الأحد 1 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • إسقاط تعز.. سيناريو محسوم لتسوية سياسة قادمة

إسقاط تعز.. سيناريو محسوم لتسوية سياسة قادمة

سألني صديقي البلجيكي، وهو قيادي في احد الاحزاب السياسية؛ هل أعرف تعز الذي يسمع عنها كثيرا هذه الأيام..؟!!

قلت له انها المحافظة التي انتمي اليها، مدينتي التي أنهكها الحصار الحوثي، وأثقلت كاهل سكانها سنوات من الحرمان والخوف وانقطاع الطرق وشح الخدمات، فيما ظل أهلها ينتظرون من سلطة تقول إنها تمثل الدولة أن تفعل شيء يوازي حجم تضحياتهم ومعاناتهم، لكن دون فائدة..!!

قلت له ان تعز تُدفع إلى السقوط من داخل المعسكر الذي يفترض أنه يقاتل لاستعادتها، فالتطورات العسكرية الأخيرة في الحجرية (ريف تعز)، ومارافقها من تراجعات وانسحابات متزامنة لقوات وتشكيلات عسكرية مختلفة، من بينها قوات درع الوطن والعمالقة ومحور طور الباحة، وماتردد عن انسحاب معسكرات وإخلاء مواقع ابتداءً من المخا والساحل الغربي، وحتى بني عمر وبقية مناطق الحجرية ومديرياتها التي سقطت كلها تباعاً، كل ذلك يجعل فرضية وجود مسار مدروس ينتهي بتسليم تعز للحوثيين فرضية تستحق التوقف أمامها..!!

قلت له إن تعز تُترك عنوة، ويتم تفكيك اواصرها وتدمير بنيتها الهشة ومقدراتها المحدودة، تارة بيد الحوثيين الذين يسبطرون على غالبية ارضها، وفجروا أجزاء من طريق هيجة العبد الذي يعد أهم شرايينها الحيوية، ولازالوا يحشدون إليها، وتارة أخرى بطيران التحالف الذي قصف بالامس ذات الطريق ودمرها تماما، لتكون تعز ضحية ترتيبات تتجاوز حدود الجبهة العسكرية..!!

قلت له انه في 25 سبتمبر الماضي، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي التعبئة العامة والنفير الوطني، وبعد اقل من عشرة أيام أُعلن إطلاق عملية فجر اليمن، وسط خطاب سياسي وعسكري تحدث عن تحرير المناطق واستعادة مؤسسات الدولة والتقدم نحو صنعاء، لكن المعطيات على الأرض كشفت عن تراجعات وانسحابات وخسارة مواقع ومناطق جديدة كانت مع الشرعية منذ بداية الحرب، أي ان العملية لتي أُعلنت لاستعادة الأرض، انتهت بتسليم عشرات المديريات للحوثيين ولازالوا يحاصرون تعز حتى اليوم..

سألته وهو المطنن من كلامي عله يجد مخرج سياسي بحكم عمله وتخصصه، ماجدوىٰ إعلان النفير العام، وحشد اليمنيين تحت شعار تحرير صنعاء، إذا كانت جبهات تعز تتراجع، ومواقعها تُخلى، وسكانها يُتركون يواجهون مصيرهم تحت رحمة الحوثيين، ومن المسؤول عن هذا التناقض بين الخطاب المعلن والنتائج على الأرض، وهل كانت الانسحابات واخلاء المواقع مدروس وفق خطة وترتيبات أوسع، وهل يمكن تصديق مايقوله البعض عن فرضية تسليم تعز للحوثيين، كجزء من مسار يستهدف إضعاف حزب الإصلاح وإفقاده أهم أوراق قوته العسكرية والسياسية، حيث يمتلك فيها حضور سياسي وعسكري واجتماعي، وأي تغيير جذري في موازين القوة فيها سينعكس على قدرته على التأثير في أي تسوية قادمة..!!

قلت له اني اعتقد ان وجود قوة يمنية مثل الاصلاح، بقياداته وكوادره وشعبيته الجماهيرية، قادر على الاعتراض أو تعطيل أي إجراء أو تسوية سياسية يجري الإعداد لها على المستوى الإقليمي، وربما الدولي، قد يصبح عقبة أمام الأطراف التي تريد حسم الترتيبات بعيدا عن الإرادة الوطنية لأصحاب الأرض، ومن هذه الزاوية، يمكن تصديق فرضية أن إضعافه في تعز، وتجريده من أهم أوراقه العسكرية والاجتماعية، قد يكون جزء من تهيئة المشهد لتسوية لايراد لها أن تواجه اعتراض يمني مؤثر، وإذا بقي الإصلاح قادر على المقاومة والفعل السياسي بعد خسارة تعز، فقد تتحول مأرب إلى ورقة ضغط لاحقة في محاولة لتقليص قدرته على التأثير في أي ترتيبات مقبلة تبعا لتصنيفه من قبل بعض القوى الإقليمية على انه ضمن جماعة الإخوان المسلمين..

