الخميس 5 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • "الدادائية" وفيديوهات السخرية والرفض في تعز: محاكمة الضحية من خارج الحرب عليها

"الدادائية" وفيديوهات السخرية والرفض في تعز: محاكمة الضحية من خارج الحرب عليها

لم تكن الدادائية مجرد حركة فنية وأدبية تمردت على الأشكال الجمالية المألوفة، بل كانت تعبيرًا عن تصدع عميق في الوعي الإنساني، انفجر من قلب الحرب العالمية الأولى، عام 1916، في زيورخ، داخل مقهى «كاباريه فولتير». هناك، وسط عالم أوروبي غارق في الدم والخراب، اجتمع فنانون وأدباء، من بينهم هوغو بال وتريستان تزارا وهانز آرب وريتشارد هولزنبيك، ليعلنوا تمردهم على القوالب الفنية واللغوية، وعلى العقلانية التي ادّعى العالم الحديث أنها تقوده إلى التقدم، بينما كانت تنتج له مذابح غير مسبوقة.

كانت الدادائية رفضًا للقواعد التي فقدت معناها أمام عبث الحرب؛ استخدمت المفارقة واللامعقول والكولاج والشعر الصوتي والسخرية، لا لتقدم بديلًا جماليًا مكتمل البناء، بل لتكشف أن الواقع نفسه صار أشد عبثاً من أن تمثله اللغة التقليدية أو تستوعبه الأشكال الفنية المستقرة. وحتى اسم «دادا» ارتبط بروايات عن اختياره اعتباطيًا من قاموس، بما ينسجم مع روح المصادفة والتمرد التي طبعت الحركة.

ولست أزعم أن «دادا» تعود إلى لهجتنا أو أن لها أصلًا يمنيًا؛ لكنني أتوقف عند صداها في لهجة تعز، حيث تُستعمل «دا» بمعنى النهر والزجر والرفض. إنها مصادفة صوتية تتيح لنا قراءة محلية للتمرد، لا تفسيرًا تاريخيًا لنشأة المصطلح. فالكلمة هنا تلتقي، من جهة الدلالة التي نستحضرها، مع فعل الرفض الذي حملته الدادائية في سياقها الأوروبي.

ولم تكن الدادائية وحدها تعبيرًا عن التشوهات التي أحدثتها الحروب في الوعي الأوروبي، بل كانت أحد الروافد الفنية والأدبية التي جسدت أزمة تلك المرحلة التاريخية. وبموازاة هذه التعبيرات، ظهرت روافد فلسفية ونقدية واجتماعية متعددة أعادت مساءلة العقل الحديث ووعود التنوير وعلاقة المعرفة بالسلطة والهيمنة. ومن بينها مدرسة فرانكفورت، في أعمال هوركهايمر وأدورنو، وما تلى ذلك من تيارات نقدية وفلسفية ارتبطت بمراجعة الحداثة، وصولًا إلى تعدد اتجاهات ما بعد الحداثة. لسنا أمام حركة فنية أنتجت تلك التحولات أو تسببت فيها، وإنما أمام تعبيرات متباينة ومتوازية عن أزمة تاريخية وحضارية مشتركة.

وإذا انتقلنا من تلك التجربة الأوروبية إلى ما نشاهده اليوم في اليمن، ولا سيما في تعز، فإننا لا نبحث عن تطابق تاريخي بين الدادائية وما تنتجه مقاطع الفيديو والأهازيج والتعبيرات الشعبية، ولا نزعم أن أصحابها ينتمون إلى مدرسة فنية أو يستحضرون نظرياتها. إنما نتأمل تقاطعاً في وظيفة التعبير: كيف يبحث الإنسان، تحت وطأة القهر والخراب، عن لغة أخرى لا تخضع للمألوف، ولا تكتفي بوصف المأساة، بل تصطدم بها بالسخرية والمفارقة والتهكم والضحك؟

