة.
ولم يقتصر حضور الرسوليين على المجال السياسي؛ فقد ارتبط عهدهم بنشاط ملحوظ في التعليم والتأليف، وبناء المساجد والمدارس، وتطوير الإدارة، والاهتمام بالزراعة والطب والفلك والتاريخ والأدب، إلى جانب المعارف الدينية.
وقد امتد نفوذ الدولة في مراحل مختلفة إلى مناطق واسعة، وتجاوز اليمن في بعض عهودها، وإن تفاوتت درجة سيطرتها من إقليم إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى.
وكان عهد السلطان المظفر يوسف بن عمر الرسولي، الذي حكم بين عامي 647 و694هـ، من أبرز مراحل القوة والازدهار في تاريخ الدولة.
فقد شهدت تلك الفترة نشاطًا في العمران والإدارة والتعليم، وعكست قدرة الدولة على توظيف مواردها وموقعها التجاري في ترسيخ حضورها السياسي والحضاري.
غير أن العنصر الأهم في التجربة الرسولية لا يتمثل في اتساع النفوذ وحده، بل في العناية بالمؤسسات التي تحفظ المعرفة وتنقلها، وتربط الحياة السياسية بالحياة العلمية.
ثالثًا: المدارس الرسولية.. حين أصبح التعليم جزءًا من مشروع الدولة.
كان إنشاء المدارس من أبرز مظاهر النشاط الحضاري في العصر الرسولي.
امتداداً للنهج الأيوبي وحمايةً لعقيدة أهل السنة والجماعة، ومكافحة العقيدة الإسماعلية، فقد حظي التعليم برعاية عدد من السلاطين والأمراء، وانتشرت المدارس في مدن يمنية متعددة، وأصبحت المساجد والمدارس فضاءات للدرس والتدريس، وتكوين العلماء، وتداول المعارف.
وتختلف المصادر في تقدير عدد المدارس التي أُنشئت في العصر الرسولي؛ فقد أورد عبد الله محمد الحبشي في كتابه "حياة الأدب اليمني" عددًا يبلغ تسعًا وأربعين مدرسة، بينما ذكر مؤرِّخ اليمن القاضي إسماعيل الأكوع في كتابه "المدارس الإسلامية في اليمن" عددًا أكبر، بلغ مئة وسبعًا وثلاثين مدرسة.
ويحتاج تفسير هذا الاختلاف إلى النظر في منهج كل مؤلف، ومعايير احتساب المدارس، والفترة الزمنية التي تشملها الإحصاءات.
ومهما يكن من اختلاف الأرقام، فإن انتشار المدارس وتنوع مراكز التعليم يشيران إلى المكانة التي احتلَّها النشاط العلمي في الحياة اليمنية خلال هذه المرحلة.
ولم يقتصر الأمر على إنشاء المباني، بل شمل رعاية العلماء، وتوفير بيئات للتدريس والتأليف، واستقطاب أصحاب المعرفة، وربط المدن اليمنية بشبكات علمية أوسع في العالم الإسلامي.
كما أسهم عدد من سلاطين بني رسول أنفسهم في التأليف والبحث، واهتموا بالتاريخ والأنساب والطب والمساحة وغيرها من المعارف.
وهذه سمة تستحق التأمل؛ إذ لم يكن العلم، في بعض دوائر الحكم الرسولي، شأنًا منفصلًا تمامًا عن الثقافة السياسية للنخبة الحاكمة، بل كان جزءًا من صورتها عن الدولة ومكانتها.
وقد ازدهرت في اليمن خلال تلك القرون حركة علمية اتصلت بمراكز المعرفة في المشرق والمغرب، وتداخل فيها نشاط العلماء المحليين مع حركة الرحلة والتدريس والتأليف.
وينبغي، عند الحديث عن أسماء العلماء -ومنهم الفيروزآبادي والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهم- الذين قدموا إلى اليمن أو ارتبطوا بمؤسساتها، التحقق من تواريخهم وصلاتهم المباشرة بهذه المدارس، حتى لا تختلط شهرة العالم في التاريخ الإسلامي بوجوده الفعلي في البيئة العلمية الرسولية.