ولاتقف المسألة عند تعز أو حزب الإصلاح وحدهما؛ فالصورة الأوسع تقود إلى احتمال إعادة توزيع مناطق النفوذ في اليمن ضمن تفاهمات إقليمية تتقاطع فيها مصالح السعودية والإمارات وإيران، وربما تحظى بقبول دولي ضمني أو صريح لايقاف الحرب والتوتر القائم قبالة واحد من اهم الممرات المائية، وعلى مقربة من آبار النفط التي تغذي العالم، وفي هذا السيناريو، قد يُترك الشمال للحوثيين ضمن تسوية سياسية تكرّس سلطتهم، بينما تتوزع مناطق الجنوب والشرق بين دوائر نفوذ مختلفة؛ مساحة شرقية ترتبط بالمصالح الأمنية والاستراتيجية الجيوسياسية السعودية، ولاسيما في حضرموت والمهرة والمناطق المتاخمة لحدودها، ومساحة جنوبية غربية ترتبط بنفوذ الإمارات وحلفائها الذين اعترفوا بصوماليلاند على الضفة المقابلة، وبما يشمل الموانئ والسواحل والجزر والمواقع البحرية الحيوية وصولا إلى سقطرى، وبذلك لايعود الصراع على اليمن مجرد تنافس على السلطة، بل على الجغرافيا والموانئ والممرات البحرية ومصادر الطاقة..!!

وهكذا يصبح اليمن، بدلا من استعادة دولته ومؤسساته، أمام احتمال التحول إلى كانتونات ومناطق نفوذ متجاورة، لكل منها سلطتها وقوتها المسلحة ومصالح داعميها، وربما وهو الاقرب للمنطق؛ تبقى الدولة الموحدة كمسمى دولي ومجرد عنوان في البيانات والخطابات.

السؤال الذي يجب أن يسبق كل هذه الحسابات هو ماذا عن تعز وأهلها وسكانها، ماذا عن مدينة حوصرت سنوات، وقدمت التضحيات، وانتظرت فك الحصار واستعادة الدولة، لتجد نفسها اليوم أمام احتمال أن تُترك لتواجه مصيرها ضمن صفقة لاتعرف عنها شيء، ولاتملك حق الاعتراض عليها..؟!

صحيح انه لاتوجد وثيقة معلنة تثبت وجود اتفاق على تسليم تعز، ولايوجد دليل أن كل انسحاب جرى خلال الفترة السابقة في الساحل والحجرية كان تنفيذا لأمر سياسي أو توجيه عملياتي، لكن تزامن التراجعات، وحجم التحولات الميدانية، والتناقض بين أهداف فجر اليمن المعلنة ونتائج بعض الجبهات، كلها مؤشرات تستوجب تحقيق جاد وشفافية كاملة، وليس بيانات تبريرية أو صمت يترك الشكوك تتضخم اكثر فأكثر..

إن أخطر مايمكن أن يحدث لتعز هو أن تتحول معاناتها ومأساتها وحصارها إلى وسيلة لإعادة ترتيب المشهد اليمني، وأن يدفع أهلها ثمن تسوية إقليمية يتم كتابة بنودها ورسم حدودها خارج البلاد، وتُوزع فيها مناطق النفوذ على حساب الدولة والسيادة وحق اليمنيين في تقرير مصيرهم..

تعز ياعزيزي (تايس دريس) مدينة يمنية، كانت تسمى الحالمة، وهي العاصمة الثقافية لليمن، حاضرة الفكر ومصنع الرجال، كما أنها ليست ورقة تفاوض عبثية، ولا جائزة تُمنح للحوثيين على حساب خصومهم الاصلاحيين، وليست عبئ يمكن التخلص منه لإرضاء أطراف التسوية، وأهلها ليسوا مجرد أرقام في حسابات النفوذ الإقليمية، انهم ملح الارض اليمنية، بقياداتها السياسية، وقاماتها الثقافية، وكوادرها العلمية، وشقاتها الكادحين، وعامة سكانها الطيبين، الموجودين في كل شبر من اليمن، ومن حقهم جميعا أن يفهموا ويعرفوا؛ من يحمي مدينتهم، ومن يقرر مصيرها، ولماذا تتراجع الجبهات التي أُعلنت التعبئة العامة والنفير الوطني لتحريرها..؟!!