نذر التقسيم ودور الأكاديمي فيما تشهده المنطقة راهنا
عندما يتقوقع الأكاديمي داخل حدود المهنية التخصصية المحضة، ويغفل، بقصد أو من دون قصد، ما يدور حوله من أحداث وقضايا مصيرية تتعلق بوجود الأمة ومستقبلها، فإنه يتحول، من حيث يدري أو لا يدري، إلى مجرد يوتوبي حالم، وذات متضخمة، لا تكترث لمصير الأمة وما تعانيه، ولا تلقي بالا لحاضرها ومستقبلها. وكأن ما يجري في الساحتين الوطنية والإقليمية من ظلم وعربدة للقوة، وما يترتب عليه من تهديدات وجودية، يقع خارج نطاق اهتماماته المتواضعة وحساباته الضيقة.
إن هذا النمط من الأكاديميين المهنيين لا يدرك أن انعزاليته العاجية لا تصنع له مكانة معرفية استثنائية، بقدر ما تنسج حوله سياجا من الوهم، وتبني بتعاليه وغروره شرنقة من الخيال، تبعده شيئا فشيئا عن واقعه ومجال تفاعله الطبيعي والحيوي، حتى يغدو، مع مرور الوقت، معزولا عن محيطه، سابحا ضد التيار، إن لم يكن مغردا خارج السرب. ومن ثم يصبح أسير أوهامه، وسليب متاهاته، في حالة انفصام متزايدة مع مجتمعه ومحيطه، حتى يفقد حضوره وتأثيره، ويغدو نشازا لا وزن له ولا قيمة، مهما بلغت شهاداته أو تضخمت ألقابه، إن كان لعلمه أثر يتجاوز حدود ذاته.
كيف لا؟ وهو يبدي تبلدا وحذلقة مغلفة بوهم الدراية، ويتعامل مع قضايا الأمة المصيرية بنوع من النرجسية الاستعلائية واللامبالاة المقيتة، بل وبقدر من الخفة واللاجدية، إن لم يصل الأمر لدى بعضهم إلى التشفي والهزء، وكأن مآسي الشعوب ومصائرها مادة للتندر، لا قضايا تستدعي الوعي والمسؤولية والموقف.
ولعل ما تشهده المنطقة العربية والإقليمية راهنا يجعل من الصعب فهم هذا الخمول الأكاديمي، أو تبرير هذا الانكفاء المعرفي، في ظل حراك سياسي متسارع وصراعات عسكرية مفتوحة، تنذر بإعادة تشكيل خارطة المنطقة، وفق معادلات المصالح الدولية والإقليمية، وبما يلبي رغبات القوى الكبرى وحساباتها الاستراتيجية، دون اكتراث جدي بالمصالح الوطنية، أو بحقوق الشعوب وتطلعاتها في الحرية والاستقرار والسيادة.
فمن ليبيا والسودان، مرورا بالعراق وسوريا وإيران، وصولا إلى غزة ولبنان واليمن، تتكشف ملامح مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه مشاريع الهيمنة والنفوذ، وتتقاطع فيه الحسابات الدولية مع التناقضات الداخلية، فيما تبدو الدول والمجتمعات العربية، في كثير من الأحيان، مجرد ساحات لتصفية الحسابات، أو أوراق تفاوض في معادلات لا تملك زمام المبادرة فيها.
وتظل غزة المثال الأكثر فداحة ووضوحا؛ إذ تتعرض لإبادة جماعية وجرائم مروعة ترتكبها إسرائيل، بدعم أمريكي وغربي، أمام مرأى ومسمع من العالم، وفي انتهاك صارخ لكل القيم الإنسانية والقوانين الدولية التي يتغنى بها المجتمع الدولي. ومع ذلك، لم يقتصر الأمر على العجز الدولي والتواطؤ المفضوح، بل تجاوزه إلى تماهي بعض النظم العربية ذات التوجه التطبيعي مع العدو، ومحاولة تسويق قراءات سياسية مؤدلجة لهذه الجرائم، وتبريرها أو الالتفاف على حقيقتها، في سياق يتجاوز أبسط مقتضيات العقل والمنطق، فضلا عن المسؤولية الأخلاقية والتاريخية.
إن خطورة ما يجري لا تكمن في الصراعات العسكرية وحدها، ولا في احتمالات إعادة رسم الحدود والنفوذ فحسب، وإنما في تراجع الوعي الجمعي، وغياب الموقف النقدي، وانكفاء النخب الفكرية والأكاديمية عن أداء دورها الطبيعي في قراءة هذه التحولات، واستشراف مآلاتها، وتوعية المجتمع بمخاطرها. فالأكاديمي ليس مجرد ناقل للمعرفة أو ممارس لمهنة تخصصية، ولا ينبغي أن يكون أسير قاعة المحاضرات أو حدود البحث المعزول عن سياقه الاجتماعي والتاريخي؛ إنه، قبل ذلك وبعده، جزء من نسيج مجتمعه، ومسؤول عن مساءلة واقعه، والإسهام في تشكيل وعيه، والدفاع عن قضاياه العادلة، بالمعرفة والحجة والموقف المسؤول.
وليس المقصود هنا أن يتحول الأكاديمي إلى ناشط سياسي، أو أن يتخلى عن استقلاله العلمي، أو أن يوظف تخصصه لخدمة موقف أيديولوجي مسبق؛ فذلك يناقض جوهر الوظيفة الأكاديمية ومقتضياتها المنهجية. وإنما المقصود ألا يتحول استقلاله العلمي إلى عزلة، ولا تخصصه المعرفي إلى ذريعة للانسحاب من قضايا مجتمعه، ولا حياده المنهجي إلى حياد أخلاقي إزاء الظلم والعدوان. فثمة فارق جوهري بين أن يكون الأكاديمي مستقلا في تفكيره، موضوعيا في تحليله، متحررا من الإملاءات والاصطفافات الضيقة، وبين أن يكون لامباليا بما يحيط به من تحولات تهدد حاضر أمته ومستقبلها. فالاستقلال العلمي لا يلغي المسؤولية المجتمعية، والموضوعية لا تعني تعطيل الحس الإنساني، والحياد المنهجي لا يقتضي الوقوف على مسافة واحدة من الجلاد والضحية.
ولمثل هؤلاء المحسوبين على الحقل الأكاديمي نقول: قليل من الوعي وفقه الواقع، ويسير من الإدراك وبوصلة التوجه؛ فالأكاديمية التي تنفصل عن قضايا الأمة، وتفقد صلتها العضوية بوجدانها الجمعي ومصالحها العادلة، ليست سوى مهنية جوفاء، وشهادة كرتونية لا أكثر. فالعلم الذي لا يستشعر آلام مجتمعه، ولا يتفاعل مع قضاياه المصيرية، ولا يمتلك شجاعة الموقف إزاء الظلم والعدوان، يظل علما منقوص الأثر، مهما بلغت مراتب صاحبه، وتضخمت ألقابه.
فليس المطلوب من الأكاديمي أن يكون تابعا لموقف، بل أن يكون صاحب موقف؛ وليس المطلوب أن يتخلى عن علميته، بل أن يجعل منها أداة لفهم واقعه ومساءلته، لا ستارا للاختباء خلفه.