ومن هنا، فإن قيمة التجربة الرسولية لا تُقاس بعدد المدارس وحده، بل بما تكشف عنه هذه المؤسسات من وعي بأهمية المعرفة، ومن قدرة على توفير بنية علمية استمرت آثارها في الحياة الثقافية اليمنية.
رابعًا: الاقتصاد والإدارة والعمران.. الأساس المادي للازدهار.
لم يكن الازدهار العلمي الرسولي معزولًا عن الأوضاع الاقتصادية والسياسية؛ فالمؤسسات العلمية تحتاج إلى موارد، والمدن لا تتحول إلى حواضر مزدهرة من دون نشاط تجاري وإداري وعمراني يدعم استمرارها.
وقد استفادت الدولة الرسولية من موقع اليمن على طرق التجارة البحرية، ومن النشاط التجاري في عدن وصلات التبادل عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي.
كما مثَّلت الزراعة موردًا مهمًا للحياة الاقتصادية، وأسهمت موارد البلاد ومراكزها الحضرية في دعم الإدارة والعمران.
وتكشف التجربة الرسولية، بهذا المعنى، عن تداخل ثلاثة عناصر:
سلطة سياسية تسعى إلى تثبيت حكمها، وموارد اقتصادية تمكّنها من الإنفاق، ومؤسسات علمية ودينية وعمرانية تمنح المدن حياة ثقافية ممتدة.
ولا يعني ذلك أن هذه العناصر كانت متوازنة دائمًا، أو أن الازدهار شمل جميع المناطق والسكان بالدرجة نفسها؛ لكنه يعني أن الدولة استطاعت، في مراحل مهمة من تاريخها، أن توفِّر شروطًا ساعدت على ازدهار عدد من الحواضر اليمنية.
ومن هنا تبدو التجربة الرسولية جديرة بالدراسة لا باعتبارها دولة مثالية، بل باعتبارها نموذجًا تاريخيًا اجتمعت فيه عناصر متعددة من بناء الدولة والإنتاج المعرفي والنشاط الاقتصادي والعمراني.
خامسًا: الدولة الصليحية.. تجربة سياسية وثقافية مختلفة.
إذا كانت الدولة الرسولية تتقدَّم من حيث امتداد التجربة المؤسسية والعلمية عبر قرون، فإن الدولة الصليحية تستحق مكانة بارزة في تاريخ اليمن، ولا سيما عند دراسة القيادة السياسية والثقافة والعمران.
قامت الدولة الصليحية سنة 439هـ/1047م، واستمر حكمها إلى سنة 532هـ/1138م.
وارتبط تاريخها بمحاولة توحيد أجزاء واسعة من اليمن تحت سلطة مركزية، وبعلاقات سياسية ومذهبية امتدت إلى المجال الفاطمي، فضلًا عن صلاتها بمراكز القوة في الجزيرة العربية.
وقد بلغت هذه التجربة مرحلة لافتة في عهد الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، التي ارتبط اسمها بمدينة جبلة، وأصبحت من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ الحكم الإسلامي الوسيط.
لم تكن أهمية أروى في كونها امرأة تولَّت الحكم فحسب، بل في قدرتها على ممارسة السلطة في بيئة سياسية معقدة، وإدارة التحالفات والتوازنات، والحفاظ على حضور الدولة في ظل تنافس القوى المحلية والإقليمية.
كما ارتبط عهدها بالعناية بالمساجد والطرق والعمران، وبحضور ثقافي وسياسي جعل تجربتها جديرة بالدراسة في تاريخ اليمن، وفي تاريخ القيادة النسائية عمومًا.
وتقدم الدولة الصليحية، بهذا المعنى، نموذجًا يختلف عن النموذج الرسولي؛ فهي بلا شك أسبق زمنًا، وأقصر عمرًا، وارتبط جانب مهم من تاريخها بشخصية سياسية ذات ثقافة ونفوذ، وبمشروع لتوحيد البلاد وإدارة التوازنات القبلية والمذهبية والسياسية.
سادسًا: المذهب والسياسة.. قراءة تتجاوز الأحكام الجاهزة.
