السبت 31 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • معركة استعادة الدولة أم معركة الطوائف والمناطق؟

معركة استعادة الدولة أم معركة الطوائف والمناطق؟

قبل أن نحلل معركة اليوم، علينا أن نعود إلى السؤال الأول: ما الخلاف الذي دفعنا إلى دخول هذه الحرب؟
دخل التحالف العربي الحرب تحت عنوان استعادة الشرعية، بعد الانقلاب الذي حدث في صنعاء على مخرجات الحوار الوطني والتوافق السياسي، والاستيلاء على مسودة الدستور الجديد، التي كانت تمثل مشروعًا للانتقال إلى دولة اتحادية، ربما لم تكن جميع الأطراف راضية عن تفاصيلها، لكنها كانت قابلة للنقاش والمعالجة من خلال الحوار والتوافق.

كان الخلاف سياسيًا ودستوريًا حول شكل الدولة ومستقبلها، وكان من المفترض أن تكون المعركة من أجل استعادة مسار التوافق الوطني، وإنهاء الانقلاب، وبناء دولة المواطنة المتساوية.

لكن ما يثير الاستغراب اليوم هو أن المعركة أخذت تتجه نحو مسارات أخرى، حتى بات الخطاب الطائفي والمناطقي يتقدم على عنوان استعادة الدولة.

فجأة أصبحنا أمام خطاب يدعو إلى القتال باسم المذهب والدفاع عن العقيدة، وكأن خلافنا مع الحوثيين خلاف بين السنة والشيعة، وليس خلافًا سياسيًا ووطنيًا مع جماعة انقلبت على التوافق الوطني، وتريد فرض مرجعية دينية وسلالية تمنح فئة حق الحكم والولاية على بقية المواطنين.

نحن نرفض هذا المشروع، كما نرفض أن تتحول مواجهته إلى حرب طائفية. فالدولة التي ننشدها لا تقوم على انتصار مذهب على آخر، وإنما على المواطنة المتساوية، وعلى حق جميع اليمنيين في المشاركة في السلطة دون تمييز مذهبي أو عرقي أو سلالي.

والأمر الأكثر إثارة للقلق أن الخطاب نفسه أخذ يتكرر في الجنوب، ولكن بصورة جغرافية ومناطقية. أصبحنا نسمع عن القوات الشمالية والأحزاب الشمالية والمواطنين الشماليين، وكأن الشمال كله خصم للجنوب، وكأننا أمام معركة بين شعبين لا بين مشروع دولة ومشروع انقلاب.

وهنا يبرز سؤال لا بد من طرحه: هل تحويل الصراع إلى مواجهة بين الشمال والجنوب يخدم القضية الجنوبية؟ وهل يمكن بناء استقرار في الجنوب أو إقامة علاقات طبيعية مع محيطه الوطني في ظل ثقافة الكراهية والإقصاء؟

لقد عانى الجنوب طويلًا من صراعات سياسية ومناطقية، وكان من المفترض أن تكون القضية الجنوبية فرصة لتصحيح المظالم وبناء مستقبل يقوم على العدالة والشراكة، لا أن تتحول إلى وسيلة لاستدعاء خصومات الماضي وإنتاج مظالم جديدة.

وقد شهدنا كيف أثارت بعض الممارسات والسياسات المرتبطة بالمجلس الانتقالي اعتراضات وخصومات حتى داخل الجنوب، نتيجة رفض قطاعات من المجتمع لخطاب الإقصاء والمناطقية واحتكار التمثيل السياسي للقضية الجنوبية.

إن عدالة القضية الجنوبية لا تمنح أحدًا حق احتكارها، ولا تبرر الإساءة إلى الآخرين أو تحويل الانتماء الجغرافي إلى تهم

كما أن رفض المشروع الحوثي لا يعني الدخول في حرب مذهبية، ورفض المظالم التي تعرض لها الجنوب لا يعني تحويل أبناء الشمال إلى خصوم جماعيين.

إننا أمام خطر حقيقي يتمثل في ضياع هوية المعركة.

كنا نتوقع جيشًا وطنيًا موحدًا، يعمل تحت قيادة وغرفة عمليات مشتركة، ويحمل هوية وطنية واحدة، ويخوض معركة واضحة عنوانها استعادة الدولة ومؤسساتها ومخرجات الحوار الوطني والتوافق السياسي.

لكننا وجدنا أنفسنا أمام تعدد في المشاريع والولاءات والخطابات، حتى أصبح كل طرف يحدد عدوه وفق حساباته السياسية والمناطقية والطائفية.

وهنا لا بد من التساؤل: إذا انتصر أحد أطراف هذه المعركة، فهل سيقودنا انتصاره إلى الدولة التي ننشدها؟ أم أننا سنجد أنفسنا أمام سلطة جديدة بأدوات قديمة، تعيد إنتاج الإقصاء والهيمنة واحتكار القرار؟

لسنا مع الحوثي، ونرفض انقلابه ومشروعه القائم على التمييز السلالي والمرجعية الدينية المفروضة، كما أننا نرفض كل خطاب جنوبي يمارس الكراهية والعنصرية ضد أبناء الشمال، ونرفض أن يتحول الخلاف السياسي إلى عداء بين المجتمعات.

لا أحد يمتلك صكًا وطنيًا أو إلهيًا يمنحه حق امتلاك هذا البلد أو احتكار حكمه، ولا يحق لأي جماعة أو منطقة أو مذهب أن يفرض إرادته على الآخرين بالقوة.

معركتنا ليست معركة شمال ضد جنوب، ولا سنة ضد شيعة، ولا منطقة ضد أخرى. إنها معركة حول طبيعة الدولة التي نريدها، ومن يملك حق حكمها، وعلى أي أساس تُمارس السلطة فيها.

نريد دولة المواطنة، دولة القانون والمؤسسات، دولة لا سيد فيها ولا مسود، ولا مواطن فيها درجة أولى وآخر درجة ثانية.

ومن يريد استعادة الدولة فعليه أن يبدأ باستعادة معناها، وأن يدرك أن إسقاط الانقلاب لا يكفي إذا كنا سنعيد إنتاج أسباب الانقسام والاستبداد بأسماء وشعارات جديدة.

لا نريد أن ننتصر في معركة ونخسر الوطن.