يا مدعي المشيخة.. من شيخك؟
لا تفرض نفسك على أحد. هذه الجملة هي أصل المشيخة وأصل خرابها. فالشيخ الحقيقي لا يفرض نفسه على الناس، بل يفرض احترامه عليهم بحكمته ومواقفه وكرمه وشجاعته، ويكتسب مكانته من ثقتهم واختيارهم، لا من ادعائه أو منحه لنفسه لقبًا لم يمنحه له أحد.
المشيخة في أصلها مسؤولية اجتماعية قبل أن تكون وجاهة أو لقبًا. فالشيخ هو من يرجع إليه الناس عند الخلاف، ويجدون عنده الإنصاف والحكمة، ويطمئنون إلى عدله، ويثقون بأنه لا يستغل مكانته لمصلحة شخصية أو سياسية. وهو الذي يحمل همّ جماعته، ويدافع عن حقوقها، ويسعى إلى إصلاح ذات البين، لا إلى توسيع نفوذه على حساب الآخرين.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المشيخة من تكليف اجتماعي إلى امتياز شخصي، ومن مكانة يهبها الناس إلى لقب يوزعه صاحبه على نفسه. عندها يصبح السؤال مشروعًا: من اختارك؟ ومن فوضك؟ ومن تمثل؟ وهل يعرف أبناء قبيلتك أنك تتحدث باسمهم؟
لقد عرف المجتمع اليمني المشيخة باعتبارها نظامًا اجتماعيًا له أعرافه وتقاليده، وله رجال اكتسبوا مكانتهم عبر الزمن والمواقف. ولم تكن المشيخة يومًا مجرد حضور في مجلس أو صورة في مناسبة أو مشاركة في مؤتمر، فضلًا عن أن تكون وسيلة للحصول على مكاسب أو مواقع أو امتيازات.
والمؤسف أن بعض من يحملون صفة المشيخة اليوم تجاوزوا حدود دورهم الاجتماعي، وأصبحوا يتحدثون باسم القبائل دون تفويض واضح منها، ويقدمون أنفسهم ممثلين لها في المحافل واللقاءات السياسية، وكأن مجرد حمل لقب الشيخ يمنحهم حق الحديث باسم آلاف الناس.
وظهرت في السنوات الأخيرة صورة أخرى من صور ادعاء المشيخة، يمكن تسميتها بمشيخة تذكرة جنيف؛ حيث يظن بعضهم أن المشاركة في مؤتمر أو لقاء خارج البلاد، أو الجلوس إلى جانب شخصيات سياسية وقبلية، تمنحه تلقائيًا صفة الشيخ والتمثيل القبلي. والحقيقة أن السفر لا يصنع شيخًا، والمؤتمرات لا تمنح تفويضًا قبليًا، والصور التذكارية لا تصنع وجاهة اجتماعية. فمن يمثل قبيلته يجب أن يكون قد نال ثقتها وتفويضها، لا أن يستمد شرعيته من دعوة خارجية أو بطاقة مشاركة.
وليس الاعتراض على مشاركة أي مواطن يمني في مؤتمر أو لقاء سياسي، فذلك حق لا ينازع فيه أحد، وإنما الاعتراض على الخلط بين المشاركة الشخصية والتمثيل القبلي، وبين التعبير عن الرأي وادعاء التفويض. فمن حقك أن تتحدث باسم نفسك، لكن ليس من حقك أن تنصب نفسك ناطقًا باسم قبيلة لم تخترك ولم تفوضك.
إن القبيلة ليست ملكًا لأحد، ولا إرثًا شخصيًا يتصرف فيه من شاء، وأبناؤها ليسوا تابعين لشخص لمجرد أنه أطلق على نفسه لقب الشيخ. فالمكانة الحقيقية لا تُشترى، والوجاهة لا تُمنح بتذكرة سفر، والاحترام لا يُفرض بالألقاب.
وليس كل من لبس عباءة المشيخة أصبح شيخًا، كما أن من لا يحمل لقبًا قد يكون أكثر حكمة ومروءة ومكانة من أصحاب الألقاب. فالمواقف هي التي تكشف الرجال، والتاريخ لا يحتفظ بالألقاب بقدر ما يحتفظ بما قدمه أصحابها للناس.
إننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار للمشيخة بوصفها مسؤولية اجتماعية وأخلاقية، لا وسيلة للنفوذ أو الظهور أو المتاجرة باسم القبيلة. وبحاجة أيضًا إلى أن تراجع القبائل مواقفها، وأن تحدد من يمثلها، وألا تترك أسماءها ومواقفها رهينة لمن يبحث عن مكسب شخصي أو سياسي.
فإن كنت شيخًا حقًا، فعد إلى قبيلتك، واسأل أبناءها عن مكانتك بينهم، ودعهم هم من يمنحونك صفة التمثيل، لا أن تمنحها لنفسك. وإن كنت تمثل نفسك، فلا حرج في ذلك، لكن لا تتحدث باسم الآخرين دون تفويضهم.
فالمشيخة ليست لقبًا نعلقه على صدورنا، بل ثقة نحمل أمانتها، ومسؤولية نحاسب عليها.
فيا مدعي المشيخة.. من شيخك؟