لا تكتمل دراسة الدولة الصليحية من دون النظر إلى مرجعيتها الإسماعيلية وصلاتها بالدولة الفاطمية.
فقد كانت العقيدة جزءًا من بنيتها السياسية، كما كانت الانتماءات المذهبية عنصرًا مؤثرًا في صراعات اليمن وتوازناته خلال تلك المرحلة.
لكن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نختزل التجربة الصليحية في مذهبها، كما لا يصح أن نفترض، في المقابل، أن ازدهار الثقافة والعمران دليل كافٍ على التسامح المذهبي أو غياب الإكراه.
إن الحكم على سياسات أي دولة تجاه المذاهب والجماعات المختلفة يحتاج إلى دراسة الممارسات الفعلية، ومواقف السلطة من المخالفين، وطبيعة العلاقات بين الجماعات، وما تكشف عنه المصادر من وقائع محددة.
وتُذكر في بعض الروايات التاريخية تحولات مذهبية في بدايات التجربة الصليحية - حيث كان المؤسس في بداية عمره وأمره سُنيَّاً ومن أسرة سنية حاشدية- لكن التفاصيل المتعلقة بخلفياتها ومساراتها تحتاج إلى التوثيق والمقارنة بين المصادر، ولا ينبغي تحويلها إلى أحكام قطعية من دون تحقيق.
والأمر نفسه ينطبق على الدولة الرسولية؛ إذ لا يجوز افتراض أن رعاية المدارس والمساجد كانت تعني بالضرورة انفتاحًا متساويًا على جميع الاتجاهات الفكرية والمذهبية.
فقد تكون الدولة راعية للعلم، لكنها توظِّفُه أيضًا في ترسيخ شرعيتها ومذهبها.
وقد يجتمع ازدهار المعرفة مع التنافس السياسي والمذهبي.
وهذه ليست مفارقة خاصة باليمن، بل مسألة أوسع في تاريخ الدول والمجتمعات.
سابعًا: أي الدولتين كانت الأعظم؟ يتوقف الجواب على المعيار.
إذا كان المقصود بالأعظم الدولة التي جمعت، على امتداد زمني طويل نسبيًا، بين المؤسسات التعليمية والنشاط العلمي والعمراني والاقتصادي والإدارة السياسية، فإن الدولة الرسولية -بلا شك- تبدو الأوفر حظًا في هذه المقارنة.
أما إذا كان السؤال عن تجربة سياسية وثقافية متميزة ارتبطت بشخصية قيادية استثنائية، وأسهمت في توحيد أجزاء واسعة من اليمن، فإن الدولة الصليحية، ولا سيما في عهد الملكة أروى، تمثل تجربة لا يجوز إغفالها.
وإذا كان معيارنا هو نشأة الحكم المركزي وتطور أدوات الإدارة، فإن دراسة الدولتين معًا تصبح أكثر فائدة؛ لأن كل واحدة منهما تكشف عن مرحلة مختلفة من تطور السلطة السياسية في اليمن، وعن أساليب متباينة في إدارة المجال الجغرافي والاجتماعي.
لكن إذا انتقلنا إلى سؤال أكثر عمقًا:
أي الدولتين كانت أعدل في معاملة الناس، وأقدر على حماية حقوقهم، وأخف وطأة في الضرائب والتكاليف، وأوسع إنصافًا للفئات الاجتماعية المختلفة؟ فإن الجواب يصبح أكثر تعقيدًا.
فهذا الحكم لا يمكن استخلاصه من عدد المدارس، أو جمال المنشآت، أو شهرة الحكام، بل يحتاج إلى دراسة القضاء، والضرائب، وأوضاع الفلاحين والتجار، وعلاقة السلطة بالقبائل، وحقوق الجماعات المختلفة، وطبيعة العقوبات، ومدى قدرة الناس على حماية مصالحهم في مواجهة السلطة.
ولذلك فإن ترتيب الدول من حيث الازدهار الحضاري لا ينبغي أن يتحوَّل تلقائيًا إلى ترتيب لها من حيث العدالة الاجتماعية؛ فلكل معيار أدلته وأسئلته ومصادره.