من بين الركام، وأمام صور القتلى والجرحى والبيوت المدمرة والطرقات المغلقة والحصار والقصف، تنبثق تعبيرات لا تشبه اللغة المعتادة. قد تبدو لبعض المتلقين فجة أو صادمة أو غير منضبطة بمعايير التعبير المألوف؛ لكنها لا تُقرأ بمعزل عن الشروط التي أنتجتها. فالضحك في قلب الوجع ليس بالضرورة استخفافاً بالموت، والسخرية ليست دائمًا دليلًا على غياب الإحساس، والعبارة الساخطة ليست بالضرورة انحدارًا أخلاقيًا. قد تكون هذه كلها وسائل لمقاومة الاختناق، وتفريغ ضغط لا تتسع له اللغة المهذبة، وإعلانًا بأن الإنسان لم يفقد قدرته على الرد، حتى عندما يُحاصر في جسده وبيته وذاكرته.

المفارقة أن بعض الذين لا يعيشون هذه التجربة، ولا يواجهون قذائفها وحصارها وخرابها، ينقلون المعركة إلى مساحة أخرى: يحاكمون تعبير الضحية، ويفتشون في مفرداتها وأهازيجها وطريقة ضحكها، ويستدعون الأخلاق والقيم لإدانة ما يصدر عنها، بينما لا يوجهون القدر نفسه من الغضب والإدانة إلى العدوان الذي أنتج هذه الحالة، وإلى القتل والتدمير والإكراه وإعادة تشكيل حياة الناس بالقوة.

وهكذا تُفتح جبهة أخرى، لا بالقذائف هذه المرة، بل بالوصاية الأخلاقية على حق الضحية في التعبير. تصبح العبارة موضع محاكمة، ويُترك الفعل الذي استدعاها خارج قفص الاتهام. وتتحول القيم من أدوات لمقاومة الظلم إلى أدوات لمراقبة المظلوم، ومن موقف أخلاقي في مواجهة العنف إلى قناع يمنح صاحبه شعوراً بالتفوق على من يدفع ثمنه.

وهنا يحضر نيتشه، لا بوصفه حكمًا جاهزًا على كل من ينتقد هذه التعبيرات، بل بوصفه مدخلًا لفهم أخلاق القطيع وآليات الامتثال، وكيف تتحول بعض المعايير المتوارثة إلى سلطة تفرض على الأفراد ما يجوز لهم قوله والشعور به، حتى في أشد لحظات الانتهاك. فالمشكلة ليست في نقد السخرية من حيث المبدأ، ولا في إسقاط كل معيار أخلاقي أمام الألم؛ المشكلة في انتقائية المعيار، وفي استخدامه ضد تعبير الضحية، مع التساهل أمام العنف الذي سلبها شروط الحياة الآمنة أصلًا.

ومن الضروري هنا التمييز بين سخرية تتجه إلى المعتدي ومنظومة القهر، وبين سخرية تنال من الضحايا أو من كرامة الموتى. فالسياق لا يمنح كل عبارة حصانة مطلقة، لكنه يمنع اقتطاعها من سياقها ومحاكمتها كما لو أنها ولدت في فراغ. وليس من الأخلاق أن نساوي بين من يسخر من الجلاد ومن يسخر من ضحيته، أو أن نضعهما في ميزان لغوي واحد، متجاهلين الفارق بين موقع القوة وموقع الانتهاك.

وتتسع المسألة من التعبير إلى التسمية، ومن السخرية إلى سلطة اللغة نفسها. ففي بنية التمييز السلالي التي عرفها المجتمع اليمني، لم تكن تسميات مثل «الزنابيل» و«القناديل» مجرد مفردات عابرة؛ إنها جزء من نظام رمزي يصنف الناس ويعيد إنتاج الفوارق بينهم. يُوصم الآخر باسم يحط من شأنه، بينما تُمنح الجماعة المتسلطة اسمًا يستدعي الضوء والرفعة. «الزنبيل» وعاء توضع فيه الأشياء، و«القنديل» رمز للنور؛ لكن المسألة ليست في دلالة المفردتين وحدهما، بل في اليد التي احتكرت حق التسمية، وفي البنية التي جعلت من الاسم مرتبة اجتماعية، ومن المرتبة امتيازًا، ومن الامتياز ادعاءً بالتفوق.

