درع الوطن.. سلفيون بين شرعية الدولة ومرجعية الفتوى
ثمة مفارقة تستحق أن يتوقف أمامها الدكتور رشاد العليمي جيداً، وهو يعيد اليوم ترتيب المشهد العسكري في اليمن، ويمنح قوات (درع الوطن) مساحة واسعة من النفوذ والحضور، وكأنها أصبحت ركيزة مشروعه لإعادة تسوية الملعب العسكري والسياسي على حساب بقية التشكيلات التي خذلها وجعل بعضها لقمة سائغة للحوثيين..
هذه القوات ذات الخلفية السلفية لم تنشأ كجيش وطني تقليدي، بل تشكلت من مجموعات وكتائب سلفية ذات مرجعية أيديولوجية، برعاية ودعم وتدريب سعودي، ولعل الأهم في مسيرتها ماكشفته ملابسات المواجهة مع المجلس الانتقالي في حضرموت أواخر العام الماضي؛ حين تحفظوا عن خوض المعركة تحت ولاية وأمر الدكتور رشاد العليمي، فالمجلس الرئاسي سلطة توافقية سياسية، والسلفية التقليدية ترهن خوض الحروب بوجود راية شرعية واضحة، وولي أمر مسلم متمكن، لذا، امتنعوا عن الدخول في أي مواجهة مسلحة ورفضوا التحرك إلا بعد الحسم الفقهي لهذا الأمر..
وبالفعل أصدر ثلاثة من علماء السعودية آنذاك؛ بينهم مفتي المدينة المنورة الشيخ الدكتور صالح بن سعد السحيمي والشيخ أ.د. عبدالله بن عبدالرحيم البخاري، والشيخ أ.د. سليمان بن سليم الله الرحيلي، وجميعهم علماء معتبرين، واساتذة للدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، أصدروا فتوى بأن الدكتور رشاد العليمي هو من ارتضاه اليمنيين أميرا عليهم، وأعطوه ثمرة قلوبهم، وعقدوا له البيعة وتجب طاعته شرعا..!!
وهنا يبرز سؤال جوهري؛ إذا كانت شرعية القتال لدى هذه التشكيلات تحتاج إلى تزكية فقهية من علماء خارج اليمن، فمن يملك قرار الحرب والسلم فعلا، هل هي مؤسسات الدولة وقيادتها السياسية والعسكرية، أم المرجعيات الدينية التي تمنح الغطاء الشرعي للتحرك..؟!
إنها مسألة تتجاوز درع الوطن إلى جوهر مفهوم الدولة والسيادة والقرار الوطني..
اعتقد ان درع الوطن ومثلها العمالقة وبقية التشكيلات السلفية المتعددة، كغيرها من التشكيلات المسلحة ذات المرجعيات الأيديولوجية؛ سلاح ذو حدين، فمن يقاتل اليوم بفتوى طاعة ولي الأمر، قد يجد غدا من يمنحه فتوى أخرى بالخروج عليه، وربما عزله أو استباحة دمه، إذا تبدلت المرجعيات والحسابات وتعارضت المصالح؛ لتتحول ذات البنادق من حمايته إلى الانقلاب عليه أو تصفيته..
المشكلة ليست في أن تكون لك قوة عسكرية موالية، بل في أن تتحول شرعية القوة وقرارها من مؤسسات عسكرية تتبع الدولة و الدستور والقانون، إلى ميليشيات مسلحة ترتبط بفتاوى الأشخاص والمرجعيات الأيديولوجية، فالدولة لاتُبنى بتبديل نفوذ هذا الفصيل بنفوذ فصيل آخر، ولا بتسوية الملعب لصالح تشكيل مسلح على حساب بقية مؤسسات الجيش، وإنما ببناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، يكون ولاءها للدستور والدولة، لا للأشخاص ولا للمشائخ والمراجع الدينية، ولا لمراكز النفوذ في الداخل او الخارج..
إن الرهان الكامل على التشكيلات الأيديولوجية مكسب تكتيكي سريع للمرحلة الحالية، لكنه يحمل في أحشائه مخاطر استراتيجية داكنة؛ فمن يقود الميدان اليوم بالفتوى، قد يغير اتجاه السلاح غداً بالفتوى ذاتها، فالبندقية التي لايحكمها دستور، ولاتضبطها مؤسسات الدولة، تظل مرجعيتها الحقيقية حيث توجد الجهة التي تملك قرار توجيهها، لا بالضرورة حيث يوجد من يحمل لقب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفي التاريخ شواهد كثيرة على أن من يصنع قوة خارج قواعد الدولة، قد يجد نفسه يوماً في مواجهة القوة التي صنعها ودللها، أو التي ظن أنه يمسك بزمامها ويمتلك قرارها..
ولكي لايُفهم هذا الطرح باعتباره استهداف للتيار السلفي أو خصومة مع المنتمين إليه، أود التأكيد أنني سلفي النشأة، إسلامي التوجه والفكر، ولا أجد في الانتماء السلفي أو التدين الصادق مايستدعي الخصومة أو الانتقاص، إنما حديثي هنا عن تسييس الدين، وتوظيف الفتاوى في توجيه السلاح، وتحويل المرجعيات الأيديولوجية إلى بديل عن مؤسسات الدولة؛ فالخلاف ليس مع العقيدة، وإنما مع توظيفها في صراعات السلطة والنفوذ..