ثامنًا: من تمجيد الدول إلى فهم الحضارة.
إن الغاية من دراسة تاريخ اليمن ليست الدخول في منافسة عاطفية بين الدول والأسر الحاكمة، ولا تحويل الماضي إلى سجل من الأمجاد التي لا تقبل النقد؛ بل فهم الكيفية التي نشأت بها المؤسسات، وازدهرت بها المدن، وانتقلت بها المعارف، وتفاعلت فيها السلطة مع المجتمع.
ومن هذه الزاوية، تستحق التجربة الرسولية اهتمامًا خاصًا لما تكشف عنه من صلة بين الحكم والتعليم والاقتصاد والعمران، كما تستحق التجربة الصليحية اهتمامًا مميزًا لما تقدِّمه من مادة لدراسة الحكم المركزي والقيادة السياسية والثقافة في مرحلة سابقة من التاريخ اليمني.
ولا ينتقص من قيمة أي تجربة أن ندرس إخفاقاتها، كما لا يرفع من شأنها أن نبالغ في إنجازاتها.
فالتاريخ العلمي لا يقوم على التقديس ولا على التشويه، وإنما على المقارنة والتحليل، وتمييز الوقائع من الأحكام، وربط الإنجازات بشروطها التاريخية.
إن الدولة قد تبني المدارس وتترك في المجتمع مظالم، وقد تزدهر فيها التجارة بينما تتفاوت أحوال السكان، وقد يحقق الحكم استقرارًا سياسيًا من دون أن يضمن عدالة متساوية للجميع.
ولذلك فإن الصورة الحضارية الكاملة لا تتضح إلا حين نقرأ العمران إلى جانب المجتمع، والإنجازات إلى جانب التكاليف، وما تركته السلطة من آثار إلى جانب ما فرضته من أعباء.
خاتمة: الدولة التي تبني الإنسان.
إذا طُرح عليّ السؤال: أي دولة يمنية في التاريخ الوسيط تستحق أن نبدأ بها عند دراسة تجربة متكاملة نسبيًا في بناء الدولة والعلم والتعليم والعمران والاقتصاد؟ فإن اختياري سيكون الدولة الرسولية، لما شهدته من امتداد مؤسسي وحركة علمية وعمرانية بارزة.
أما إذا كان السؤال عن تجربة سياسية وثقافية استثنائية ارتبطت بشخصية قيادية مؤثرة، فإن الدولة الصليحية في عهد الملكة أروى تحتل مكانة متقدمة، وتقدم مادة غنية لفهم تاريخ الحكم والثقافة في اليمن.
وهذا ترجيح تحليلي قائم على معايير محددة، لا حكم نهائي متفق عليه بين المؤرخين؛ إذ قد تتغير النتيجة بتغير المعيار الذي نعتمده، أو بظهور أدلة تاريخية جديدة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام الباحثين أعمق من المفاضلة بين اسمين أو دولتين: إلى أي مدى تحوّل الازدهار العلمي والعمراني في تاريخ اليمن إلى عدالة في حياة الناس؟ وكيف انعكست قوة الدولة على حقوق المجتمع وأمنه وكرامته؟
● إن الحضارة لا تُقاس بما يرتفع من أبنية فحسب، بل بما يرتفع معها من قيمة الإنسان، ولا تُقاس بما تملكه السلطة من قوة، بل بما تحققه هذه القوة من أمن وعدل ومصلحة عامة.
● فالدولة التي تستحق التقدير التاريخي ليست التي تبني الحجر وحده، ولا التي تخلّد أسماء حكامها في صفحات المجد فقط؛ وإنما التي تجعل من العلم قوة للمجتمع، ومن الإدارة وسيلة لخدمته، ومن السلطة مسؤولية تجاهه.
وهذا، في تقديري، هو الميزان الأجدر بقراءة تاريخ اليمن: أن ندرس الدول بما أنجزته، ونفهمها بما أخفقت فيه، ونقيس إرثها بما تركته للإنسان، لا بما تركته من أسماء وأنساب وحدود.



