اليمن جمهورية لا قبيلة ولا مملكة!!
الدولة ليست غنيمة والجمهورية ليست قبيلة، ولا يمكن لأي دولة أن تستعيد مكانتها أو تبني مؤسساتها ما لم تُفعَّل منظومة المساءلة دون استثناء أو انتقائية. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بتطبيق الدستور والقانون على الجميع، وإخضاع كل مسؤول في الدولة لتقييم دوري وشفاف لأدائه، وربط الاستمرار في المنصب بتحقيق النتائج وخدمة المصلحة العامة، لا بالولاءات السياسية أو القبلية أو الحزبية.
كما يتطلب ذلك تعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الأجهزة الرقابية ومؤسسات مكافحة الفساد، ونشر تقارير دورية عن أداء المؤسسات العامة، وضمان حق المواطنين ووسائل الإعلام والمجتمع المدني في الرقابة والمساءلة ضمن الأطر القانونية. فلا جمهورية بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا مساءلة، ولا مساءلة بلا قضاء مستقل وسيادة كاملة للقانون.
إن بناء الدولة يبدأ من احترام الوظيفة العامة باعتبارها مسؤولية وطنية، ومن ترسيخ مبدأ أن المنصب ليس تشريفًا، وإنما تكليف يخضع للمحاسبة. وعندما تصبح المساءلة ثقافةً وممارسةً يومية، ويُكافأ الكفؤ ويُحاسب المقصر، يمكن لليمن أن يستعيد مؤسساته، ويحفظ سيادته، ويوجه موارده نحو التنمية والاستقرار، ويحقق تطلعات شعبه في دولة جمهورية حديثة، عادلة، وقائمة على سيادة القانون.
المساءلة وسيادة القانون أساس النظام الجمهوري
النظام الجمهوري هو نظام دستوري وقانوني يقوم على مبدأ المساءلة والمحاسبة لجميع شاغلي الوظيفة العامة، وفقًا لمستوى مسؤولياتهم وأدائهم لواجباتهم، بدءًا برئيس الدولة، مرورًا بالوزراء والسفراء وكافة المسؤولين، إذ إن الأصل في الوظيفة العامة أنها تكليف لخدمة الوطن والمواطن، وليست امتيازًا أو حصانة للاثراء الخاص!! . وكل من يقصر في أداء واجباته أو يخل بمسؤولياته يجب أن يخضع للمساءلة القانونية والمؤسسية.
لكن، وللأسف، فإن الواقع في اليمن لا ينطلق من هذه المبادئ، إذ إن منظومة المساءلة تعاني اختلالًا بنيويًا منذ عقود، حتى وصلت اليوم إلى مرحلة تكاد تكون فيها منعدمة. وقد انعكس ذلك في صور متعددة، منها الإخفاقات والخيانات العسكرية، والاستهانة بدماء اليمنيين، واستشراء الفساد في القضاء، والتعليم، واصطفاف الخطاب الديني، وتسويغ الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد، فضلًا عن الفساد المؤسسي، والنهب، واقتصاد السوق السوداء، وتراجع حماية حقوق المواطن، وصناعة شخصيات ون مسؤولين وشيوخ يتم تقديسهم على حساب حقوق الشعب وسيادة الوطن.
كما أن البعثات الخارجية والسفارات لا تقوم، بحسب هذا التقييم بمسؤولياتها، ولا بالدور الذي يفترض أن تضطلع به في خدمة المصالح الوطنية، واكتفى عدد منها بالتصريحات دون تحرك دبلوماسي فاعل يسهم في إخراج اليمن من حالة الارتهان والوصاية، والعمل على إنهاء الآثار المترتبة على خضوعه لتدابير الفصل السابع الأممي، بما يعزز استعادة سيادته الكاملة.
وتقع مسؤولية هذا الواقع، وفق هذا الطرح، على سلطات المحاصصة التي قسمت النفوذ فيما بينها، وجعل الوظيفة العامة تجميع للموالين بجانب التدخلات الخارجية الصارخة التي ترى في ضعف مؤسسات الدولة واستمرار البنى التقليدية القائمة على الولاءات الضيقة ما يخدم مصالحها، على حساب بناء دولة القانون والمؤسسات، وسيادة الجمهورية، ومصالح الشعب اليمني.
وأثر في قدرة الدولة على أداء وظائفها السيادية.
فمتى يستيقظ اليمنيون من هذا الواقع؟ ومتى تضطلع المؤسسات المدنية، والخدمية، والأمنية، والعسكرية بمهامها الدستورية والقانونية؟ ومتى يتوقف اليمنيون عن التناحر، والارتهان، والتبعية، وترسيخ المحاصصة، ومنطق القبيلة والشيخ والعائلة والحزب الانتهازي القائم على تقاسم النفوذ و الثروات والموارد ؟ ومتى يتوقف تمجيد الأشخاص على حساب مبادئ الحق العام ، بما يتيح لفئات المحاصصة ترسيخ مصالحها على حساب شعب بأكمله؟
إن تمجيد أي مسؤول مقصر في أداء واجباته لا يخدم المصلحة العامة، بل يسهم في إضعاف ثقافة المساءلة والمواطنة وسيادة القانون. فالوظيفة العامة لها شروطها القانونية، وفي مقدمتها أداء الواجبات والمسؤوليات والمهام المنوطة بها بكفاءة ونزاهة.
متى يعي الجميع هذه الحقيقة؟ فاليمن جمهورية تقوم، في أصلها الدستوري، على سيادة القانون، وحقوق المواطنة،وليست مملكة، ولا دولة تحكمها الولاءات القبلية أو المذهبية أو الشخصية. ومتى تنتهي الحرب، ويُستكمل تنفيذ نظام الأقاليم، وتستعيد مؤسسات الدولة أداء مهامها وخدماتها ومسؤولياتها تجاه المواطن، وتُصان سيادة اليمن واستقلال قراره؟
إن اليمن يمتلك من الموارد الطبيعية، والموقع الاستراتيجي، والقدرات البشرية، ما يؤهله ليكون في مصاف الأمم، ولا يحتاج إلى الاستجداء أو الارتهان أو التبعية للخارج متى ما أُحسن بناء الدولة، وفُعِّلت مؤسساتها، وسادت أحكام الدستور والقانون.



