تسونامي أزرق يخذل ترامب
تسونامي انتخابي يغير الخريطة السياسية الأميركية والديمقراطيون يخترقون معاقل الجمهوريين خلال سباق التجديد النصفي للكونغرس.. هكذا وصفت وسائل إعلام أمريكية ودولية نتائج انتخابات التجديد النصفي التي أظهرت تقدمًا ديمقراطيًا واسعًا، في واحدة من أكبر الانتكاسات السياسية للرئيس دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، ومن أكبر الانتكاسات على مستوى الحزب الجمهوري الذي خسر ولايات ظلت جمهورية لأكثر من ثمانية وثلاثين عامًا مثل تكساس.
أقر ترامب بعد الهزيمة بأن حربه مع إيران هي سبب الهزيمة، لكنه ليس نادمًا على ذلك، ولو عاد به الوقت لاتخذ القرار ذاته، مشيرًا إلى أن الأمريكيين نظروا للتأثير البسيط في ارتفاع أسعار المحروقات، وغضوا الطرف عن الهدف الأعظم، وهو إزالة خطر إيران النووي. وبدلًا من أن يتجه ترامب إلى مراجعة أداء حملته أو سياسات حزبه، عمد إلى توجيه اللوم إلى أطراف مختلفة، بما في ذلك قناة "فوكس نيوز"، التي طالما عدت الأقرب إلى الجمهوريين، محملًا إياها جزءًا من مسؤولية الخسارة بسبب منحها مساحة لظهور شخصيات ديمقراطية.
ولم يتأخر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في الإقرار بأسباب الهزيمة أيضًا، إذ قال إن الاستطلاعات أظهرت أن كثيرًا من الذين صوتوا للجمهوريين سابقًا اتجهوا هذه المرة إلى الديمقراطيين، لأنهم أرادوا إنهاء الحرب، ومعالجة أزمة غلاء المعيشة، وإعادة ترتيب أولويات السياسة الأمريكية، بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل، وأضاف في تصريحه لـ"واشنطن بوست": "الجميع يعرفون سبب خسارتنا، وأي نقاش نزيه حول مسارنا المستقبلي يجب أن يبدأ من هذه النقطة".
لم تكن نتائج انتخابات الكونغرس مجرد خسارة انتخابية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحزب الجمهوري، بل شكلت رسالة سياسية واضحة مفادها أن الكلمة الأخيرة تبقى لصناديق الاقتراع مهما ارتفع سقف الخطاب السياسي أو تضخمت الوعود الانتخابية، إذ خاض ترامب حملته بلغة تصعيدية غير معهودة، وأطلق وعودًا اعتبرها كثيرون محاولة لاستمالة الناخبين عبر الإغراءات الاقتصادية كالخمسة آلاف دولار لكل أمريكي حال فوزهم، في مشهد رأى فيه الكثير أنه خروج عن تقاليد الديمقراطية الأمريكية التي تقوم على التنافس بين البرامج والرؤى السياسية والاقتصادية. كما اتسمت الحملة بتصعيد واضح في الخطاب تجاه المهاجرين والمسلمين، وبرزت هجمات ترامب المتكررة على شخصيات ديمقراطية، من بينها عبدالرحمن السيد وإلهان عمر، إذ سعى إلى تصويرهما باعتبارهما امتدادًا لتيارات يرفضها قطاع من الناخبين المحافظين.
هذا الخطاب أعاد استحضار الإسلاموفوبيا، وربط المسلمين والمهاجرين بقضايا الأمن والتطرف والجريمة، مع التلويح بمخاوف تتعلق بالإخوان المسلمين، في محاولة لحشد الأصوات عبر إثارة المخاوف والهوية الثقافية أكثر من تقديم حلول عملية للتحديات الداخلية.
لكن نتائج الانتخابات أظهرت أن شريحة واسعة من الأمريكيين الناخبين صوتوا للديمقراطيين بدافع الرغبة في إنهاء الحرب، ومعالجة أزمة غلاء المعيشة، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل.
ومن زاوية أخرى، يرى كثير من المراقبين أن هذه النتائج تعكس أيضًا تحولًا تدريجيًا في المزاج السياسي الأمريكي تجاه إسرائيل، فعلى الرغم من الأموال الضخمة التي أنفقت لدعم مرشحين مؤيدين لإسرائيل، والدور التقليدي الذي لعبته جماعات الضغط، وفي مقدمتها ايباك، فإن نتائج الانتخابات توحي بأن تأثير المال السياسي لم يعد كافيًا لتوجيه إرادة الناخب كما كان في السابق، فقد بات الأمريكي، في نظر هؤلاء، أكثر اقتناعًا بأن أموال الضرائب والقدرات الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة ينبغي أن توجه أولًا لخدمة المواطن الأمريكي، وتحسين مستوى معيشته، ومعالجة أزماته الداخلية، قبل الانخراط في التزامات خارجية مكلفة.
لقد قال الناخب الأمريكي كلمته فالهزيمة لم تكن مجرد تراجع انتخابي لترامب، بل كانت اختبارًا لخطاب سياسي قام على الاستقطاب، وإثارة المخاوف، والرهان على الانقسامات الداخلية، وكما شهدت إسرائيل سابقًا تراجع بنيامين نتنياهو في محطات انتخابية، وجد ترامب نفسه اليوم أمام انتكاسة تؤكد أن الديمقراطيات، مهما بلغت حدة الاستقطاب فيها، تظل في النهاية محكومة بإرادة الناخب وحده، وأن صندوق الاقتراع يبقى أقوى من الخطاب، وأبلغ من الشعارات.