إنها سلطة لا تكتفي بتحديد موقع الإنسان في المجتمع، بل تحاول أن تحدد له كيف يرى نفسه وكيف يتعرف إلى الآخر. ولذلك فإن مقاومة هذا التصنيف لا تكون باستبدال وصمة بوصمة، ولا بقلب التراتب العنصري في الاتجاه المعاكس، وإنما بكشف الآلية التي أنتجته، وانتزاع حق الإنسان في تعريف ذاته خارج الأسماء المفروضة عليه.

وفي هذا السياق تستعيد الذاكرة أغنية الشاعر أحمد الجابري، بصوت الفنان أيوب طارش العبسي: «لمن كل هذه القناديل تضوي لمن؟». لم تكن القناديل في صورتها الشعرية امتيازًا لسلالة أو طبقة، بل أضواءً تتجه إلى اليمن، وتستمد معناها من أجلها. وهنا تتبدل دلالة الرمز: ما أرادته بنية التمييز علامةً على خصوصية جماعة، يستعيده المعنى الوطني ضوءًا مشتركًا لا يملكه أحد ولا يُحرم منه أحد.

إن ما تكشفه هذه الفيديوهات والأهازيج ليس مجرد تنوع في أساليب التعبير الشعبي، بل صراع على المعنى واللغة والحق في الرد. فالإنسان الذي يُسلب حقه في تقرير حياته، ثم يُطلب منه أن يلتزم الصمت والتهذيب في وصف ما يتعرض له، يُسلب مرة أخرى حقه في تعريف تجربته. ومن هنا تصبح السخرية، في بعض تجلياتها، فعلًا احتجاجيًا ينتزع اللغة من سلطة الوصاية، ويعيد توجيهها نحو مصدر الألم.

لقد كشفت الحربان العالميتان، وما رافقهما من تدمير واسع، عن تناقضات عميقة في الحضارة الأوروبية، ووضعتا ادعاءات التنوير والتقدم والعقل أمام أسئلة قاسية. ولم تكن الاستجابة واحدة؛ تعددت التعبيرات الفنية والأدبية والفلسفية والنقدية، لكن المشترك بينها كان مساءلة عالم ادعى العقلانية والتحرر، ثم أطلق آلة الحرب والإخضاع والتدمير.

وفي اليمن، لا نحتاج إلى استعارة الدادائية كي نمنح وجعنا شرعية التعبير؛ فالجراح ليست بحاجة إلى شهادة من مدرسة فنية، والضحايا ليسوا مطالبين باستعارة لغة الآخرين كي يصبح ألمهم مفهومًا. لكن استحضار تلك التجربة يتيح لنا أن نفهم كيف يمكن للتعبير الخارج عن المألوف أن يصبح شاهدًا على اختلال الواقع، وكيف قد تتحول السخرية إلى لغة احتجاج عندما تعجز اللغة المعتادة عن حمل فائض الألم.

ليس السؤال الأخلاقي الحقيقي: لماذا ضحك الموجوع، أو لماذا اختار هذه العبارة دون غيرها؟ بل: ما الذي أوصل الإنسان إلى هذه الحالة؟ ومن الذي صنع شروطها؟ ولماذا يُستدعى ميزان الأخلاق لمراقبة رد فعل الضحية، ولا يُستدعى بالصرامة نفسها لمحاسبة من أنتج المأساة؟

إن أخطر أشكال العنف الرمزي أن يُسلب الإنسان حقه في تعريف نفسه، ثم يُعاقب عندما يحاول استعادة هذا الحق بالسخرية أو الرفض. وتلك ليست محاكمة للعبارة فحسب، بل محاولة لإخضاع الوعي ذاته؛ كي يتألم بالطريقة التي يحددها الآخر، ويحتج باللغة التي يجيزها الآخر، ويظل حتى في وجعه خاضعًا لوصايته.